د. رشيد طلبي. المغرب
صدر الباحث الدكتور (رشيد طلبي) مؤخراً دراسة تاريخية وسمها ب(فازاز الأطلس المتوسط المعرفة التاريخية والقيمة الاركيولوجيا). الطبعة الأولى 2026. عن منشورات الموجة الثقافية. وهي من الحجم المتوسط ب 170 صفحة.
حاولنا في هذه الدراسة أن نتطرق إلى أقنومين أساس، من شأنهما إبراز منطقة “فازاز”، والتعريف بها لدى الجمهور الاوسع والمتخصص على حد سواء. وبذلك، تم التطرق كما هو معلن على مستوى عنوان هذه الدراسة، إلى (المعرفة التاريخية) الخاصة بالمنطقة، في سبيل إبراز (القيمة الأركيولولجية)، وهو الأقنوم الثاني. وتبعا لخُطوات البحث منهجيا، تطرقنا أيضا إلى مفهومين أساس، هما (مفهوم التاريخي)، و(مفهوم الأركيولجي). نظرا لارتباطهما الوثيق، بهذين الأقنومين المشار إليهما. ومن ثمة، جاءت الدراسة في ثلاثة فصول.
وبذلك، اهتم الفصل الأول بكل من مفهوم (التاريخي) ومفهوم (الأركيولوجي) في ارتباط وثيق بينهما فالمعرفة التاريخية، بما هي تقوم عليه من نظريات في أفق تحقيق شرط الصرامة العلمية، تعتمد على الأركيولوجيا، علم الآثار، باعتباره أساسات علم التاريخ.
علما أن الإنسان في ارتباط بهذين المفهومين يحتلُّ مكانة هامة. سواء تعلق الأمر بالتاريخ الذي يلعبُ فيه دورا وظيفيا هاما، تحقيقا للتقدم والازدهار، باختلاف اتجاهات المنظرين والفلاسفة. أم الأركيولوجيا، باعتبارها عنصرا هاما ن عناصر الدراة التاريخية؛ وهي تهتم بعلم اللغات، والأنتروبولوجية سواء الطبيعية أم الأنتروبولوجية الاجتماعية والثقافية.

تبعا لهذا، إذا كان التاريخ يشكل الجانب الموضوعي للدراسة التاريخية، بشكل من الأشكال، فإن الأركيولوجيا تمثل الذات/ الإنسان، وحياته اليومية والثقافية على اختلاف مستوياتها الطبيعية واللغوية والعرقية.
هذا، وقد خصصنا الفصل الثاني، من هذه الدراسة، ل(المعرفة التاريخية) الخاصة بمنطقة “فازاز”. وهو صلب هذه الدراسة في شقها التاريخي. حيث تم الطرق، بداءة، لمسألة التسمية ف”فازاز” لغويا تعني (الحجر الصلب) كما أنها تعني (تفزة) وهو مجازا المكان العالي. ويعد اسم الحجر الصلب قد استشف من وصف الحسن الوزان لها في (وصف إفريقيا). علاوة على أن للموقع الأثري أسماء أخرى متدولة، من مثل؛ (الكارة)، و(المهدية) نسبة إلى المهدي بن يوسف بن توالا الذي عني بها عناية خاصة، إبان حكم الزناتيين عليها.
وبخصوص الموقع الجغرافي فقد تم التوصل إلى أنّ منطقة “فازاز”: “تقع جنوب مدينة خنيفرة التي تبعد عنها بحوالي 16 كلم. وهي عبارة عن مرتفع يقع في أعالي جبال الأطلس المتوسط المركزي. وبذلك، يحدها جنوبا أغبالا والقصيبة، وفي الجنوب الغربي زاوية آيت اسحاق إلى حدود تادلة. وبالضبط، الحافة المطلة على وادي ايشبوكة الذي بعده بحيرة تاملالت، (وربما) حتى منابع ملوية. وشمالا، بعد حافة قمة عميرة الطريق الثانوية الرابطة بين اخنيفرة وأجدير مرورا بقرية أيت نوح أركو أسول جنان أماس وهي الطريق رقم 3485. وشرقا وادي كيكو الذي تحيط به غابة الأرز. أما غربا فهي ممتدة إلى حدود أعالي مجرى نهر أم الربيع.
بينما الجانب التاريخي الذي تم التطرق فيه إلى (ما قبل الدولة العلوية) فالأبرز، خلال هذه الفترة التاريخية، هو أن الدولة المرابطية في عهد يوسف بن تاشفين غزا قلعة “فازاز” وحاصرها لمدة تسع سنوات، لكنه دخل إليها عن طريق الصلح. وقد كانت آنذاك تحت هيمنة قبائل الزناتة، وحكم مؤسسها مهدي بن توالا اليحفوشي سنة 1000م.
أما في الفصل الثالث، والأخير، الذي بدوره، يشكلُ، عصب هذه الدراسة، في شقها الأركيولوجي. تم التطرق إلى مسألة الاكتشاف، حيث وقفنا عند مدى التضارب الحاصل في هذه النقطة. بين الآراء التي تروم سنة 1996م لنروم نحن بدورنا، سنة 1992م. اعتمادا على شهادة السيد “علا” في هذا الباب. مع العلم أن تاريخ معرفتها من قبل البعثة العلمية التي تزعمها “المكي المالكي” هو سنة 1979/1980.
بعد التطرق إلى هذا المسألة، خضنا في دواعي الاهتمام التي مثلها العدد من الباحثين والمثقفين الذين يهتمون بتاريخ المنطقة، والتي ذاع صيتها سواء على مستوى المنابر الإعلامية، أم الجرائد الوطنية والجهوية، أم المواقع الإلكترونية؛ خاصة تلك التي تهتم بالمناطق الجبلية، في أفق الاهتمام بها، وتحقيق التنمية المستدامة في مثل هذه المناطق التي يعاني سكانها من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.
وبذلك، وصلت أصوات هؤلاء إلى السلطات المحلية والوطنية، حيث تم القيام بجملة من تدابير الحماية الخاصة بهذه المنطقة الأثرية. وتوجت بالتصنيف في اللائحة الوطنية للآثار، بعد أن مضي سنوات عن تاريخ اكتشافها الحقيقي، وقد كان ذلك يومه الأربعاء 20 فبراير 2019م.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاهتمام والتصنيف الأثري، يعكسُ ما تمتازُ به “فازاز” من قيمة أركيولوجية، تتجلى في أربعة مناح هي: القيمة الأنترولوجية، سواء تعلق الأمر بالأنتروبولوجية الطبيعية، أم الأنتروبولوجية الاجتماعية والثقافية. والقيمة الأثرية، بناء على عاملين اثنين هما؛ العامل الجغرافي، والعامل التاريخي. والقيمة التاريخية؛ تبعا للقبائل الزناتية التي حكمتها، وتبعا للدول التي تعاقبت على حكم المغرب، منذ الدولة الأدريسية حتى الدولة العلوية. والقيمة السياحية التي ترتبط بتحقيق التنمية المستدامة. لأن الاهتمام بالمنطقة سياحيا، يمكن أن ينهض بجانب مهم من السياحة بالمغرب وهي السياحة الجبلية، والثقافية والرياضية.