أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

الكاتب والشاعر محمد رفيق يفوز بالجائزة الثانية للقصة القصيرة ببني ملال

فاز الكاتب والشاعر محمد رفيق بالجائزة الثانية للقصة القصيرة، عن قصته “المدارة”  مساء يوم الثلاثاء 15 مارس 2016، في إطار الأسبوع الثقافي لجامعة السلطان مولاي سليمان، الذي نظمه مختبر اللغة العربية وتحليل الخطاب بتعاون مع مختبرات وفرق البحث المعتمدة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، المنظم من 14 إلى 19 مارس 2016، بنص قصصي يحمل عنوان “المدارة”

 في ما يلي نص القصة :

محمد رفيق

 لازلت أقيم في المدارة، أنتظر جسدي أن يمتلئ، وحده النعل يعري خطواته في كل مشية، بعد أن تنصل من إنسانيته في هذا القيظ الشديد، والحر الممزوج بالرطوبة اللزجة التي تخنق الأنفاس.
لازالت أنتظر بجانب هذه المنعرجات، أحاكي الضوء، في كل مرة يأخذني جسدي إلى لون فاجع، بعد أن أعياني الانتظار، انتظار الأضواء وانتظار إشارة المرور. طابور السيارات طويل وممتد. العجلات بطيئة، تحاول ترويض الإسفلت المعبد علّهُ يسعفها في الحركة، كل الأعناق تشرئب بحثا عن منفذ.
الكل على عجل، الريح البحرية، التي تهش الوقت بين الفينة والأخرى بنسمة، دون أن تستطيع تخصيب هذا الحر اللاهب واللزج.
الانتظار يتمدد وسط هذا الصخب، لازالت المدينة تسابق نفَسها، والريح تجرف تيه الشرفات والجدارات السامقة، والجدران المتآكلة المشبعة بالماء، بعد شتاء ماطر، في حواري المدينة القديمة، تزُعُّ أنفاسها في تجاويف الأنوف العابرة في الجوار، بعد أن انداحت البيوت في حبال الدروب والحارات، ومتاهات لاتحب مكرهة أن تلامس خيوط الشمس إلا لماما. ما تبقى من المدينة يعتصم بأعمدة سماوية سامقة، جعلت الغروب يحترق قبل الأوان، قبل التحية المعهودة للبحر، أضحى الأمر يحتاج إلى مسافة طويلة من الامتداد في حواشي المدينة، أغلب المارة لا يذكر بصرها قبلة عاشقة من السماء للبحر، البعض لا يذكر لون شمس العشي وسط هذا الدخان الآثم.
توزعت أطراف النهار باكرا في آناء الليل، والكل ممتد في خشوع السرعة، يأكل من بردة النهار ويذخر منه لمساءات غاوية.
هؤلاء يخاتلون عري المكاتب لغسل دخان السجائر في المقاهي المجاورة. أولائك يصدعون لليل ينطفئ في الحانة الدانية من الشاطئ، يغتسلون بهدير الأمواج، يحلبون أزهار طيف باسم مزنر بنياشين الوداع في لحظة فاتنة قل نظيرها. العيون قانية تتوسد هوية الروح وسط صخب ضاج، الكل ينصت لأناه، والكل يحدث الكل دون ملل أو كلل، حتى يشتعل النهار بأول عود ثقاب يخرج عاريا بأول خيط من البحر.
خرجت من كل هذا الانتظار، وأنا أسير إلى صخرة، تتحسس ممشاي إليها وكأنها تنتظر موعد وصولي، خاصة في هذا الفصل، فصل الصيف. هي لحظة أتجرد فيها من أثقال العالم، أروي فيها تفاصيل اليوم للبحر، في جلسة يلفها الظلام المقمر، أناجي فيها ورقة لا تتبدى إلا في هدير العتمة دون أشرعة، هناك فقط بعض الأضواء الخفيفة البعيدة، يقتنصها الشاطئ من رائحة الصيادين.
الحقيقة أني هنا أبحث عن ريف، هو ريفي وحدي، أجره إليّ، في جزء مني بعيدا عن المدينة، رفقة الأدواء والأشواق. البحر ينداح معي إلى الحنين، تحملني الطفولة إلى ريق الذكريات العذب، هناك الحب لا يساوي الموت. الحب فقط يتملّى الجفون الطازجة ورائحة التراب والخضرة النظرة البرية. النساء بكلطمأنينة يغزلن السمر في البيدر، دون طنين الأكعاب على الإسفلت، وبجانب الحوش الكلاب تبصط رجليها دون فطنة الاحتراز من القادم أو الآتي.
كلما عاد أبي، تتحسس الكلاب رائحته مرحبة، ننتظره على عجل، لاشك أنه يحمل إلينا شيئا من متاع الدنيا البسيط، أراه بعد الصلاة، يغرس عينيه في القمر مترعا بهجير الحياة في جلسة صفاء ذهني، يحرك أصابعه ملفوفا بالدعاء، وكأنه يحاور الكون، يمسح القلق عن عيونه، يرتدي لباسا جديدا، يستعيره من الطبيعة يتلفعبه استعدادا لغد نظير . نتحلق حوله يحكي عن زمن المقاومة وأيام الفرنسيس، وشيء من النضال، لا يشبه نضالات اليوم بعد أن اصطفت دكاكين السياسة في كل جانب دون طائل، يستمر في الحكي قبل أن ينسل من بيننا بهدوء وقد غالبنا النعاس…
لا أعلم لم أذكر كل هذا، وأنا أنسغ الشهوة في جسد البحر، لأرتاد هذا السفر. حين خرج الحلم من بقايا الجسد وأيقظ الصخب أوصال طمأنينة الذات. وجدتني ممسوسا بأصوات المنبهات، لازلت أنتظر في المدارة لازلنا جميعا ننتظر ربما تعطلت الأضواء واختلّت الألوان وسافرت بعيدا عنا. رغم ذلك لازلنا ننتظر إشارة الشُّرُطي ليرفع يده اليسرى، وهو يمازح صافرته بين الفينة والأخرى، كلما تراءت له سيارة مسؤول فاقعة اللون تخترق الطوابير، تتجمد حركته ويستقيم جسده قبل أن يعود للارتخاء.
وأنا لازالت أنتظر إشارة ضوئية أو حركة منه للمرور، كلنا ننتظر في المدارة، ننتظر أن يلبس الجسد ظله، فالأفق يجلي العتمة ويتوق إلى قبلة باسمة، بعد أن سحل الهواء بقع الضباب الكابية، فهو فقط ينتظر جرعة الأكسجين الكافية للانتشار في باقي التفاصيل..

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد