لو أننا فكرنا جيدا في مفهومي النفعي و غير النفعي لوصلنا إلى نتائج كانت في الأصل منتظرة بعيدا عن أي شكل من أشكال الوصاية التي يمارسها البعض بإتقان دقيق مطبقين لسياسة القمع و الإرهاب طوعا أو قسرا على شباب الخطأ الذي قام به هو أنه تعلم .. في واقع الأمر الانسان منذ ولادته و هو يتربى على فكرة الحصول على شهادة عليا سيوفر له حظا كبيرا في الحصول من طبيعة الحال على وظيفة تعينه على نوائب الزمان، و هو يكبر و الفكرة تكبر معه إلى أن يصطدم بالواقع، بالحقيقة المرة إن صح التعبير.
و في إطار البحث، و تحديدا ما يتعلق بقضية العطالة و تناميها في وسط الشباب و تمظهراتها على صعيد شريحة عريضة من المجتمع المغربي، كان بودي الحديث عن ذاتي و أنطلق من ذاتي ” كمعطل ” عانى الأمرين و لا زال يعاني و يعاني، و لكن ارتأيت أن أعمم لأنني لست وحدي من يعاني من هذا الداء، و من هذا المرض العضال الذي ينخر و لا زال في عمق الشباب و الكهول من أبناء هذا الوطن الحبيب، و لأنه عند الحديث عن ” المعطل ” كمفهوم، كقضية، كإنسان، سنتحدث عن المجتمع الذي يعيش في وسطه، عن النظام التعليمي الذي صنع طوابير من المعطلين، عن السياسة التي لا زالت تتلعثم في فقه الواقع.
فاليومي عند ” المعطل ” و إن كنا نتحفظ من كلمة ” معطل ” لأنها خلقت لغرض ايديولوجي صرف، و التي أريد لها أن تكون إحدى المشاكل العويصة التي يتخبط فيها العديد من المواطنين، و اليومي عند الشخص قلت، الانسان المعطل ليس كالباقي، فبعد أن كابد الصعاب في الحصول على شهادة من الشواهد الجامعية التي أضحت اليوم لا تسمن و لا تغني من جوع، و بعد أن تم القصف و العصف به إلى الشارع، و هراوة المخزن تطارده أينما حل و ارتحل، و الخوف يلبسه دائما و أبدا كمعطف في يوم شديد البرودة لا يخلع، ها هو يعيش نوعا من الترقب، هل سيصبح الغد زهرة الربيع يقطفها و ينتشي بعبيرها أم يصبح نيرانا تتربص به في ظلمات التشرد و المخذرات، العجرفة و السرقة، التشرميل التربوي من هذا و ذاك، و احتراف العديد من الأعمال لم يكن ينتظرها يوما، بل لم يحلم يوما أن يمتهنها، يضرب يمينا و شمالا لكي تنعم و تنتعش الزبونية و المحسوبية على أنقاظه بعد استغلاله و تهميشه على هامش مغرب القرن 21.
بعد أن مر هذا المسمى ” معطل ” بامتحانات عسيرة و لا زال يمر منها في حياته، و بعد أن رسم آفاقا، و وضع تصميما لحياته، لمستقبله، اصطدم بواقع لم يكن ينتظره بالصورة التي هو عليها، في الغالب تأخذك الحياة على بساط ريحها إلى حلم قد يتحقق و قد يصدمك عند نهاية الطريق هذا هو حال واقعنا.
و نحن نتحدث عن ” المعطل ” لابد من استحضار أولا نظرة بعض الأفراد من المجتمع إلى هذا الانسان، حيث يعاني من نظرات التحقير و الاستهزاء و الاستصغار، و ينعتونه بالفاشل غير الصالح لأي شئ بقولهم :” أنت لا تفهم في أي شئ “.. ” ماذا درست و بماذا نفعتك دراستك ” .. ” المعطلون سرهم يأكلهم الدود ” … فلابد و الحالة تلك من أن نكون أيدي مساعدة لا معاول هدم.
ثم ثانيا أن النظام التعليمي السائد و الذي يحتاج إلى إعادة النظر يتقن و يتفنن في صناعة طوابير المعطلين فانطلاقا من الطريقة التي يتم بها التلقين، و الكيفية التي يتم بها الانتقاء، و الحالة التي تعيشها المؤسسات التعليمية فيما يخص الموارد البشرية و البنية التحتية، كلها مشاكل تسهم بشكل أو بآخر في النتائج التي يتخرج بها عدد من التلاميذ و الطلبة في مجموعة من المستويات، مما سيسهم و سيزيد من عبء العطالة بصورة كبيرة. إضافة إلى التحكم الخارجي حيث يظل التعليم خاضعا لتعليمات البنك الدولي، و كذلك تصدير الأزمة الأوربية الاخيرة بشكل بارز إلى المغرب مما يزيد الطين بلة و يزضخم عدد المعطلين بمغرب الاستقناءات.
ثالثا أن السياسة التي تنهجها الدولة مع العدد الهائل من المعطلين سياسة آكل عليها الدهر و شرب فعوض التفكير في حلول ترضي جميع الأطراف ها نحن نسمع و نرى يوميا التنسيقيات و المضايقات التي يتم التضييق عليها، و نرى مطاردة المخزن لصفوف المعطلين لا لشئ إلا لأنهم يطالبون بحقهم في التشغيل و التوظيف، و نرى العديد منهم يتسول في شوارعنا، و نرى متشرد هنا و هناك حامل لشواهد عليا، و هو العار كل العار. و نسمع عن حلول ترقيعية كلما هل هلال الانتخابات من هذا و ذاك ..
و في أفق أن تجد الحكومة و النظام حلولا جذرية للخصاص المهول و الخطير في العديد من الوظائف العمومية، و في انتظار أن يجد ” المعطل ” طريقة أخرى لإيصال صوته، و الوصول إلى حلول تخرجه من مشكل البطالة و العطالة، و ترفعه في سلم الرقي الاجتماعي و الكرامة الانسانية يبقى السؤال مفتوحا، المعطلون بالمغرب إلى أين؟؟؟