الفوسفاط ثروةٌ نادرة.. لا تتَجدّد..
وما تبَقّى منها لحدّ الآن عندنا، وأكثرُها في «خريبكَة» المغربية، يُشكّلُ ثُلُثَ الاحتياطي العالمي..
وبهذا الموقع، يُعتبرُ المغربُ مُؤهّلاً لتغطية حاجياتِ العالم من الفوسفاط لمدة 700 سنة..
والمغربُ هو أولُ مُنتِجٍ للفوسفاط، وثالثُ دولةٍ مُصدّرةٍ في العالم، مَتْبُوعًا بالصّين..
ومن الفوسفاط، تُستخرَجُ أسمِدةُ الفوسفُور الأساسية في التّغذيةِ العالمية..
ـ بدون فوسفور، لا فلاحة، ولا زراعة، ولا بشر، ولا حياة..
الفُوسفور، المشتقُّ من الفُوسفاط، ضروري لنموّ الكائنات، منها النباتاتُ والحيوانات والإنسان..
يُسمّونهُ إكْسِيرَ الحياة.. وهو موجُودٌ في كلّ خليّة.. كلّ نَبْتَة..
كلُّ ما يعيش على الأرض، يتغذَّى من الفُسفُور..
منذ ظهور الحياة على هذا الكوكب، قبل حوالي 4 ملايير سنة، والفُسفُور فاعلٌ في كلّ الكائنات الحية..
لكنّ الفُسفُور اليومَ مُهدّدٌ في وجوده..
وسنةً بعدَ أخرى، يقلُّ الفُسفُورُ على الأرض..
ـ ومؤخرا انعقد مؤتمرٌ عالمي حول أسمدةِ الفوسفور، لتوعية السياسيين، والرأي العام، بأهمّية هذه المادة الضروريةِ للحياة..
وتمّ التأكيد على أن هذه الأسمدة يتزايدُ الطلبُ عليها في الأسواق العالمية، وأنّ العالمَ مُهدّدٌ بمجاعةٍ كُبرى خلال ما بين 2030 و 2040 القادمة، إذا استمرّ التّبذيرُ الحالي في التوزيعِ العالمي لهذه الأسمدة الأساسية الفُوسفُورية..
وإذا حدثَ هذا، فستكُونُ له عواقبُ وخيمة على حياةِ كلّ الكائناتِ الحيّة على الأرض..
ـ وهُنا تقعُ مسؤوليتان فوسفاطيتان على المغرب: مسؤولية خارجية، ومسؤولية داخلية:
الخارجية هي أن تتحمّلَ بلدُنا مسؤوليةً حياتيةً على الصعيد العالمي، فتُساهمَ في جعل هذه المادة الأساسية موضوعَ نقاش دولي من أجل تجنيبِ العالم كوارثَ غذائيةٍ في المستقبل..
لا بُدَّ من اتفاقياتٍ وقوانينَ جديدة، لكي يستطيعَ المغربُ المساهمةَ على أساسِها في تحقيقِ أمنٍ غذائي عالمي..
وغيرُ مقبُولٍ أن تكُونَ عندنا مادّة أساسية للحياة، ولا نتعاملُ بها في إطار عادل، على صعيد الحقّ في الحياة..
هذه مسؤوليتُنا الدولية يجبُ أن نُساهم بها في مُحاورة الأُسرة العالمية..
ويمكنُ مقارنةُ هذه المسؤولية الغَذائية بما يعرفُه الفوسفور، وهو من مُشتقّاتِ الفوسفاط، من سُوءِ استغلالٍ من قبل دُولٍ صناعيةٍ كُبرى..
الدولُ الصناعية تُواصلُ استغلالَ الفوسفاط العالمي لإنتاجِ قنابل «الفُوسفور الأبيض»..
وإذا اقتَصرْنا على الجانبِ الزراعي للفوسفُور، ولَعِبْنا ورقةَ الفُوسفاط على مُستوى توازُناتٍ عالمية، فإنّ الفوسفاط المغربي يستطيعُ أن يُؤثّرَ في السياساتِ العالمية، في هذا الاتجاه أو ذاك..
ورقةُ تأثيرٍ مُهمّة في يدِ المغرب، مع العلم أن بلدَنا الملتزِم بالقانونِ الدولي، لا يُقْدِمُ على أيةَ لُعبةٍ يُمكنُ أن تخلُقَ مشاكلَ عالميةً خطيرة..
المغربُ لا يقبلُ اللعبَ بالفُسْفُور..
ولا أن يرتبط الفُسْفُورُ العالمي بقنابلِ الإحراق..
وقد استخدمَ الأمريكيون هذا السلاحَ المحرّمَ دوليا في العراق، وإسرائيلُ في غزّة، وغيرُهما في مناطقِ نزاعاتٍ أخرى..
هذا على الصعيد الخارجي..
ـ أما على الصعيد الداخلي، فمن حقّنا، نحن المغاربة، أن نُعيدَ فتحَ ملفّ الفوسفاط من الزاوية الإنتاجيةِ والتّجارية:
أين يذهبُ الفوسفاطُ المغربي؟
أين تذهبُ مَداخيلُ الفوسفاط؟
حُكومتُنا الـمُلْتحيّةُ تتذرّعُ بعدمِ وُجودِ سُيولةٍ كافيةٍ لحلّ المشاكل الاجتماعية المتراكِمة.. فهل ما يتمُّ استخراجُهُ من التّربة المغربية، يتمُّ إحصاؤه وتسويقُه وإدخالُه كله إلى صُندوق الدولة، مع مُراقبةِ وحُسنِ تدبيرِ هذه المداخيل من الثروة الفوسفاطيّةِ المغربية؟
السياسيون الحاليون يغُضّون الطرف عن مداخيل الفوسفاط، عكسَ سياسِيّي مطْلعِ الاستقلال الذين طالما وزّعُوا الأحلامَ على المغاربة، ووَعدُوا المواطنين بتمكين كُلّ مغربي من مدخول مالي يومي في حدود 10 دراهم، أي 300 درهم في الشهر، من مدخول الفوسفاط..
و300 درهم في الشهر، آنذاك، كانت راتبَ مُوظفٍ كبير..
وهذه وعودٌ قدّمَها الحزبُ الأولُ آنذاك، ومرّرَ بها مَشاريعَه السياسية والاقتصادية، وفعلَ بها ما فعلَ على الصعيد الوطني من توزيعٍ لكعكةِ الاستقلالِ، وما تبعَها من ريع، على المقرّبين، ومُقرّبي المقرّبين..
الفوسفاطُ المغربي يعُودُ اليوم إلى الواجهة من خلال مُؤتمر دولي تحذيري من المجاعة العالمية المحتملَة، ومن خلال ما كتبته جريدةُ «نورثيرن مينر» الأمريكية المتخصّصة، من أن مداخيل المغرب من الفوسفاط، فقط في 6 أشهر، تفُوقُ 2,5 مليار دولار، و ما تُقدّمهُ الإدارةُ من معلوماتٍ للمغاربة عن أرباحِها قد يكونُ غيرَ صحيح، بسببِ تهرُّبِ المسؤولين المغاربة من إدراج «الشركة الشريفة للفوسفاط» بالبورصة، لتبقى الأرقامُ سرّية.
وكشفت نفسُ الجريدة الأمريكية المتخصّصة، «نورثيرن مينر»، أنَّ المثير للاستغراب هو التناقضُ بين مداخيل الفوسفاط ومُعاناةِ المغاربة من الفقر، بل الأكثر أنّ الفلاّحين المغاربة لا يستطيعُون اقتناء الفوسفاط لأراضيهم…
هذه المعلومات وردت أيضًا في الموقع المغربي «زنقة20»..
وإذا كانت المعلومات غير صحيحة، فالمطلوبُ من الجهاتِ المعنية تصحيحَها..
إنّنا اليوم في واقعٍ آخر غير ما كانت عليه الحالةُ إبّانَ عُقودٍ ماضية..
ومن واجبِ بلدِنا أن يستخدمَ ثرَواتِه في تنميةِ الوطن والمواطِن..
ـ ثروةُ المغرب يجبُ أن تَؤُولَ إلى كلّ المغاربة، لا إلى فئةٍ تَغتني، وفي نفس الوقت تُفْقِرُ الأغلبيةَ الساحقةَ من المواطناتِ والمواطنين..
والفُوسفاطُ ثروةٌ وطنيةٌ يجبُ أن تتّضح..
وألاّ تقَعَ في أيّ غُمُوض!
الغموضُ لا يعني إلا احتمالَ التلاعُب..
والفساد.. والمستفيدين من الفساد..
وهذا لا يجوزُ في المغرب الجديد..