أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

من أجل ثورة ,مرحاضية,

أستأذن القراء الكرام أن أحدثهم في موضوع قد يستكنف المثقفون من الخوض فيه. .. ولكن بما أنني مجرد إنسان “كأيّها الناس”، لا أنتمي إلى طبقة المثقفين، بالمعنى المتداول للكلمة، سأتوسّم فيكم أن تلتمسوا لي بعض العذر إذا ما “اضطررت” اضطراراً للحديث عن هذا الموضوع “الخطير” … إنه موضوع “الطّواليت” فالشوارع العمومية (عزّكوم الله).

لماذا أقول لكم بأني “اضطررت” اضطراراً للحديث عن هذا الموضوع ؟.. ل”اضطراري” هذا قصة سأحكيها لكم.

كنت ذات يوم أتجول في مدينة مغربية “اضررت” لزيارتها لأسباب عملية. كانت نيتي أن اقضي فيها يوما واحدا لأعود مساء إلى مدينة مراكش التي أسكن فيها. لكن حدث لي أني أردت أن أسحب بعض النقود من شباك أوتوماتيكي في هذه المدينة لتفاجئني الآلة بحجز بطاقتي البنكية. وبما أن اليوم كان سبتا، فقد أُخبرت بأن علي أن أنتظر إلى يوم الإثنين لاستعادة بطاقتي. لم تكن بحوزتي سوى نقود قليلة لا تكفي للشيء الكثير، مما “اضطرّني” للمبيت في فندق ذكرني ب”المطعم البلدي” الذي وصفه شاعر الحمراء رحمة الله في قصيدتة الشهيرة.

تعوّدت أن أكون مكتفيا بكل شيء .. وأن أعيش في كل الظروف (سبق لي أن “اضطررت” إلى المبيت في الشارع عندما كنت طالبا!) .. لكن ما لا أطيقه بالفعل هو المراحيض القذرة!

لست أدري لماذا لا نزال نعيش بعقلية تعتبر المرحاض مجرد “بيت للماء” في أحسن الأحوال؟! أول ما يصدمني عندما أعود من بلد تحترم فيها الطبيعة “الكيماوية” للإنسان هو أن أكتشف بأن مراحض المطار عندنا لا تتوفر على “الورق الصحي”، فتكون “مضطرا” لأن “تُدَوِّرَ” مع حارس المراحيض ليعطيك شيئا من هذا الورق الذي يكون نفيسا في حالة “الإضطرار”.

مشكلتي مع المراحيض أني شديد الحساسية سريع التقيؤ عند شم الروائح الكريهة. لن أصف لكم الحالة المرعبة التي وجدت عليها مرحاض الفندق الذي حللت به رأفةً بشهيتكم التي لا أريد أن أكون سببا مباشرا في فقدانكم لها!

قررت أن لا أستعمل مرحاض الفندق وأن أتجه كلما “اضطررت” إلى مقاهي المدينة التي قد تكون أرحم برجل أربعيني لا يتشبّث بشيء في الحياة الدنيا سوى بحد أدنى من نظافة المرافق الصحية!

لقد كنت “مضطرا” لهذا الحل لسببين: أولهما أن مرحاض الفندق كان تجربة جحيمية لا تطاق. وثانيهما أن هذه المدينة لم تكن تتوفر على مراحيض عمومية!

بالمناسبة، طرحت يوما على نفسي السؤال الفلسفي العميق التالي : أيهما أهم، بناء المراحيض أم بناء الحدائق؟ و بما أن القاعدة الفقهية تذهب إلى أن “درء المفسدة مُقدم على جلب المصلحة”، وبما أن جحيم “الإضطرار” مفسدة عظيمة، فإن الفطرة السليمة ستفضل مدينة مليئة بالمراحيض على مدينة مليئة بالحدائق ولا مرحاض فيها!

المشكلة التي واجهتني في استعمال مراحيض المقاهي، أني كنت مضطرا لدفع ثمن قهوة لا أشربها كلما استبدت بي الحاجة إلى استعمال المرحاض. تخيلوا ماذا يعني أن تدفع 12 درهما زائد درهمين من “الفابور” التي أصبحت أشبه بضريبة تدفعها للنادل حتى لا ينظر إليك بشيء من الإحتقار عند مغادرتك للمقهى.

أضف إلى هذا أني “أضطرّ” في كل مرة أستعمل فيها مرحاض المقهى أن “أدّعي” أني جئت بالفعل لأشرب القهوة، مما يعني بأني أكون “مضطرا” للجلوس لبعض الوقت على الكرسي وانتظار مجيء القهوة وتجرّع بعضها بعد أن تجيئ. أمثل دور زبون “يتڭلضم” على القهوةِ في “القهوةِ” .. ولكن الله وحده يعلم ب”الثورة المظفرة” التي ألهبها الحماس الثوري لأَمعائي.

إن المرء ليأسف عندما يجد بأننا، في بلدنا، لا زلنا ننظر إلى الشوارع على أنها امتداد طبيعي للمرحاض بحيث يمكن للإنسان أن يفجر كل فضائحه في أي مكان! أحاول أن أتخيل يابانيا يتبوّل في أحد شوارع طوكيو الجميلة .. أنا متيقن أن اليابانيين قد يعلنون حالة الطوارئ إذا فعلها أحدهم لا لأنه سينجّس المكان بل لأنهم سيعتقدون أنه أحد الهاربين من مستشفى المجانين! أذكر أنني “حصّلْتُ” سيدة محترمة كانت في زيارة لنا في بيت أبويّ وهي تتبوّل في “السّطاح” رغم أننا كنا نتوفر عل ثلاثة مراحيض بالبيت. لم أفهم لماذا فعلت ذلك! ولماذا استمرت في فعلتها وهي تنظر إلي بعينين مفتوحيتين تشع منهما علامات الرضى! لقد أحسست عندما “حصّلْتها” أنها “حصَّلتني” وأنا “أحصِّلها” .. لذلك فقد أحسست بخجل لم يعد يسمح لي أن أنظر إلى وجهها.

أولا نحتاج في بلدنا إلى ثورة مرحاضية تتغير بها وضعيتنا الأنطولوجية من كائنات لا تعترف بواقعها “الكيماوي” إلى كائنات تتعامل مع هذا الواقع، لا كمجرد “اضطرار”، ولكن كحاجة يمكن أن نشبعها بشيء من التعامل “الإستطيقي”؟ … لنصرخ إذن بغضب ثوري: الشعب يريد .. مراحيض عمومية نظيفة!!هسيربيس.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد