جمال أسكى
طالما كتبت عن المسؤولين العموميين، وطالما انتقدت البرلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية… ببساطة لأنني أؤمن بأن دور الإعلامي هو وضع تدبير وتسيير هؤلاء تحت المجهر وتسليط الضوء على المناطق المعتمة في إدارتهم لشؤون البلاد والعباد. فالمسؤول العمومي عامة، والمسؤول المُنتخب بصفة خاصة، يقبل عن طواعية أن يكون في خدمة المواطنين الذين منحوه أصواتهم وثقتهم وليس خدمة أي شيء آخر. والإعلامي النزيه هو الذي يريه وجهه في مرآة الحقيقة بلا ” زواق ولا نفاق”…
يا لَلعيب ويا للعَجب.. أجد نفسي، مرة أخرى، مضطرا لأن أمدح عوض أن أنتقد وأن أمجد بدل أن ” أبهدل”. فالمسؤول المعني هنا غير معني بالنقد. نعم، فالرئيس رئيس مختلف عما ألفناه من الرؤساء.. وهذا المنتخب هو فعلا منتخب بلا مدرب.. فهو الحارس والدفاع والوسط والهجوم.. هو الشاكي والباكي والمشتكى به… ومع ذلك ما يزال يشتكي.
رئيس جماعة، محترم طبعا، يضع شكاية ضد حرية الصحافة والنشر والتعبير… هو نفسه بذاته وصفاته، وفي كامل قواه الجسمية والعقلية، يُجَيش أغلبيته المغلوبة على أمرها للإحتجاج في حرم المحكمة الإبتدائية بأزيلال، وبطريقة قانونية جدا.. ضد ماذا؟ اللافتات التي رفعها النواب المحترمون للرئيس المحترم تقول أن السيد الرئيس يتضامن مع حرية الصحافة الحقيقية والتعبيرالحقيقي والنشر الحقيقي… وكل شيء حقيقي. وما الحقيقة في تحقيق السيد الرئيس المحقق؟ الجواب بسيط ويحتاج إلى قليل من التفلسف للفهم: كل حقيقة لا تقول الحقيقة عن حقيقة تدبير السيد الرئيس فهي حقيقة ساطعة ناصعة البياض، وكل حقيقة تحقق في ” الكوارث التدبيرية” لمعاليه فهي حقيقة مزورة ومشوهة وناقصة…
السيد الرئيس الموقر لا يجد أدنى تناقض بين رفع لافتات تنتصر للقضايا الجوهرية للإعلام من قبيل الحرية والنزاهة… وبين رفع شكاية ضد مدير موقع من أجل خنق الحرية وطمس الحقيقة.. فالسيد الرئيس يؤمن بالثالث المرفوع، ولذلك تحرك سريعا ورفع الشكاية وأمر نوابه وحاشيته المباركة برفع لافتات تدينه قبل غيره.. ومن فرط حبه للرفع رفع كلمة ” مَتاهة” فنحت كلمة جديدة في القاموس العربي باسم ” مُتاهة”…
آه يا ” مُتاهة”.. فقد خرجت من فاه ” مُتاهة” تائهة كمولود جديد يبحث عن أمه.. ” مُتاهة” تحس بها تنطق عسلا حلوا وسُكرا… فالسيد الرئيس الموقر والضم والضمة لا ينفكان ولايفترقان.. فقد ضم أكودي نلخير وناخبيها وضم الجماعة ورئاستها ويطمع أن يضم أطلس سكوب ومديرها.. فلماذا لا يضم المتاهة ومتاهاتها وتصبح، بقليل من الذكاء، ” مُتاهة”؟
إن العبقرية الفريدة لرئيس زمانه هذا تكمن بالذات وبالضبط في لفظة ” المُتاهة”. فقد تمكن من إعادة المحاكمة إلى الصفر بعدما صحح كلمة ” مَتاهة” و جعلها “مُتاهة” وهكذا أُجلت المحاكمة، بحركة ضم خفيفة، حيث ضُمت الضمة إلى الملف وكان لابد أن يُعمق البحث في المصطلح الجديد حتى لا تتيه القضية بين المتاهة المنصوبة والمتاهة المرفوعة. فالنصب انتهى مفعوله ومر السيد الرئيس للرفع.. ومن يدري فقد يجر غدا؟
وفي الحقيقة فإن مصطلح “مُتاهة” يوضح بجلاء أن السيد الرئيس لم يقرأ ما كُتب حوله، وهذا مبرر ومفهوم لأن سيادته ليس لديه وقت للقراءة. فكل وقته يقضيه في التخطيط لتحويل جماعة أكودي نلخير إلى “سويسرا أزيلال”.. ولتفادي ضربة عين قاضية من أعداء النجاح، عمد إلى إشغالهم ب” أنفسهم”، عوض الإنشغال بإنجازاته، فرفع شكاية بناء على توصله بوجود “مُتاهة” خطيرة تحاك ضد سيادته. ولأن علمه، وعلم من أوصل إليه الخبر غزير، فقد ظن أن ” المُتاهة” قنبلة نووية تقترب من تلابيبه فهرول للقضاء لتخليصه من “موت محقق”.
إنني، نظرا لكون السيد الرئيس ينتمي لطينة ناذرة من الرؤساء وفئة تكاد تكون منقرضة من المسؤولين، ألتمس من السادة القضاة أن يستمعوا جيدا ويعيدوا الاستماع لتلك الكلمة السحرية الساحرة ” المُتاهة” التي أنطقها السيد الرئيس مرارا في حواره مع بوابة أزيلال أون لاين، ويحكموا على ضوئها لصالحه بخمسين مليون مع التوصية بالحفظ في المحافظة العقارية. فأن تقدم شكاية في “مُتاهة” ضد شخص لم يكتب ” مَتاهة” وأنت تائه تستحق فعلا جائزة.. ما أحوجنا للإبداع في زمن ” المُتاهات” وكل مُتاهة ورئيسنا المبجل في تيهه يتيه…