المسلك سعيد
1 تمهيد عام :
المساجد أماكن مقدسة فهي – كالكنائس والدير وغيرها – فضاءات للتعبد والتضرع الى الخالق، بحثا عن الطمأنينة الروحية في خضم عالم دنيوي فقد السكينة واختبل، واضمحلت، فيه القيم النبيلة لصالح وحشية التملك المادي والمصالح الشخصية الزائلة. ومن هذا المنطلق، فهذه الأماكن كلها وجدت للتقرب أكثر إلى الله عبر سبل روحية شتى : كالذكر والابتهال والقراءة والتركيز و التأمل الصامت وغيرها. لهذا يطلق عليها بلغة موليير lieux de culte أو lieux de recueillement، وباتت الأماكن المثلى للتوازن الروحي ومقاومة كل عوامل التمزق الذهني والتعقيد النفسي التي صار عالمنا اليوم – أكثر من أي وقت مضى – مرتعا خصبا لانتشارها.
هذه – في اعتقادنا – هي علة وجود هذه الأماكن المقدسة منذ أن أنشأها الإنسان. لكنها – وللأسف الشديد- ستنقلب مهمتها الروحية تلك إلى مهمة أخرى برسالة سياسية واضحة (1). فبالرجوع إلى بعض الجوانب المظلمة من تاريخ البشرية، سنجد أن الكنيسة مثلا كفضاء روحي للترهب والعبادة، ستتحول بشكل مريع إلى مستنقع آسن للرقابة والقمع ضد المفكرين والعلماء والمجتهدين والمناهضين …
وظل الفكر الكنائسي القمعي رمزا للتسلط والتجبر، رافضا لحرية التفكير والإبداع لقرون من الزمن، حتى تمكن الغرب من تكريس مفهوم جديد لعلاقة الكنيسة بالدولة، وهي علاقة ستكون مبنية على الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسات الزمنية في شؤون السياسة والإدارة والأحزاب وغيرها، فصارت الكنيسة نفسها تعزز العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة بين الطبقات. ولعل ما قاله البابا يوحنا بولس الثاني في إحدى خطبه بالفاتيكان، أقوى دليل على ذلك النضج الكبير في العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية : “لقد علمت أن الكنيسة تدافع عن “دولة الحق” ومبدأها إناطة السياسة بقوانين عادلة لا بإرادات بشرية متعسفة”.
في عالمنا الإسلامي لم تكن العلاقة الملتبسة للمؤسسة الدينية بالدولة، أحسن حالا مما كانت عليه في القرون الوسطى بالغرب.
ففي الوقت الذي برز فيه عدد من الفلاسفة والمفكرين حاولوا أن يبرهنوا على أن الدين مجال للاعتقاد الشخصي، قابل للاجتهاد فيه، قوبلت حرية التفكير والتعبير التي أعلنوا عنها دون مواربة، بالقمع والتكفير. فلم يكن ابن عربي مثلا الذي حرقت “فصوصه الحكمية” و “فتوحاته المكية” بأحسن حال من تلميذ البسطامي، أي الحلاج الذي ثم التنكيل بجسده وهو الثائر على الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي على حد تقدير الكثير من الأدباء والعلماء الدارسين لفكره الفلسفي. كما لم يكن حال هؤلاء أفضل من غيرهم في عهد الخلافة والفتنة الكبرى، حين كان خطاب الاسلام السياسي سيفا على المجتهدين مع النص، حيث ظل حبيس نرجسيته المريضة، ولم يتجاوب مع مجريات الواقع الجديد، مما أسال الدماء وأذكى صراع الفتن لقرون من الزمن منذ موت الرسول (ص) مرورا بالفرق الكلامية المختلفة، والمكائد المتبادلة بين خلفاء الدولة الأموية للصراع حول السلطة، ووصولا إلى الدولة العباسية التي يرى فيها المفكرون أنها كسروية مستبدة رغم وصف حقبتها بالعصر الذهبي للأمة.
باختصار، ظلت مآسي الشعوب السابقة في الكثير من الأحيان ضحية لاستخدام الدين كغطاء ايديولوجي لتبرير سلطانها المطلق، واختلط ما لله ب ما لقيصر، وتم إقحام الأماكن المقدسة والتعبدية في الصراعات الفكرية والسياسية، ما أفضى إلى واقع محزن من الاحتقان والتطاحن..
2) المغرب : آن الأوان للقطع مع الاستغلال السياسي للمنابر و مع الخطب المفروضة.
أعاد التاريخ نفسه لأكثر من مرة في مسلسل تعامل السلطة المخزنية مع كل مستجد يومي في المغرب، وذلك من خلال جنوح الاخيرة إلى استغلال منابر المساجد لتمرير ايديولوجيا معينة، فعندما خرج شباب المغرب في 54 مدينة خلال حركة 20 فبراير المجيدة، لا لشيء سوى للتنديد باستمرار ديمقراطية الواجهة، والانتخابات المزورة واقتصاد الريع وأحزاب الكارطون، وسياسة الافلات من العقاب وانحياز القضاء، خرجت وزارة التوفيق لتعميم خطبة الجمعة المفروضة ليوم 24 يونيو 2011، ليطلق الأئمة عنانهم لتمجيد الدستور الممنوح، بما يفيد أنه دستور لتحقيق الرفاهية للأمة، وأنه من الواجب التصويت عليه بـ “نعم”.. هذا، ولم يكن للخطباء أي حق في التصرف في الخطبة المفروضة بإقحام تغيير أو تعديل ! وقد حرضتهم وزارة التوفيق حينئذ على التوظيف الغزير للآيات القرآنية والأحاديث التي تحث على التعاون والبر والطاعة… في تكريس واضح لنظرية Bachelard حول “الاستبداد بالنص”، التي تؤدي في أكثر الأوقات إلى نتائج عكسية ووخيمة أحيانا !
وهكذا التحمت ايديولوجيا الخطبة الدينية مع الشائعات المخزنية التي وصفت شباب حركة 20 فبراير بـ “البوليزاريو”، و”آكلي شهر رمضان” و “المناوئين للملك” ، مدعمة بأبواق الصحافة المأجورة لصد الحركة المجيدة ، حتى رفع المحتجون في كل بقاع المغرب شعارهم القوي :”المساجد للعبادات/ماشي للدعوة للانتخابات”.
إن هذا الاستغلال السياسي لمنبر المساجد، بتصريف الخطبة المفروضة عن دلالتها الأصلية، وباستخدامها في غير موضعها عن طريق “التكييف القسري” لمضمونها مع الغاية من تعميمها (وهي غاية إيديولوجية مفضوحة)، إنما هو تكتيك فاشل يستبلد المواطنين، ويجعل من الآيات والأحاديث الموظفة لتلك الغاية، “كلمة حق يراد بها باطل” كما كان يقول علي بن أبي طالب (ر). إن هذا النوع من التمويه والخداع أشد مضاضة على النفس من الإحتيال التي تمارسه بعض الأحزاب الدكتاتورية في العالم بنوع من البركماتية والانتهازية السياسية التي تستخدم الديمقراطية كمطية للوصول إلى السلطة، ثم تتخلص منها فجأة وإلى الأبد. الأمر، في نظرنا، سيان من حيث الوقع السلبي على نفسية المواطن التواق إلى أن يتنفس الديمقراطية في كل شبر من دولة الحق والقانون التي يصبو إليها.
إننا نخاف كل الخوف في أن يسفر هذا الاستغلال السياسي للمنابر الدينية، باجترار خطاب الفقه السياسي الإسلامي كلما احتجت الجماهير، عن واقع عنيف كما هو مجسد اليوم ببعض دول العالم، في ظلامية داعش والنصرة وغيرها. كما نخاف أن يتحول أئمة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى “بوليس أخلاقي مناسباتي” يزجرون بخطبهم المخدومة، كل من ترى فيه الدولة ” خارجا عن الطاعة، مخططا للفتنة…”، وهذا يذكرنا بما كان يقوم به الحنابلة من تصرفات عنيفة ضد كل من لا يجاريهم من الأشاعرة والمعتزلة ومن لا يسير على مذهبهم.
إن الحاضر ليس ببعيد عن الماضي، ويجب أن نستحضر دوما قوة “الخطاب الديني المفبرك” وقدرته على تحريك الجماهير من المغرب إلى المشرق، وعلى إشعال فتائل الفوضى بين مناصر ومعارض. ولنتذكر فوضى انتفاضة الجماهير ضد سلمان رشدي، وتسليمة نسرين وصاحب رواية “وليمة لأعشاب البحر” التي لم يقرأها الكثير من الأميين الأبجديين سواء من المصلين أو غيرهم…
إن المسؤولية العظمى للإمام الخطيب، مسؤولية تاريخية في الموعظة الحسنة والإرشاد الهادف لنبذ العنف بكل أشكاله الرمزية والجسدية، و الإسهام في بناء صرح مجتمع راق ومزدهر. لا نقصد بأن يبقى الإمام بعيدا، متفرجا على وقائع المجتمع الذي ينتمي إليه، بل بأن يساهم بما أوتي من علم وحكمة (لا بما أوتي من الوزارة)، في التنوير، والتوعية النبيلة والحفاظ على التماسك والتضامن والسلم داخل المجتمع. وإلا صار الإمام مخلا بوظيفته الحقيقية، خائنا لدوره في الزمان(ما يقع في المجتمع)، وفي المكان (المنبر الذي بوأه الخالق لأن يتوجه باستمرار من خلاله إلى أفراد المجتمع بالكلام الحق الخالي من كل تمويه أو خداع إيديولوجي لغاية في نفس يعقوب، لأنه ما لله لله ، وما لقيصر، فهو شيء آخر.
3) حراك الحسيمة وضرورة الحفاظ على سقف المطالب المشروعة:
أبانت مختلف المسيرات الاحتجاجية التي خاضتها الجماهير الشعبية منذ شهور بالحسيمة عن نضج ووعي كبيرين، يزكيهما النظام الملفت الذي شهدته معظم الخرجات في الشارع، حيث آلاف المواطنات والمواطنين يرددون شعارات ضد الإقصاء والتهميش بشكل سلمي وحضاري. مسيرات منظمة لم تنطلق من مقرات الأحزاب السياسية، ولا من بيانات الزعماء ولا من وسط النقابات، بل من مجرد الإحساس بالنقص الكبير الذي تعرفه جل المناطق الجبلية بالريف من الناحية التنموية.
وكان للشباب الغيور على التنمية الحقيقية بجهته، دور فعال في التأطير المحكم لكل المسيرات السلمية المنظمة، والذي حدد وبشكل واضح، سقف مطالبه المشروعة والمتمثلة أساسا في تطوير البنى التحتية، وتجهيز المنطقة بكل المرافق الضرورية والكفيلة بضمان كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم. لهذا نجد أن كل المدن المغربية قد تضامنت بشكل تلقائي مع الحراك، ونفذت هي الأخرى مسيرات منددة باستمرار سياسة الاقصاء التي تجسدها على أرض الواقع، هزالة المشاريع التنموية المعلنة في بعض المناطق وخصوصا النائية منها والجبلية، مشاريع لا تكاد تراوح سياسة ذر الرماد في العيون، في مقابل بعض المشاريع الضخمة التي يتم تنفيذها ببعض الحواضر الكبرى.
ومن منطلق هذا التنظيم المحكم للحراك، و الذي زعزع الحكومة بصريح العبارة، وجعلها تنتقل برمتها إلى الريف للحوار والمناقشة، فإننا كمتتبعين عن كثب لما يجري في الساحة، نعتقد أنه من واجب قيادة هذا الحراك أن تتسم بالحيطة والحذر، بأن لا تجعل خط هذه المطالب الاقتصادية والاجتماعية المشروعة، ينحرف في اتجاه خاطئ، كأن يسيطر عليه خطاب الفقه السياسي الأصولي، فيبتعد عن الملف المطلبي الحقيقي و الجوهري للساكنة، أو يتجه هذا الخط بفعلة فاعل، إلى مغبة السقوط في شرك المطالب المبهمة التي ستؤدي بالتالي إلى نفور الجماهير من الحراك، وانتشار الفوضى.
وباستحضار الخطأ الذي وقع فيه الزفزافي بفعل خطة محبوكة من المخزن، فإن الأمل يبقى معلقا على القيادة الشابة الداعمة للحراك بأن تستمر في الحرص على أن يبقى سقف المطالب واضحا، وأن يظل الحوار محبذا، وأسلوب النقاش حضاريا وحداثيا، حتى تنجح هذه المحطة التاريخية في الأجندة المغربية المعاصرة في تحقيق ما تصبو إليه هذه الربوع من المملكة من رقي ونمو..
أما الدولة، كطرف آخر في هذه المعركة، فلا بد من التأكيد على أن عليها الإنصات إلى المطالب بعيدا عن أي احتيال سياسي أو خبث إيديولوجي. فالمعركة وإن اشتدت، فهي في آخر المطاف بين دولة مغربية وأبناء مغاربة لا يطالبون إلا بتيسير سبل التنمية الحقيقية، لهذا، ندعوها بكل روح مسؤولية، أن تلتفت إلى مطالب المواطنين بالجدية المطلوبة، وأن تبتعد عن سياسة دس المكائد والمصائد، وخصوصا الابتعاد عن الاستخدام الأداتي للوازع الديني لتخوين الحراك وقيادته بالطرق والأشكال التي بات يعرفها المغاربة داخل الوطن وخارجه، وأن تطلق سراح المعتقلين وأن تشرع في تنفيذ المشاريع التنموية لفائدة المواطنين.
إن الاستمرار في الاستغلال السياسي لمنابر الجمعة للإطاحة بمن يشكل – في نظر الدولة – ” خطرا على استقرار البلاد” يشبه تلك السياسة البائدة للعصور الوسطى التي كانت تعمل بمبدأ :
« Celui qui veut tuer son chien, dit qu’il a la rage »
وهي سياسة أعلنت فشلها الذريع في تحقيق الأمن والسلم الحقيقيين. كما أن الاستمرار في استغلال الوازع الديني بالمساجد لأغراض من هذا القبيل، سيضر حتما بسمعة بلد راجع دستوره لأكثر من مرة، وله شراكات دينية محترمة مع الكثير من المؤسسات الدينية الإفريقية والغربية من خلال المكانة الجيدة للوعاظ والمرشدين والأئمة المغاربة المكلفين بنشر تعاليم إسلام وسطي معتدل. كما يضر بسمعته كبلد أعلن دخوله إلى ما تسميه الدولة “العهد الجديد” ، بلد تواق إلى إرساء دعائم دولة الحق والقانون، التي تضمن له الاستقرار بعيدا عن الفتن والاضطرابات السياسية التي تعرفها العديد من دول الجوار.
إن الدولة المغربية – على ما نعتقد- تدرك أن المساجد وجدت للتعبد والموعظة الحسنة، كما وجدت كذلك لكي تتجاوب باستمرار مع مجريات كل واقع جديد بالإيجابية الكاملة التي يقتضيها نشر الطمأنينة والثقة في نفوس الأفراد داخل المجتمع. ولكنها لا تدرك ربما، أن التحايل السياسي بالمنابر، لن يجعل أبدا “الحقيقة غائبة” كما يقول فرج فودة، سواء كانت الضحية كاتبا، أديبا، مفكرا، عالما أو مجرد مواطن بسيط من عامة الناس.
حيا على العمل من أجل تنمية حقيقية، خصوصا لبسطاء هذا البلد الأمين…
بشكل استثنائي ، و بغرض حث المواطنين على التوحد من أجل طرد الاستعمار الفرنسي من البلاد ، تم تسخير مساجد المغرب في فترة الاستعمار لتوعية الناس بأهمية التضامن و العمل الوحدوي من أجل تحرير الوطن من براثن الحماية الغربية و تحقيق الاستقلال . و قد سخرت كدلك بعض الكنائس بآسيا و إفريقيا في وقت سابق لشحذ همم المواطنين للتجند من أجل تحرير أوطانهم .