أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

’شيوخ الزوايا والكفاح المسلح بالمغرب إبان الإستعمار الفرنسى زاوية أحنصال بإقليم أزيلال نموذجا’

محمد مرشيش طالب باحث متخصص في التاريخ والتراث الجهوي

 عرف المغرب خلال فترة الحماية ، انطلاق مقاومة مسلحة، جاءت كردة فعل على شروع فرنسا في تطبيق سياستها الاستعمارية، التي كساها معظم الكتاب الكولونياليون الفرنسيون بثياب إيديولوجية التهدئة، وهي النقطة التي استغلها المستعمر كمحاولة لتظليل الشعب المغربي عن حقيقة الاحتلال ، وتبرير غزو مختلف تراب الوطن، باعتباره تهدئة لمجموع القبائل التي تقطن مناطق السيبة، وهي القبائل التي  اعتبر المستعمر  على أنها تعيش تطاحنات وتمردات خارجة عن أي وصاية مخز نية .

وفي هذا السياق الإيديولوجي  جاء غزو منطقة أزيلال منذ البدايات الأولى لعمليات الجيش الفرنسي، هذا الغزو الذي وقف أمامه سكان المنطقة وقفة رجل واحد ، فقد عملت معظم قبائل ازيلال على تجنيد رجالها، الذين واجهوا المستعمر ببسالة ودافعهم في ذلك الدفاع عن وحدة الوطن والجهاد ضد الأجنبي الغاصب، وهو الحس الذي أذكاه فيهم فقهاء وشيوخ زوايا المنطقة، التي لعبت دورا فعال في الكفاح ضد المستعمر الفرنسي، سيرا على منوال أجدادهم في حمل لواء الجهاد.  

فالمغرب ومنذ القرن السادس عشر عرف توسع الفكر التصوفي الذي توج بظهور العديد من الزوايا التي إلى جانب ما كانت تلعبه من أدوار اجتماعية ” التعليم، الإطعام، الإيواء، الاستشفاء” كانت لها أدوار سياسية، كالتحكيم والبث في النزاعات بين القبائل، وقد كان لها دور فعال في رفع لواء الجهاد، ضد الغزو الأيبيري الذي اكتسح معظم السواحل المغربية، وذلك بتوعية وتعبئة الناس للجهاد ضد العدو المسيحي، دفاعا عن وحدة الوطن وحماية للمعتقدات الدينية الإسلامية، وليس غريبا على شيوخ ومتصوفة هذه الزوايا خلال فترة الحماية أن يحذوا حذو أسلافهم، في تبني مبدأ الجهاد ضد المستعمر الفرنسي، وهو المسار الكفاحي الذي سار فيه شيوخ ومتصوفة زاوية أحنصال، التي لعبت دورا هاما في قيادة مقاومة مسلحة قرابة عشرين سنة، أنهكت فيها المستعمر الفرنسي ومن يمشي في ركبه من المساندين الكلاويين، وهي الزاوية التي انطلقت من فوهة بندقية أحد أبنائها في أوائل الخمسينات أول رصاصة نادت بالكفاح المسلح من أجل الاستقلال، وسنركز من خلال هذه المداخلة على ثلاث شخصيات رئيسية : سيدي محا أحنصال شيخ زاوية أكديم، وسيدي الحسين أوتامكة شيخ زاوية تامكة، وسيدي أحمد أحنصال .

مرحلة المقاومة المسلحة ما بين 1915 و  1930 ، سيدي محا أحنصال و سيدي الحسين أو تامكة.

  • ·       سيدي محا أحنصال.

ساهم معظم شيوخ زاوية أحنصال وشيوخ فروعها في ساحة العمل الجهادي وفي مختلف المواجهات المسلحة، وكان من أبرز الرموز الحنصالية التي قادت المقاومة المسلحة في بدايتها، سيدي محا أحنصال الذي واجه الفرنسيين منذ أن حطوا بدمنات، إذ شارك إلى جانب أولعايد أو حساين الذي كان معارضا لكلاوى، فشكلا حلفا من أيت سخمان وأيت مصاد وأيت بوزيد وأيت عتاب وهنتيفة ، وقد قاتل هذا الرجل في جبهات عدة.

ولما انطلقت  الفرقة المتنقلة لمراكش بقيادة الجنرال دو لاموط في أكتوبر 1916 في اتجاه خميس أيت مصاد، عمل سيدي محا أحنصال على تعبئة وقيادة جيش من المجاهدين من أيت مصاد وأيت عتاب . ورابط بهم بمنطقة أيت تكلا على الحدود الفاصلة بين هنتيفة الجبل وأيت مصاد وقد وضعوا مخيمهم في موضع إمي نزمايز، وهو مرتفع وعر يطل على منطقة أفراو نتكلا، وفي هذا الموضع دارت رحى معركة تكبد فيها المستعمر ومساندوه كلاوى خسائر فادحة، خاصة بعد أن انظم إلى المجاهد الحنصالي ومجموعته فرق من مجاهدي أيت عباس وأيت سخمان وأيت بوزيد، ولولا أن استعمل الفرنسيون معداتهم وألياتهم المتطورة لما خرجوا منتصرين في هذه المواجهة.

ولنفس الغاية قاد سيدي محا  مقاومة شرسة ضد المحتل الغاشم سنة 1918، عندما توجه هذا الأخير بحملته نحو أيت امحمد، وهي معركة تكبد فيها كذلك الفرنسيون ومساندوهم من كلاوى خسائر كبيرة، وفيها أصيب ابن المدني الكلاوي، عبد المالك الكلاوي برصاصة أسفل سرته، أثناء قيامه بعملية استطلاعية، وهي الرصاصة التي كانت كفيلة بقتله، إذ توفي بعد وصوله إلى مركز أزيلال، وأمام إصرار المجاهدين على النصر في أرض الوغى، انسحب الكلاوي والمحلة الفرنسية عائدين من حيث أتوا.

 وسيرا في طريق الكفاح، عمل سيدي محا أحنصال على عرقلة محاولة تغلغل المستعمر في منطقة أيت بوكماز وأيت امحمد سنة 1922، حيث ألحق هزيمة نكراء بالباشا التهامي الكلاوي الذي فقد على إثرها 34 رجلا وسقط فيها 92 جريحا من رجاله، وفقد 68 حصانا.  

ونظرا لعزيمة المجاهد الحنصالي ولاقتناع القوات الاستعمارية بأن المواجهة المسلحة ضده وضد أتباعه لن تجدي نفعا التجأت هذه الأخيرة إلى المفاوضات السياسية التي أعطت ثمرتها سنة 1923، حيث أعلن عن استسلامه أمام قائد الفرقة المتنقلة لمراكش  الكولونيل نوجيس، راضخا للأمر الواقع بعد أن استطاع على طول عشر سنوات تكبيد المستعمر وخدامه كلاوى خسائر في الأرواح والعتاد، وخضوع سيدي محا أحنصال لا يعني استكانة شيوخ زاوية أحنصال، إذ استمر بن عمه سيدي الحسين أوتامكة في المقاومة إلى أن استشهد سنة 1930.

  • ·       سيدي الحسين أو تامكة:

شيخ زاوية تامكة وهي فرع زاوية أحنصال بمجال قبيلة أيت إصحا التي تنتمي إلى الحلف المصادي، كان لهذا الشيخ صدى كبير لذى أيت إصحا و أيت سخمان الغربيين و أيت عطا نومالو و أيت بوزيد وبعض قبائل أيت سري، وفي وصف لدوسيكونزاك في كتابه “في قلب الأطلس ” ذكر أنه كان رجلا قصير القامة، بدينا، عندما يتحدث يغمض عينه اليسرى شيئا ما ويجعل ركن فمه إلى الأعلى، وهو لم يكن يحسن التحدث بالدارجة، إلا أنه كان يثقن الفصحى نظرا لدراسته بها إذ نال حظا من العلوم الشرعية.

كان سيدي الحسين أوتامكا من المتصوفة البارزين، الذين واجهوا قوات الاحتلال منذ أن شرعت في الدخول إلى خميس أيت مصاض سنة 1916،  حيث بدأ الكفاح إلى جانب شيخ زاوية أكديم، وقد قاد سيدي الحسين أوتامكة، عدة حركات ضد المستعمر في أيت مصاض وأيت بوزيد وأيت عطا نومالو وأيت إصحا وأيت سخمان، وقد تحالف مع العديد من القبائل خارج منطقة أزيلال، كأيت عطا الصحراء، أيت حديدو، أيت مرغاد، وقد كانت له  اتصالات مع مجاهدين داخل المنطقة وخارجها أمثال: موحى أو سعيد الويراوي و بنا صر ولد موحى أسعيد، وسيدي المكي بن علي أمهاوش، كما كانت له اتصالات بمحمد بن عبد الكريم الخطابي. 

ومن نشاطات شيخ زاوية تامكة، أنه قام في مارس سنة 1918 بحملة واسعة النطاق في كل من  أيت بوزيد و أيت إصحا و أيت سخمان، دعا فيها إلى الجهاد ومقاومة الفرنسيين، وفي السنة نفسها بعث برسائل إلى أيت عطا نومالو وأيت بوزيد، دعاهم فيها إلى تكوين حركة في إتجاه إغرم لعلام، و شارك في نفس السنة كذلك إلى جانب سيدي محا أحنصال في مهاجمة أيت بوكماز الخاضعين.

وفي سنة 1920 قام سيدي الحسين أو تامكة على رأس حركة من أيت عطا نومالو وأيت سخمان وأيت عبدي وأيت سري بالهجوم على تاكزيرت نظرا  لاستسلامهم، وفي مرحلة احتلال أيت بوزيد وواويزغت والمناطق المجاورة ركز كل جهوده على هذه المنطقة، وفي سنة 1923 عمل على مقاطعة شيخ زاوية أكديم الذي استسلم للمستعمر وأصبح يساهم إلى جانب التهامي الكلاوي في إسداء الخدمات للفرنسيين.

وفي سنة 1926 تلقى شيخ زاوية تامكة، رسالة من محمد بن عبد الكريم الخطابي، تحثه على الجهاد وعدم الخضوع، وقد استمر رحمه الله في المقاومة إلى أن سقط شهيدا في معارك سكاط سنة 1930.

لعبت زاوية أحنصال بمختلف فروعها دورا هاما في حمل لواء الجهاد، وقيادة حرب شعواء في وجه المستعمر الفرنسي، ما بين سنة  1915 و سنة1933، وكفاحها هذا لا نحصره فقط فيما قام به الشيخان سيدي محا أحنصال وابن عمه سيدي الحسين أوتامكة، بل هناك شخصيات أخرى، لعبت دورا كبيرا في الكفاح ضد الأجنبي الكافر، وسنتعرض هذه أسماء هذه الشخصيات على سبيل الذكر وهي:

_سيدي مولاي الحنصالي: وهو الشيخ الثاني لزاوية أحنصال بعد ابن عمه سيدي محا أحنصال، استمر في المقاومة من سنة 1916 إلى غاية سنة 1933.

_سيدي أحمد أولد محضار: هو ابن أخ سيدي محا أحنصال، استمر في المقاومة إلى جانب سيدي محا أحنصال إلى سنة 1923، وفي 31 يناير 1925 وبعد خضوعه، قتل ولد محضار غرب زاوية أحنصال بالقرب من تزي نسلي، من طرف مجاهدين من أيت داود أوعلي.

_سيدي عبد المالك الحنصالى: هو ابن عم سيدي محا أحنصال، قاوم إلى جانب سيدي محا إلى غاية خضوعه، حيث خضع هو الأخر.

_سيدي علي ولد الحسين أوتامكة: كان الساعد الأيمن لوالده، خلال المعارك التي عرفتها المنطقة من سنة 1916 إلى سنة 1930، ثم استمر في المقاومة يساعده أحمد نوجمعة، وقد كان سيدي علي من أخر المستسلمين لقوات الاحتلال في منطقة أزيلال سنة 1933.

رغم ما قدمه أبناء زاوية أحنصال من كفاح ونضال في فترة المقاومة المسلحة، فإن نضال هذه الزاوية لم يقف عند هذه المرحلة، فقد استمر نضال أبنائها في مرحلة الكفاح المسلح من أحل الاستقلال، وخير برهان على ذلك الأعمال الفدائية التي قام بها الابن البار لزاوية أحنصال، المجاهد والفدائي سيدي أحمد أحنصال الذي أجمعت مختلف الروايات على أنه أول من أطلق أول رصاصة نادت بالكفاح المسلح في مرحلته الثانية.

 مرحلة الكفاح المسلح والمطالبة بالاستقلال:

  • سيدي أحمد أحنصال . 

هو أحمد ولد موحا الحنصالي، ولد بزاوية أحنصال وبالضبط بقارية تاغيا،نشأ يتيم الأب فاضطر إلى التنقل بحثا عن الرزق، إذ اشتغل راعيا عند عائلة زايد أورحو، وخماسا بدوار أيت وودي، قبل أن يتوجه إلى بونوال بين القصيبة وناوور، حيث كان راعيا للبقر عند موحا أولعيد، كما اشتغل كذلك مع المخزني سعديد أوخلا الذي كان مكلفا بحراسة المركز الفرنسي بالمنطقة، ونظرا للرغبة الجامحة في الجهاد والكفاح بفعل تصرفات الإدارة الاستعمارية، استطاع أحمد أحنصال بطريقة و بأخرى الإستلاء على بندقية أحد المخزنية وبعض الذخيرة في بونوال، وبعد اتصاله بصديقه موح أو سميحة الملقب ببا سيدي، اتجه صوب منطقة بين الويدان، وفي يوم 13 ماي 1951 أطلق رصاصته الأولى في المرتفعات الفاصلة بين أفورار وبين الويدان، وقد أسفرت هذه العملية عن مقتل أربعة فرنسيين، بعدها توجه نحو أزيلال، حيث عمل على تنفيذ عمليته الثانية عند قنطرة أمرصيد، قتل خلالها فرنسيا واحدا وجرح اثنان، ولهاته العمليات جندت فرنسا فرقا من الجيش ظلت تحاصر المنطقة من كل جهة بحثا عن أسد تادلة، الذي ألقي القبض عليه في 24 ماي 1951[1]، بعد أن تمت الوشاية به من طرف أشخاص من معارفه.

وقد تمت قيادته هو وصديقه أوسميحة إلى سجن أغبيلة بالدار البيضاء حيث كانت تجرى معه تحقيقات حول أعماله، ولما كان يستنطق عن الدوافع التي تحكمت في أفعاله كان يقول “هكذا أراد الله، لقد سمعت صوتا من السماء يدعوني إلى القيام بما أقدمت عليه” ويقول الدكتور محمد حواش”… فقد ذكر عبد الرحيم بوعبيد الذي كان معه في نفس السجن، أن الحنصالى كان يعود من التحقيق العسكري وكله ثقة بنفسه،  لم يحاول أن يخفي الحقيقة عن المحققين، بل كان يعترف أنه قام بعمله بدافع دينه ووطنه، ثم أضاف أنه سأل مرة بماذا ينفذون حكم الإعدام على المحكوم عليهم ؟ وعندما أجابه المحقق بأنه ينفد برصاص البنادق، ابتسم الحنصالي، وقال “ليكن فبمثل هذا الرصاص قتلناهم “، وفي ليلة الخروج بأحمد الحنصالي وصديقه أو سميحة للإعدام وهي ليلة 26 نونبر 1953 يقول مبارك زاكي، يقول أحمد المعنوني ” يسرني أن أسجل منفعة أو مفخرة نلتها لهذا الشهيد وصديقه ليلة الخروج بهما من غبيلة بالبيضاء للإعدام، حيث كنت ضمن قافلة من الساكنين بمقر “أكرمناه” وجاءنا الخبر نهارا أن الشهيد الحنصالي ورفيقه أو سميحة، سيخرجان أخر الليل من السجن بمكان الإعدام، فبتنا ليلتنا ساهرين ننتظر مرورهما، وحوالي الساعة الرابعة صباحا، فتحت أبواب الزنزانة وأخرجا مكبلين بالحديد، ومرا أمامنا ونحن ننظر إليهما من بين قضبان الباب الحديدي، وودعناهما بصالح الدعوات، وبكينا لفقدان أبطال كرام جادوا بأرواحهم في سبيل إنقاذنا من هول المستعمر”.

لقد جاء سيدي أحمد الحنصالي في وقته ليتحدى حاجز الصمت والتردد، وليعلن بداية عهد جديد من الكفاح الوطني بأسلوب جديد، عهد العنف الثوري المشروع وأسلوب الكفاح المسلح والاستشهاد في ساحة المعركة، فقد كان رائد العمل الفدائي بالمغرب، وقد سار على نحبه وسيرته، رجال ناضلوا بأرواحهم في سبيل استقلال هذا الوطن.

    لعب المتصوفة وشيوخ الزوايا دورا هاما في مقاومة المستعمر وفي الكفاح من أجل الاستقلال إما بطريقة مباشرة عن طريق المواجهة والمشاركة في أرض الجهاد أو عن طريق تعبئة القبائل، ولم يكن شيوخ زاوية أحنصال إلا نموذجا اتخذناه لنعطي صورة عن  كفاح المتصوفة وشيوخ الزوايا بالمغرب ككل إبان الاستعمار الفرنسي.

ملاحظة : قد يلاحظ القارئ الكريم أن مقالاتي تغيب فيها الإحالة إلى العدة المرجعية والمصدرية المعتمدة، وقد يتسأل عن سبب غياب هاته العدة، أقول أنا من تعمد عدم الإشارة إليها ، نظرا لما تتعرض له المقالات المنشورة من سرقات أدبية، وأنا رهن إشارة أي قارئ أو باحث أراد الاطلاع على النسخ الورقية وأراد الاطلاع على المصادر والمراجع المعتمدة.



[1]  نفسه، ص 190،191.


شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد