المسلك سعيد
نظم بالمغرب مؤخرا المنتدى البرلماني للعدالة الاجتماعية بمجلس المستشارين تفاعلا مع تكريس يوم 20 فبراير يوما عالميا للعدالة الاجتماعية من طرف الأمم المتحدة . موضوع هذه الدورة ، و هي الدورة الخامسة ، هو : ” تأثير سياسات الدولة على الطبقة الوسطى” .
فالطبقة الوسطى ، على عكس ما يعتقده السواد الأعظم من السياسيين ، هي مصدر الازدهار و هي التي توفر قاعدة مستقرة من المستهلكين الذين يدفعون عجلة الإنتاج ، و يحصل العكس كلما أصيبت هذه الفئة بالشلل و الانكماش .
و الحقيقة أن مفهوم الطبقة الوسطى لا زال غامضا في المحفظة العقائدية للمؤسسات الرسمية الوطنية يشوبه الكثير من اللبس و الضبابية .
فالمندوبية السامية للتخطيط تعتبر أن هذه الطبقة تمثل 53 بالمائة من مجموع الساكنة الوطنية ، و قد حددت المنتمين للطبقة الوسطى في كل من يتقاضى أجرا يتراوح ما بين 2800 درهم و 6700 درهم شهريا ، ما يعني أن مندوبية الحليمي تعتبر كل من يتقاضى أكثر من 6700 درهم مواطنا من طبقة ميسورة أو من علية القوم ، متناسية أنه من محددات الانتماء إلى الطبقة الوسطى هي القدرة على تجاوز الضروريات نحو شيء من الكماليات كالترفيه و القدرة على السفر و التطبيب و الادخار و غيرها … و هي أمور يستحيل على من يتقاضى الأجور التي تتحدث عنها المندوبية المحترمة ، القيام بها أو حتى تحقيق جزء بسيط منها .
فهل يستطيع اليوم موظف بسيط يتقاضى 5000 آلاف درهم أن يحقق شيئا من الضروريات و هو يعيش بمدينة من حجم الدار البيضاء أو طنجة حيث الريتم المرتفع للنفقات اليومية على أبسط شروط الحياة من مأكل و مسكن و تنقل …؟ ! . لا أعتقد ذلك مطلقا ، و إن كان السيد المندوب السامي يرى العكس فربما لذر الرماد في العيون عن حقائق يعرفها المتتبعون العارفون و حتى المواطنون البسطاء و من بينها أن ما بين ستة و ثمانية ملايين مغربي يعيشون اليوم تحت عتبة الفقر بالمفهوم الذي حددته الأمم المتحدة ، هذه الآفة الإجتماعية التي لم يتم قط التخفيف من حدتها و بالأحرى القضاء عليها رغم الجهود المبذولة لهذا الغرض من خلال أوراش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و بعض الحلول الترقيعية التي تتبجح الحكومة الحالية و السابقة بكونها أثمرت في التخفيف من معاناة بعض الفئات الإجتماعية .
أما الطبقة الوسطى في نظرنا ، فلم تتلق من السياسات الحكومية في السنوات القليلة الماضية سوى مزيد من الطعنات و الهجمات التي زادت من إضعافها ، تبررها القرارات الحكومية المجحفة في حق هذه الطبقة و التي طالت جيوبها المتهالكة و زادت من حدة التوتر و الاحتقان ..
نعتقد أن تعميق النقاش من جديد حول الطبقة الوسطى و أهميتها و أدوارها الحيوية من أجل الاستقرار و العدالة الإجتماعية ، بات أمرا ضروريا للغاية ، خصوصا مع الصعوبات و المشاكل الكثيرة التي تعيشها و التي جاءت نتاج حيف كبير تعرضت له هذه الطبقة جراء نموذج السياسات العمومية المعتمدة في بلادنا في كل مجالات الصحة و التعليم و التنقل و الضرائب و الثقافة و الترفيه و غيرها..
و بغض النظر عن تأثيرات العولمة و الأزمات الخارجية على الصعيد الدولي ، فإن بناء نموذج تنموي قوي بالمغرب لا يمكن إنجاحه دون استحضار دور هذه الطبقة في الحفاظ على توازن المجتمع و استقراره ، مع العلم أن هذا الاستقرار و التماسك الاجتماعيين هما ركيزة كل إقلاع تنموي بالمفهوم الشمولي للكلمة .