أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

”العمال المسنون” في المكسيك.. يصنعون الأمل بدل انتظاره!

(عماد أوحقي)

  بابتسامة عريضة وحيوية بادية وهندام منسق وأنيق يميزها عن باقي العمال، تستقبل السيدة روز زبائنها في أحد المراكز التجارية الكبرى بمنطقة تولوكا ضواحي العاصمة المكسيكية.

في ربيعها الثمانين، اختارت روز خوض تجربة مهنية ثانية، بعد نحو عشر سنوات من التقاعد من وظيفتها في مجال الصيانة، شأنها شأن آلاف “العمال المسنين” في المراكز التجارية الكبرى وأسواق السلع والبضائع.

تلفت انتباه الزائر أو المقيم الجديد بالمكسيك هذه الفئة المميزة من العمال، الذين اختار معظمهم، بعد سنوات من العطاء المهني والأسري، العودة إلى العمل الذي يمثل بالنسبة لهم فرصة جديدة في الحياة.

تبدأ روز دوامها في العاشرة صباحا، وتعمل لست ساعات تتخللها فترات استراحة قارة وأخرى حسب وتيرة العمل، في هذا المركز التجاري الذي التحقت به قبل سنتين.

وقالت في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء: “بالإضافة إلى قيمتها المادية، تمثل هذه الوظيفة نافذة جديدة على الحياة، وحافزا يوميا للإقبال عليها بكل تفاصيلها (..) في هذا المركز ألتقي أصدقاء جدد وأمارس رياضة يومية وأقاوم الوحدة”.

تتمثل مهمة السيدة روز وزملائها من العمال المسنين في مساعدة الزبائن على ترتيب مشترياتهم، حسب نوعيتها وحجمها في الأكياس، حيث يصطفون بانتظام قرب مراكز الأداء.

وتسهم جهود هؤلاء العمال في تفادي الاكتظاظ في الأسواق التجارية الكبرى في غالبية المدن المكسيكية، وتجنب الانتظار في طوابير طويلة، نظير مقابل مادي بسيط يختلف حسب الزبائن، أو منتجات غذائية أو حتى مجرد عبارة شكر “غراثياس”.

وحسب إرنيستو غارثيا، مسؤول الموارد البشرية في هذا المركز التجاري، لهذه الوظيفة “شروط خاصة” أبرزها تجاوز المترشح 65 سنة، والتوفر على تقاعد من وظيفة رسمية، قبل اجتياز اختبارات بسيطة حول معرفة المنتجات ومكوناتها وكيفية ترتيبها وفصلها، مؤكدا على أهمية المظهر الأنيق واللباقة في التعامل مع الزبائن.

وأضاف المسؤول، في تصريح للوكالة، أن هؤلاء العمال يخضعون بعد عملية الانتقاء لتكوين عملي وجيز في هذه المهمة، قبل توقيع عقد قابل للتجديد مع المركز التجاري، يحدد شروط وضوابط العمل، كما يخضع لمراقبة الجهات الرسمية الوصية، حفاظا على حقوق هذه الفئة وتفاديا لأي استغلال من قبل الجهات المشغلة.

وأبرز المسؤول التجاري أن هذه الوظيفة “تضعنا كل يوم أمام اختبار لإنسانيتنا، من خلال محاولة الحرص على حماية حقوق هذه الفئة، وهم آباؤنا وأمهاتنا الذين اختاروا العمل في هذه السن المتأخرة لأسباب شتى”.

وأشار في هذا الصدد، إلى رفض زبائن كثر مساعدة هؤلاء العمال بدعوى “مشقة هذه المهمة على كبار السن”، مضيفا أن منهم من يتهم المراكز التجارية ب”استغلال المسنين لجني الأرباح”.

تعمل روز رفقة زميلها ألبيرتو الذي يبلغ من العمر 87 سنة. بنبرة بطيئة وهادئة أكد في حديثه للوكالة، أن هذه الوظيفة علمته ما لم يتعلمه طوال سنوات اشتغاله في قسم الموارد البشرية بإحدى الإدارات الحكومية. كما تمكنه من توفير مصروفه اليومي بمجهوده الخاص، دون أن يكون عبئا على أحد.

وعبر السيد ألبيرتو، الذي يعيش رفقة ابنه بعد وفاة زوجته، عن امتنانه لهذا العمل الذي “أعاده لريعان الشباب من حيث العطاء والروح الإيجابية، التي تغيب عند غالبية الأشخاص في هذه المرحلة من العمر».

وأضاف المتحدث أنه يتقاضى، بعد ست ساعات من العمل، أجرا يتراوح بين 300 و500 بيزو (10 إلى 20 دولارا)، وهو مبلغ جيد نسبيا قياسا بالارتفاع الكبير في الأسعار، يساعده على الحفاظ على مستوى معيشي لابأس به.

ولا يتوانى السيد ألبيرتو عن تحفيز “زملائه الشباب” للعمل بكد والتحلي بالصبر والاستمتاع قدر المستطاع بكل لحظة في العمل “الذي نقضي فيه جزءا كبيرا من حياتنا، وقد يعوض الكثيرين عن دفء العائلة التي انصرف أفرادها إلى مشاغل الحياة”.

ومن الواضح أن لهذه الوظيفة آثارا نفسية إيجابية على هؤلاء العمال. حقيقة أكدتها السيدة إليزابيت للوكالة، التي تعمل في المركز التجاري لأزيد من ثلاث سنوات، وهي في سن السابعة والسبعين.

تبدو السيدة إليزابيت في كامل حيويتها وأناقتها وهي تزاول مهامها اليومية في هذا المركز التجاري، مقابل بعض العلاوات البسيطة من الزبائن، التي لا تضاهي قيمتها المادية مستوى العطاء والرضا الذي تشعر به في هذه المرحلة من الحياة.

ويقدر عدد هؤلاء العمال، حسب معطيات رسمية، بحوالي 53 ألفا، يتواجدون في الغالب بالمراكز التجارية الكبرى في العاصمة مكسيكو وبعض المدن والبلدات المجاورة.

وتطرح ظاهرة “العمال المسنين” تساؤلات عديدة حول بنيات التقاعد في المكسيك، ومستوى تغطيتها لحاجيات هذه الفئة التي تمثل نسبة صغيرة من إجمالي السكان لا تتجاوز 7 في المائة.

وتشير معطيات للمعهد المكسيكي للمسنين، إلى أن أزيد من نصف المكسيكيين البالغ عددهم 126 مليونا، يعملون في القطاع غير المهيكل الذي لا يخول لنسبة كبيرة منهم الحصول على تقاعد أو تقاعد كامل، لا يتجاوز في الغالب 70 دولارا في الشهر.

وإلى جانب أنظمة التقاعد، تطرح إشكالية المنافسة مع الفئات الأصغر سنا في ما يتعلق بالاستجابة لمتطلبات سوق الشغل، وبعض المهارات التي تتطلب جهدا بدنيا أو إتقان استخدام التكنولوجيات الحديثة.

وينضاف المشكل التنظيمي، حسب الكثيرين، إلى إشكالية تغير القيم في المجتمع المكسيكي الذي كان يحرص على “تكريم المسنين في الأسر والعشائر ومنحهم مكانة متميزة”.

يتفق كل من روز وألبيرتو وإليزابيث على توقيت محدد للاستراحة خلال فترات اليوم، يتبادلون خلالها أطراف الحديث ويستعيدون ذكريات سنوات من العطاء على أصعدة عديدة. عمال مسنون، لكنهم مميزون، صنعوا فرصة ثانية في الحياة، واختاروا البحث عن الأمل بدل انتظاره. و م ع


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد