سبق لي أن تطرقتُ في أكثر من مناسبة إلى بعض أساليب الحرب الناعمة أو الحرب النفسية، والتي مورست وما تزال تُمارس على الشعوب العربية والإسلامية بشكل خاص، منذ زمن طويل.
وقد أعطيتُ حينها مثالًا بسيطًا في الشكل، لكنه عميق في دلالته وذو عواقب وخيمة على المجتمع من مختلف الجوانب، ألا وهو: قنبلة الساعة الإضافية!
إن عملية “كيّ الوعي” أحيانًا، وتغييبه مرارًا، وتزييفه على مدار الساعة، وتخديره حينًا بعد حين، هي ممارسات ممنهجة خضع لها الشعب المغربي، تمامًا كما خضعت لها باقي الشعوب العربية والإسلامية، منذ عقود طويلة.
لهذا، لم يعد خبر اعتقال تاجر “الماسترات” حدثًا استثنائيًا، بل بالكاد أصبح يبدو كـ إنذار انطلق بالخطأ…!
لماذا؟
لأن هذه الحرب الناعمة نخرت جسد المجتمعات العربية والإسلامية حتى النخاع، إلى درجة لم يتبقّ منها سوى الأسماء والعناوين.
أصبح الخيط رفيعًا حدّ الالتباس بين الجدي والهزلي، بين الحق والباطل، وبين الوطني والخائن.
وبلغت درجات التحكم في توجهات الشعوب، وإلهائها عن قضاياها المصيرية، مستويات لا تُصدّق:
فصار الفقير الجائع، والعاطل البائس، لا تهمه من الدنيا سوى أن يرى فريقه الكروي يربح، أو لاعبه المفضل يتألق، أو شيخته الراقصة في أبهى حلة…!
أما أدوات التغيير والحركية المجتمعية، فقد تم وأدها أو شلّ فعاليتها، عمداً وبمنهجية:
#المدرسة
#الأحزاب
#النقابات
#الأسرة
#الإعلام
تم تفريغ هذه المؤسسات من أدوارها، ليفسح المجال أمام جمعيات – أو بالأحرى أشباه جمعيات – كثيرٌ منها إن لم يَضُر فلن ينفع، تتغذى على الفتات، وتنتظر التعليمات.
للأسف، “مول الماستر” ليس حالة معزولة، بل مجرد غصن من شجرة تخفي وراءها غابات من الفساد والأنانية.
بيع الشهادات الجامعية “تحت الطلب” جريمة في حق الوطن، وخيانة عظمى تستحق أقصى العقوبات.
لماذا؟
لأن الأذى الذي لحق بالأمة، وبأجيال من الشباب، لا يُقدّر بثمن، وسنحتاج سنوات طويلة لمحو آثاره الكارثية.
فحين يُفسد التعليم بهذا الشكل، ومن أجل المال، تفسد كل القطاعات الأخرى، وبدون استثناء.
المصيبة أكبر من أن تُختزل في “ماستر للبيع”، لأن عمليات كيّ الوعي وتزييفه وتخديره أنتجت – وستنتج – كوارث أعظم بكثير، بعضها ظهر، وبعضها لا يزال مستترًا.
أما أن يُكتشف “مول الماسترات” صدفة، رغم تعدد الشكايات والوقفات الاحتجاجية ضده، فهذه كارثة أخرى تنضاف إلى المصيبة الأم.
فجأة، ومن دون مقدمات، ضجّ الإعلام بالعويل والصراخ…!
لكن لماذا الآن؟ وما الذي تغيّر؟!
المشكلة أعمق من بيع الماسترات.
في أوطاننا، صار كل شيء معروضًا للبيع…
وأرخص سلعة في السوق، للأسف، هي: الإنسان.
يتبع…
بقلم حسن الشهلاوي