لحسن الفقير
في ظل التحولات العميقة التي تعرفها منظومة التربية والتكوين بالمغرب، تأتي مبادرة المركز الإقليمي للامتحانات بأزيلال كتجربة رائدة ومهنية، تمثّلت في تعميم العمل بالترقيم السري خلال الامتحان الموحد الجهوي لنيل شهادة السلك الإعدادي برسم دورة يونيو 2025، وذلك للسنة الثانية على التوالي، في خطوة تنم عن وعي إداري متقدم بأهمية الحكامة الجيدة والعدالة التربوية.
اجتهاد محلي
على غرار الترميز المعتمد في امتحانات البكالوريا، أقدم المركز الإقليمي للامتحانات على تطوير واعتماد بطاقات الترقيم السري محليًا، عبر إعداد أكثر من 84.000 ملصق رقمي، موزعة بدقة على 60 مركز امتحان لاستقبال أزيد من 12.000 مترشح ومترشحة، يجتازون اختبارات سبع مواد رئيسية.
هذه البطائق، المُصممة وفق معايير تقنية دقيقة (ورقة A4 لاصقة، أبعاد 3.60×7.00 سم)، تُستخدم لتشفير أوراق الإجابة ببيانات سرية تضم الاسم الكامل، رقم الامتحان، رمز خاص بالكتابة، ورمز سري لورقة الإجابة. يتم تثبيت كل ملصق بعناية على شريط التقاطع بين جزئي الورقة، مع ضمان ترتيبه حسب أرقام الامتحان، وتسليمه داخل أظرفة مؤمنة إلى المركز الإقليمي، في مسار رقمي وتنظيمي بالغ الدقة.

بين النزاهة والتنظيم.. منجز إداري يُحتذى به
يُعد هذا الاجتهاد المهني تحولاً نوعيًا في تدبير الامتحانات الإشهادية، حيث لا تقتصر فوائده على الشكل التقني فحسب، بل تتجاوزها إلى تعزيز مجموعة من الأهداف الجوهرية:
✅ ضمان النزاهة والشفافية: عبر نزع الهوية المباشرة للمترشح من ورقة التحرير، ما يضمن تصحيحًا موضوعيًا، خاليًا من أي تأثير.
✅ حماية المعطيات الشخصية للتلاميذ: انسجامًا مع القوانين الوطنية، خاصة القانون 08-09 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
✅ تحسين جودة التصحيح: إذ يسمح التشفير بتدبير أسرع وأدق لعملية ترتيب الأوراق وتصنيفها، وتفادي الأخطاء البشرية خلال إدخال المعطيات.
✅ ربح الوقت الإداري: تقليص الزمن المخصص للترقيم اليدوي، وتسهيل مهام الطاقم التربوي والإداري.
✅ تكوين الأساتذة والمراقبين: على طرق عمل مهنية جديدة، مما يُسهم في رفع الكفاءة المؤسسية لمراكز الامتحان.
إدارة الامتحان بمنطق الذكاء المهني
إن هذه التجربة تُجسد تحولاً في العقلية التدبيرية لمصالح وزارة التربية الوطنية، حيث لم تعد الامتحانات تُدار بمنطق الروتين، بل بمنهج استباقي قائم على النجاعة، الحياد، والابتكار المحلي. فأن تُبادر مديرية إقليمية لاعتماد تقنية معمول بها في البكالوريا، وتطوعها لتناسب امتحانات الإعدادي، هو دليل واضح على ذكاء مهني يُراكم الممارسة، ويستثمرها في تأمين إنصاف التلاميذ.

ما أنجزه المركز الإقليمي للامتحانات بأزيلال ليس فقط إجراءً تقنيًا، بل موقف تربوي وأخلاقي من الامتحان كحق في التقييم العادل، ومجال يجب أن يُدار بمسؤولية، بعيدًا عن الارتجال. إنها تجربة تؤكد أن التميز في الإدارة التعليمية لا يحتاج إلى موارد ضخمة، بل إلى إرادة مهنية وشجاعة في الاجتهاد.
ولا يفوتنا في هذا السياق أن ننوّه بالمجهودات الكبيرة التي بذلتها الأطر الإدارية والتربوية المشرفة على تنظيم امتحانات نيل شهادة السلك الإعدادي بإقليم أزيلال، والتي أبانت عن حس عالٍ من الالتزام والمسؤولية والانضباط المهني، ما مكّن من تنزيل تجربة الترقيم السري بسلاسة ودقة، وفي احترام تام للضوابط القانونية والبيداغوجية.
كما يُسجَّل باعتزاز الدور الريادي الذي اضطلع به السيد المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بأزيلال، في قيادة هذه المبادرة ودعمها ميدانيًا ولوجستيًا، إلى جانب إشرافه المباشر على مختلف مراحل الإعداد والتتبع والتقييم، ما يعكس روح القيادة التشاركية والإيمان العميق بضرورة تجويد مخرجات المنظومة التربوية محليًا.