أتقدم بداية بالتهنئة للسيد العامل الجديد على الثقة المولوية السامية التي حظي بها، وهي ثقة تضع على عاتقه مسؤولية تاريخية لقيادة إقليم أزيلال نحو مستقبل أفضل.
لا شك أن العامل الجديد السيد حسن الزيتوني سيجد نفسه في أول يوم بعد تسلمه لمهامه أمام مهمة تتجاوز بكثير التدبير الإداري اليومي، إنها مهمة إعادة بناء الثقة وتأسيس عقد اجتماعي جديد مع ساكنة أنهكها “واقع مؤلم” من التهميش، وتتطلع بشغف إلى ترجمة فعلية للتوجيهات الملكية السامية، خاصة تلك التي تضمنها خطاب 10 أكتوبر، والتي تضع التنمية المندمجة والعدالة المجالية ومحاربة الفساد في صلب أولويات المرحلة.
لكن الطريق نحو التنمية الحقيقية في أزيلال ليس معبدا، بل هو ملغوم بتراكمات سنوات من سوء التدبير، وتتطلب معالجته إرادة صادقة وشجاعة استثنائية لتجاوز التقارير الرسمية والغوص في عمق مكامن الخلل. ومن موقعي كأحد المتتبعين لمشاكل الإقليم، فإن نجاح مهمة السيد العامل الجديد مرهون بقدرته على مواجهة تحديات هيكلية بشكل مباشر وصريح.
وأول التحديات والعقبات، من وجهة نظري، محاربة “مزوري الواقع” وتجفيف منابع الريع، واعتبر شخصيا أن أول وأخطر عدو للتنمية في أزيلال هو وجود شبكة من المستفيدين من الوضع القائم، والذين أتقنوا فن “تنميق الواقع” وتقديمه للسلطات في صورة وردية بعيدة كل البعد عن الحقيقة المرة التي يعيشها المواطن البسيط. هؤلاء، بسبب استفادتهم من ريع معين، يشكلون جدارا عازلا بين المسؤول والساكنة، ويقدمون تقارير مزيفة تهدف للحفاظ على امتيازاتهم. إن الإرادة الصادقة في التغيير تبدأ من تحطيم هذا الجدار، وذلك عبر اعتماد سياسة القرب الحقيقي، والنزول الميداني المفاجئ، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين والفعاليات المدنية النزيهة، وتكوين صورة عن الواقع من الميدان لا من المكاتب المكيفة.
أما التحدي الثاني الذي سيجده السيد العامل أمامه هو تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لا مكان للمتورطين في المال العام، وفي هذا السياق أرى أنه من غير المعقول أن نتحدث عن تنمية حقيقية بينما لا يزال أشخاص تحوم حولهم شبهات فساد أو تورط في نهب المال العام يتبوؤون مناصب المسؤولية في المجالس المنتخبة أو الإدارات العمومية. إن استمرار هؤلاء في مواقعهم يبعث برسالة مدمرة للمواطنين مفادها أن لا شيء سيتغير وأن الإفلات من العقاب هو القاعدة. إن الخطوة الأولى نحو استعادة ثقة المواطن تكمن في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر فتح تحقيقات جدية في ملفات سوء التدبير، وإبعاد كل من ثبت تورطه عن دائرة القرار، وتشجيع الأجهزة الرقابية على القيام بدورها دون أي ضغوط.
وأشير إلى أنه ليست هناك حاجة لتذكير السيد العامل الجديد بملفات تأبى النسيان وتكشف حجم الخلل. وهو ملف استغلال مكتب جماعة دمنات كمكتب لتوثيق عقود البيع والشراء هو لوحده فضيحة تكشف غياب المحاسبة وتغلغل خلط المال بالسياسة. ولا أشك أن السيد العامل ستعوزه الطرق لمعرفة تفاصيل هذا الملف من ألفه إلى يائه، والأسماء المتورطة فيه. إلى جانبه، يبرز ملف “مافيا العقار” الذي لا تزال دمنات تكتوي بناره، ويسهل أيضا الحصول على معطياته الكاملة. إن التعامل الحازم مع هذه الملفات، وتقديم المتورطين للعدالة، سيكون بمثابة رسالة قوية بأن عهد الإفلات من العقاب قد ولى.
ويتعلق التحدي الثالث في تطهير الحقل الجمعوي من الفساد والانتهازية، إذ تحولت بعض الجمعيات في الإقليم، للأسف، من أداة للتنمية إلى واجهة للمال الفاسد وأداة في يد زمرة من الانتهازيين الذين يسيطرون على جمعيات تتوفر على الملايين في حساباتها. إن هذه الجمعيات لا تشكل فقط قناة لهدر المال العام، بل تقتل أيضا روح المبادرة لدى الجمعيات الجادة والشباب النزيه. ولا يحتاج السيد العامل الجديد لمن ينوره بأسماء هذه الجمعيات والأشخاص المتورطين فيها، فكل شيء مسجل لدى النيابة العامة ولدى السلطات المحلية التي تعرف كل صغيرة وكبيرة. إن إجراء افتحاص شامل وشفاف لمالية الجمعيات التي تستفيد من الدعم العمومي، وربط الدعم بالنتائج الملموسة، وتطهير هذا الحقل من الطفيليات، سيحرر طاقات هائلة ويفتح المجال أمام الفاعلين الحقيقيين.
إن مهمة السيد العامل الجديد في أزيلال تاريخية. فإما أن تكون ولايته مجرد فترة إدارية أخرى تمر دون أثر، أو أن تكون نقطة تحول حقيقية تترجم خطابات جلالة الملك إلى أفعال على أرض الواقع. إن الإقدام على هذه الخطوات الجريئة لن يساهم فقط في تحريك عجلة التنمية، بل سيشجع الشباب على الإقدام على العملية السياسية والمشاركة في بناء مستقبل إقليمهم، بعد أن يروا بأم أعينهم أن الإرادة الصادقة قادرة على تفكيك أعتى قلاع الفساد.
بقلم عبد المالك أهلال