د لحسن أكرام
لم تكن فاجعة مصرع 37 شخصًا بمدينة آسفي، إثر فيضانات مباغتة يوم 14 دجنبر 2025، مجرد حادث عرضي فرضته التقلبات المناخية أو “سوء الحظ”، بقدر ما أعادت إلى الواجهة سؤال الذاكرة المنسية، وكسرت صمتًا تاريخيًا ظل يحجب حقيقة أن المدينة تعيش، منذ قرون، على إيقاع خطر متكرر اسمه “وادي الشعبة”.
ففي الوقت الذي انشغل فيه الرأي العام بتعداد الضحايا وحجم الخسائر، بدت شهادات التاريخ، كما وثقها الفقيه محمد بن أحمد الكانوني، وكأنها تُستدعى من عمق القرون لتقول إن ما وقع لم يكن مفاجئًا، بل امتدادًا لمسار مأساوي طويل لم يُستخلص منه الدرس.
يروي الفقيه الكانوني، في توثيق دقيق للكوارث التي عرفتها آسفي، أن المدينة تعرضت خلال ليلة من ليالي ذي الحجة سنة 1057 هجرية (1647م) لفيضان عنيف دخل من باب الشعبة، ناشرًا الرعب بين السكان، بعدما غمرت المياه البيوت وجرفت الأسواق ودمرت السور البحري، مخلفة خرابًا شاملاً وأخدودًا ظل شاهدًا ماديًا على الكارثة لسنوات.
ولم تكن تلك الحادثة استثناءً؛ ففي سنة 1205 هجرية (1791م) باغت فيضان ليلي السكان وهم نيام، مخلفًا أكثر من مائة قتيل، وخسائر مادية جسيمة، بعد أن اقتلع الأبواب وأتلف السلع ودمّر البنية التجارية للمدينة. وتكرر المشهد سنة 1272 هجرية (1855م) حين اجتمعت مياه الأمطار بمياه البحر، واضطر الناس إلى التنقل بالقوارب وسط المدينة، في واقعة سُميت بـ“عيسوت”، لتظل بدورها محفورة في الذاكرة الجماعية.
وتؤكد كارثة سنة 1346 هجرية (1927م)، التي غمرت المسجد الأعظم والمدرسة والزاوية الناصرية، وأودت بحياة عدد من الغرباء، أن الخطر لم يكن ظرفيًا ولا محدودًا بزمن بعينه، بل بنيويًا مرتبطًا بجغرافية المكان وتاريخ إدارته.
أمام هذا السجل الثقيل، تبدو فاجعة اليوم امتدادًا مأساويًا لتاريخ لم يُقرأ كما يجب، ولم يُترجم إلى سياسات وقائية حقيقية. فـ“وادي الشعبة”، الذي شكّل مصدر تهديد دائم، ظل حاضرا في الوعي المحلي، حتى في تسميات المدينة ذاتها، حيث ارتبط اسم “آسفي” في الذاكرة الأمازيغية بلفظ “أسيف”، أي الوادي، بما يحمله من دلالات الخطر والمباغتة.
إن استحضار هذا التاريخ لا يهدف إلى البكاء على الأطلال، بل إلى مساءلة منطق التدبير الذي ظل، عبر عقود، يتعامل مع الكوارث بمنطق رد الفعل بدل الاستباق، ومع الذاكرة باعتبارها عبئًا لا مرجعًا للتخطيط. فالكارثة التي أودت بحياة 37 شخصًا تضع الجميع أمام مسؤولية جماعية: مسؤولية الاعتراف بأن الخطر معروف، وموثق، ومتكرر.
وعليه، فإن أي مقاربة جادة لما وقع بآسفي تقتضي القطع مع سياسة النسيان، وإعادة الاعتبار للمعرفة التاريخية في التخطيط العمراني، وتأهيل مجاري الأودية، ومنع البناء في المناطق عالية الخطورة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير البنية التحتية، وتفعيل أنظمة إنذار مبكر تحترم حق المواطن في الحياة قبل أي اعتبار آخر.
فالتاريخ، كما علمتنا آسفي، لا يعيد نفسه عبثًا… بل لأن أحدًا لم يُصغِ إليه في الوقت المناسب.
