أزيلال : مركز بزو يعانق الهوة بدل الصعود، وخلافات انتخابوية بين المعارضة والأغلبية سبب التهميش المتواصل
بزو- يونس البصري
يوصف مركز بزو بأنه “مركز صاعد”، تُرسم له على الخرائط مشاريع وتُروج له وعود تنموية بين الفينة والأخرى، لكن ما يجري على الأرض يحكي قصة مختلفة تماما، قصة لا تشبه صعودا بقدر ما تشبه نزولا بطيئا نحو الهاوية. فكيف يمكن لمركز أن يكون صاعدا وهو يشهد قناطره الأساسية منهارة منذ أشهر، من دون أي تدخل ميداني يعيد لها الحياة؟ وكيف يمكن الحديث عن تنمية والتلاميذ ما زالوا يعبرون أودية خطيرة ومع ارتفاع الحرارة تغزو الزواحف تلك المسالك البدائية؟
منذ سيول فبراير الماضي، وقناطر “تنوالين” و”أقرمود “و”إيخاديشن” بجماعة بزو خارج الخدمة. لم يلمسها مقاول، ولم تقترب منها شاحنة إسمنت، ولم تُعقد بشأنها دورة استعجالية لمجلس الجماعة، غير أن المفاجأة التي كشف عنها أحد الفاعلين الجمعويين الأسبوع الماضي تضع الملف في زاوية أكثر إحراجا، هو غلاف مالي بقيمة 40 مليون سنتيم كان قد رُصد لإصلاح هذه القناطر الأربع إذا ادرجنا قنطرة دوار العزبان.
هنا نكشف الوجه الآخر لـ”الصعود” المزعوم، بزو صاعدة على الورق فقط، في تقارير إدارية ووعود سياسية، أما في الواقع فهي تنزل إلى الهاوية، هاوية البنية التحتية المتداعية، ولعل ما يعانيه الشارع الرئيسي لبزو من حفر انهكت مستعملي السيارات وحتى الدرجات النارية، حفر مرقعة يزيد عمقها مع كل أمطار تعرفها البلدة، هاوية التأخير الإداري والتعامل بحزم للنهوض بالبلدة، هاوية غياب التنسيق بين عمالة أزيلال ومجلس بزو، غير أن التعقيد الإداري ليس وحده من أوصل الملف إلى هذا المأزق، بل هناك عامل آخر أكثر مرارة، الانقسام الداخلي للمجلس الجماعي نفسه، فبحسب ما يرويه متابعون للشأن المحلي، أغلبية الجماعة لا تتفاعل بجدية مع مجموعة من الملفات المستعجلة، وهل أصبح التعامل مع القناطر المنهارة وكأنها مجرد ورقة في لعبة سياسية؟
هنا حتى المعارضة غير متفقة على أدوات اشتغال أغلبية الجماعة، هكذا تصبح الأولوية عند المنتخبين هي إدارة الصراع داخل القاعة لا إدارة الطوارئ والرؤية المتبصرة لخدمة البلدة. والمعارضة بدورها، بدلا من أن تشكل ضغطا إيجابيا لتصحيح المسار، تظل حبيسة منطق التصعيد غير المنتج، فينشأ شلل مزدوج، أغلبية لا تبادر خوفا من أن تنسب الإنجازات لخصومها، ومعارضة تنتظر تعثر الأغلبية لتستثمرها سياسيا، والقناطر تبقى منهارة في المنتصف دون أي تدخل يذكر.
لكن الأكثر إيلاما من هذا الشلل اليومي هو ذلك الإيقاع المريع الذي يتحرك به المسؤولون حين يتعلق الأمر بإصلاحات حقيقية، حيث لا يتحرك شيء إلا مع اقتراب صناديق الاقتراع. فما إن تلوح الانتخابات في الأفق، حتى تتحول جميع الملفات المعطلة فجأة إلى “مشاريع أنجزت”، وتُفتتح قناطر بالصور لا بالخرسانة، وتُوزع الوعود وكأنها إنجازات فعلية، كأن الساكنة لا تستحق قناطر تعمل لسنين وسنين، بل فقط ومضات انتخابية تظهر كل خمس سنوات ثم تخفت. وربما هذا هو السر الحقيقي وراء بقاء الاعتمادات المالية مجمدة إلى حدود كتابة هذا المقال، لم يحن موعد الانتخابات بعد، فلا داعي لتحريك الملف الآن، وحين يحين الموعد، سنرى القناطر تُفتتح، ولربما تعود للانهيار بعد أسابيع، لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى متابعة، والمتابعة لا تهم من لا يرى في القناطر إلا وسيلة للبقاء في الكرسي.
لكن الثمن الحقيقي لهذه اللعبة السياسية لا يُقاس بالملايين المرصودة، بل بحياة يومية تتحول إلى جحيم صامت، أطفال قرية تنولين يقطعون مسالك قرب القنطرة المنهارة تراها عادية لكن في ظل اقتراب دخول فصل الصيف لا تعرف ما تخبأه من سموم الزواحف والحشرات، وفلاحون يعجزون عن نقل محاصيلهم لأن الطريق التي تصل دواويرهم مقطوعة فيقطعون طريق أطول للوصول. هؤلاء لا يهمهم إن كان أغلبية الجماعة في خلاف مع المعارضة، ولا يهمهم إن كان موعد الانتخابات قد حان أم تأخر، هم فقط يريدون قنطرة تعبر بهم إلى الضفة الأخرى بأمان.
المقارنة التي تفرض نفسها هنا قاسية لكنها حقيقية، حين يكون الأثر مباشرا وقريبا من مراكز القرار، تتسارع الإجراءات بشكل لافت، وتُحل الملفات في أيام، أما حين يتعلق الأمر بجماعة -صاعدة- “نائية” مثل بزو، يصبح الزمن الإداري مطاطا لا ينتهي، وتتحول القناطر إلى أداة في صراعات محلية وحسابات انتخابية، والأولوية تتحول إلى تأجيل لا نهائي. وهذا بالضبط هو الفرق بين مركز صاعد حقيقيا وآخر صاعد على الورق فقط، الأول يرى أرضه تتحسن، والثاني يشهد قناطره تنهار والاعتمادات تنام في الخزائن بينما يتفرغ منتخبوه للصراع على الكراسي.
اليوم، وبعد أن تأكد وجود الغلاف المالي، لم يعد مقبولا أن يبقى الملف غامضا، ولم يعد ممكنا الاستمرار في وصف بزو بأنها “مركز صاعد” وهي تغرق في هاوية التعطيل. المطلوب ليس خطابات تفهم ولا وعودا جديدة، بل جواب صريح عن أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل: أين وصل الملف؟ من الذي أوقفه؟ هل هو التعقيد الإداري أم الصراع المحلي أم انتظار الانتخابات؟ ومتى بالضبط سترى القناطر النور؟ والأهم: متى سيتطابق ما يُكتب عن بزو على الورق مع ما يُعاش على الأرض، ومتى يتوقف المسؤولون عن تحويل معاناة الناس إلى مادة للصراع السياسي؟
ما تعيشه بزو اليوم ليس مجرد أزمة قناطر، بل أزمة ثقة شاملة بين المواطن ومؤسساته، وأزمة نموذج في تدبير الشأن المحلي جعل من الملفات المستعجلة رهينة لخلافات داخلية وانتظارات انتخابية، والمعاناة موثقة، والمساطر معروفة، والقناطر تحتاج فقط إلى إرادة لكسر الجمود، فإما أن تتحرك الاعتمادات خلال أيام، وإما أن يعرف الجميع أن بزو لن تكون صاعدة أبدا ما دام التعطيل هو القاعدة، والصراع هو الشغل الشاغل، والانتخابات هي الموعد الوحيد الذي يحرك الساكنة من نومها وتعود الولائم وتضرب المواعيد للأوراق الزرقاء، لتعود إلى النسيان من جديد.