جميلٌ أن تقرأ المقالات والجرائد والمجلات.. لكنَّ القراءة في كتاب أمر مختلف، تجربة فريدة ومتميزة عَن تجارب القراءات الأخرى، ولأن قراءة الكتب أمرٌ في متناول أيِّ إنسان؛ فقد قرّرتَ ألا تحرم نفسَك من متعة قراءة الكتب..
لكنّك جرّبت أن تحمل كتابا في يدك، حاولتَ أن تقرأه، أتممتَ الصفحة الأولى، وبكثير من الجهد قرأت ثلاثَ صفحات ثمّ غلبك النُّعاس.. وفي اليوم الموالي حمَلت نفس الكتاب بين يديك، حاولت البدء من حيث انتهيت يوم أمس، لكنك وجدت نفسك كمَن يسكبُ ماءً على الرَّمل؛ لا الرَّمل تبلّل، ولا الماء بَقي على السَّطح.. وهذا ما يحدث لك كلَّما حاولت تناول كتابٍ ما، دائما تكون النتيجة مريعة..!
إلى أن خطَر لك هذا السؤال: ماذا أقرأ؟
أو: ماذا يقرأ كلُّ هؤلاء الناس الذين تبدو عليهِم سيماءُ العلم والثقافة؟
ولعلّ هذا هو السؤال الأكثر أهمية الذي ستقابله، إذا ما قررت مُمارسة فعل القراءة لأوّل مرة من خِلال كتاب.
وإذن، ستسأل أحد معارفِك الذين يمتلكون خزانة كتب كبيرة، ويقبلون على القراءة كمنهاج حياة، ستسألُه عما يستحب لك أن تقرأه، وسينصحك بقراءة بعض الكتب الدينية، سيدلُّك على كتب تفسير القرآن الكريم، وعلى الصحيحين.. سيرشح لك كتب شيخ الإسلام “ابن تيمية”، وبعض كتب أصول الفقه.. بل إنه سيعيرك كتابا ما إن تشرع في قراءته، حتى تنهكك لغته الصعبة، وكل ذلك التطويل في ذكر السند: “عن فلان ابن فلان عن فلان ابن فلان أنه سمع فلانا ابن فلان..” وسيصيبك الملل وستقول في نفسك: “إن هذا الكتاب قيم بالفعل، لكني قلق وغير معتاد على فعل القراءة.. يمكنني أن أقرأ هذا الكتاب في وقت لاحق حيث يتوفر لديّ الوقت وطول البال..”
ستنفُر من الكتب لبعض الوقت.. لكن سيتناهى إلى مسامعك مرة أخرى أن القراءة أمر ضروري، وأنّه من العار أنَّ أمة “إقرأ” لا تقرأ، وأنت شئت أم أبيت، فردٌ مِن هذه الأمة.. لكنك لم تفلح في قراءة الكتب الدينية. لهذا سيحدث أن تفكر أن القراءة قد تكون _ربما_ عملا ممتعا جدا لو أنك تمكنت من قراءة كتاب أدبي لأديب مشهور.. ومرة أخرى سألت قريبة لك فنصحتك برواية بديعة مِن روائع الأدب العالمي.. إنها رواية “العجوز والبحر”، وقد حمدت الله كثيرا إذ وجدتها صغيرة الحجم، واضحة اللغة فشرعت في قراءتها مستبشرا فرحا.. لكن ما إن عبرت الصفحة الأولى والثانية والثالثة حتى ضجرتَ مِن “سانتياغو”، وأخبار “سنتياغو”، ها هو ذا يحاور الصبي بخصوص مقابلة رياضية، ها هو ذا يجادل الصبي، ها هما يأكلان السردين.. وأنت ملول إلى درجة أنك لن تبلغ فقرتي المفضلة؛ تلك الذي يضطّر فيها العجوز المسكين لمواجهة قرش ضخم، سينجح في التهام السمكة الكبيرة التي تعب “سانتياغو” في سبيل الحصول عليها..
ولأنَّ الأدب ميدان أسهل من غيره، فقد قررت أن تعيد الكَرَّة، وهذه المرة مع “جابرييل غارسيا ماركيز”، الأديب الذي يصادفك اسمه دائما عندما يتعلق الأمر بمشاهير الأدب وأساطينه، لهذا وقع اختيارك على روايته العظيمة “مائة عام من العزلة”، وستعترف هذه المرة أنك تخوض تجربة ممتعة ومثيرة، حيث تمكنت من قراءة أكثر من أربعين صفحة في هذا المؤلَف المميز، لكنك تنبهت أخيرا إلى أن أفراد عائلة “بوينديا” يتغيرون باستمرار، وأنّك قد سئمت تتبع سيرتهم جيلا بعد جيل، كما أنّ ما يحدث في قرية “ماكوندو” من أحداث غريبة لا يثير اهتمامك على الإطلاق. لذلك وجدت نفسك غير قادر على إتمامها، وفكرت أنه يستحسن أن تلتفت إلى لأدب العربي، وكالعادة أنت لم تعتمد على نفسك بل رُحت تسأل مَن تعرفهم وتتوسم فيهم الثقافة العُليا؛ فنصحك أحدهم أن تقرأ لنجيب محفوظ ورشح لك رواية “الشحاذ” ولم يخبرك أنها رواية تمثل الواقعية الفلسفية، لذلك قررت أن تكمل هذه الرواية كاملة.. وأكملتها فعلا، لكنك خرجت منها ورأسُك يدور تماما كبطل الرواية، فصِرت ساخطا عليه وعلى المؤلِف!
أخبرت أحد “المثقفين” بما حدث لك فأخبرك أنّك قليل العلم، ضئيل المعرفة وتحتاج إلى مزيد من الفهم لأمور الحياة.. أخبرك أنّك لا تزال لا ترى إلا وجها واحدا للحقيقة، وقال إنه كان يودّ أن يقترح عليكَ كتابا لـ “ماركس” أو “راسل” لترى الجوانب الأخرى لما قد يبدو بالنسبة لكَ حقيقة مطلقة، لكنك ما زلت صغيرا على ذلك، لذا اقترح عليك كتاب “ما وراء الأوهام” لـ “إريش فروم”، ورُحت تقرأ هذا الكتاب وأنت مصدوم مِن البداية!
أنت في الواقع لم تفهم لِمَ يسرد عليك المؤلف سيرة حياته؟ لم يحدثّك عن أناس لا تعرفهم؟ لِم يقصّ عليك قصص الحروب والسلم؟
في حقيقة الأمر، أنتَ لم تعرف كيف يمكن أن يفيدك هذا الكتاب.. حسنا، ربَّما أنتَ لَم تفهمه، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا داعي لإتمامِه مِن الأصل.. لكن كل ما سبق لا يعدّ شيئا أمام ما حدث لك حين حاولت قراءة “نقد العقل العربي” إنك لا تتذكر أين سمعت أنه كتاب عظيم لمفكِّر عظيم، ولكنك تتذكر أنه كان كتابا ضخما، مكتوب بخط دقيق، وأسطر متقاربة فيما بينها. وقد كنت قويا جدا حين بقيت أسبوعا كاملا وأنت تحاول استيعاب المقدمة!
حدث هذا مباشرة قبل أن تتخلى عن مشروعك في القراءة بشكل نهائي..
وهكذا توقفت عن القراءة لزمن ولم يعد حُلم التعلّم يراودك. وها أنت الآن فرد آخر مِن أمة “إقرأ” لا يقرأ.
إنك الآن تشاهد التلفاز.. تثرثر مع أصحابك.. وتعترف أنّك حاولت أن تقرأ كتابا وتفهَمه، لكنَّك أغبى مِن أن تفعل، وأكثر جهلا من كل أقرانك..
أنت تقول في نفسك، أنك ربما تكون ذكيا في أمور أخرى، لكن ليس في مجال قراءة الكتب، القراءة ميدان صعب جدا وأنتَ قررت تركَه لأصحابه. لكن مهلا؛ هل جرّبت أن تقرأ ما يُناسبُك أنت؟ هل فكّرتَ أن تختار روائع الأدب وفق ذوقِك وحسّك الأدبي؟ هل حاولتَ أن تقرأ ما يُوافق ميولك الفكرية؟ هل خطر لك أنّه ربما يجب عليك انتقاءُ كتاب يوافق سنَّك ومستواكَ الدراسي والفكري؟ هل تنبهت يوما ما إلى أنك إنسان فريد وحالة خاصة مميزة، وأنه ليس من الضرورة أن يروقك ما يروق الآخرين؟
أنت _طبعا_ لم تفعل، لأنك لَم تعرف مِن قبل أنَّ فِعل القراءة يتحقّق عبر مراحل، شأنه شأن صعود الدَرج.. إنّك لا يمكن أن تنتقل مِن أسفل الدَّرج إلى أعلاه دفعة واحِدة إلا إذا كُنت تَمتلك أجنحة، وكذلك لا يمكن أن تنتقل من أسفل درجات العلم والمعرفة إلى أعلاها دون المُرور بمراحل، إلا إذا كنت تملك عبقرية “فوق بشرية”.. التعلُّم هو كأيّ شيءٍ في الحياة يأتي عبر مراحل وخطوات.. قد تتجاوز إحداها، لكنَّك لن تستطيع تخطّيها كلَّها في أيّ حال من الأحوال..
وإذ أنّك قررتَ أن تقرأ وأن تُصبح “مثقفا” حسب المعايير الإنسانية، فاعلم شيئين اثنين:
أولا: أنّ الكتاب ليس إلا وسيلة تثقيف مِن بين وسائل عدة..
ثانيا: أنّ الكتاب الذي يُثقِّفك هو الكتاب الذي تفهَمه _أنت_ وتَستوعبه.
فدعك مما يقترحه عليك أصحابك، دَعك مِن روائع الأدب، ومن أمهات الكتب التي يُعييك فهمها، واقرأ ما يليق بِك.. ابدأ السلّم من أولّه حتى تبلُغ آخره عَن جدارة.