قد يخيّل إلى المسؤول السياسي أنّ وضع القطاع الصحّي على ما يرام حين يستحضر مسألة تعميم المساعدة الطبية (راميد) أو عدد الأدوية التي تمّ خفض أثمنتها أو بعض النقاط الإيجابية هنا و هناك و التي ، و إن بدت كذلك فهي لا تعدو كونها نقاط بيضاء على صفحة رمادية .
فكي يرى الوجه الحقيقي لقطاع الصحّة و الظروف التي يتشغل فيها الممرّض الذي يُفترض أن يؤدّي خدمات توسّعت سلّتها مع تعميم بطاقة (راميد) ، و يرى كيف أصبح المجني عليهم ثلاثة ، هم الممرّض و المرتفق و الخدمات الصحيّة ، ليرى كلّ ذلك ما عليه سوى زيارة أقسام الاستقبال و المستعجلات بالمستشفيات مثلا ، و زيارة المراكز و المستوصفات القروية عبر كلّ التراب الوطني ، و لمعرفة كلّ الحقيقة وليس نصفها أو ربعها فما عليه سوى تنظيم زيّارات متكرّرة و غير رسمية .
فمن شهد ظروف اشتغال الممرّض عن كتب سيرى العجب ، سيرى ممرّضا يقوم بمهمّة التمريض و كثيرا من مهام الطبيب ، و يزاول مهمّة النظافة و مهمّة الأمن و الحراسة ، كما يقوم بمهمّة الساعي الذي ينقل الأدوية و البريد و غيرهما بين المؤسّسة الصحيّة و المصالح المحليّة و الإقليمية ، و هكذا و بدل أن يقتصر عمله اليومي على المهام التي تلقّى بشأنها دروسا نظريّة و تداريب ميدانية حيث يحسّ بقليل من الحماية القانونية خلال ممارستها ، و في غياب نظام أساسي ينظّم المهنة و يحدّد ما له و ما عليه ، سُرّبت إلى مهامه الأصليّة مهام أخرى أوّل خطر يتهدّده و قد يحاكم بسببها هي تهمة (انتحال صفة) ، و استحال شغله إلى نظام أقرب إلى السّخرة منه إلى أي شيء آخر ، كما سُرّبت إلى مهام تقنيي الإسعاف و سائقي سيّارة الإسعاف عملية استخلاص ثمن الوقود اللازم لنقل المرضى بصفة مباشرة أو غير مباشرة و هي المهمّة التي يفترض أن يضطلع بها القابض .
و إذا كان الحزب الذي يترأس الحكومة يمارس السيّاسة ، و لهذه الأخيرة حسابات مرتبطة بتسيير الشأن العام ، و إذا افترضنا أنّ للحكومة التي يشارك فيها إكراهات ذاتية و موضوعية تستجديها كلّ حين لتبرّر بها وضع القطاع الصحّي ، فإنّ المركزية النقابية التي تربطها بالحزب شراكة ، و الجامعة التي تمثّل القطاع و المنضوية تحت لوائها يُفترض أن يمارسا نشاطا نقابيا تشير بوصلته في اتجاه حقوق الشغّيلة و همومها و مطالبها ، و ليس المطلوب منهما الإغراق في التعاطي مع التوازنات السيّاسيّة و تعقيد الفعل النقابي أكثر من ما هو عليه ، و بالتالي فلا عذر لهما كما لا عذر لباقي النقابات في التقاعس و الانتظارية السلبية و التوقّف عن النضال و المطالبة بحقوق الشغيلة الصحيّة التي تمّ الاتفاق عليها منذ 2011 بين الحكومة و المركزيات النقابية ، و على رأسها معادلة دبلوم ممرض مجاز من الدولة بالإجازة و وضع نظام LMD و التي تمّ التأكيد عليها في لقاءات تالية ، و لا تفسير يمكنه تبرير هذا السبات الذي يشهده الفعل النقابي و الذي تقابله الحركة الدؤوبة في الميدان للحركة من أجل المعادلة التي يوحّد أعضاءها مطلب المعادلة العلمية و الإدارية ، و التي أعتقد أنّها تعوّل على حيوية أعضائها و تتوخّى دعم النقابات لنضالها تحت ضغط الفاعلين المنخرطين في هذه النقابات من بين أعضائها .
و إذا جلست النقابة التي تُمثّلك أيّها المناضل أو تتعاطف معها ، مع شقيقاتها النقابات الأخرى في قاعة الانتظار ، و طال انتظارها خروج الحكومة تحمل بين يديها مطالبك في طابق من ذهب مؤَشّر عليها بالموافقة ، إذا استمرّت نقابتك على هذا الحال و لسنوات ، هل ستجلس أنت كذلك في الساحة منتظرا أن تجود نقابتك بملف مطلبي تكون أولى أولوياته مثلا المعادلة العلمية و الإدارية و النظام الأساسي للممرّض ، و تصرّ عليه و تنهج من أجل تحقيقه كلّ وسائل الضغط المتعارف عليها ؟ أم أن الأوْلى لك أن تتحرّك و تضغط بثقلك الكمّي و الكيفي و على الصعيدين الذين يكمّل أحدهما الآخر .
و على الرغم من أنّ الضغط من خارج النقابة لم يستنفد كلّ طاقته فقد أثمر تأسيسَ الحركة من أجل المعادلة التي أعتقد أنّها أبانت عن تميّز في الحيوية و الحركية و إبداع في النضال ، و التي أتمنّى أن لا تُقطف جهودها لغير صالح الشغّيلة ، أو تُقطف كلّها ثمرة يانعة من طرف المتربّصين .
أمّا الضغط من الداخل فلم يتخلّص بعد من جاذبية الخجل إن لم يكن منعدما لا تأثير له على مسار النقابة و لا أثر له في أرشيفها النظري و النضالي . فكيف إذن يمكن لفئة الممرّضين أن تفرض انتظاراتها و مطالبها و همومها على رأس أولويات أجندة النقابة التي تنضوي تحت لوائها ، و تفرض كذلك السبل و الأدوات النضالية التي تعتقد أنها كفيلة بتحقيق هذه المطالب ؟ قد لا يكون لهذا السؤال و أسئلة أخرى مشابهة أجوبة آنية جاهزة ، ولكن مع غنى التاريخ الحزبي و تنوّع النضال النقابي لن يعدم الممرّض حيلة و سيهتدي سبيلا . عبد العزيز غياتي