إذا كان من المفترض أن تَسير الإدارة و تُسَيّر بمساطر مضبوطة تحكمها و تنظّمها و تنظّم العلاقة بين الفاعلين فيها من جهة و بينهم و بين المرتفقين من جهة أخرى و ذلك من أجل الحفاظ على معادلة الحقوق و الواجبات ، فإنّه و لأسباب معيّنة ، و ظروف طارئة أصبحت واقعا دائما ، أضحى من المعتاد رؤية بل و التّعايش مع مواقف لا يمكن إلّا تصنيفها ضمن باب السخريّة أو الطّنز .
فمن الطّنز الإداري التعامل عموديا داخل قطاع معيّن أو أفقيّا بين مصالح إدارات مختلفة بالتوصيّات أو الطّلبات أو التعليمات الشفويّة المباشرة أو عن طريق الهاتف ، و ليس بالوثائق المكتوبة ، الموقّعة و المسؤولة .
و من الطّنز الإداري مطالبة الممرّض أو المعلّم أو موظّف بجماعة ترابيّة أو أيّ موظف معيّن في منطقة قريبة من المدينة أو نائيّة ، مطالبته أو التّعويل عليه في تنظيف المرفق العمومي و صيّانته و حراسته و الذود عنه باللّيل و النّهار لأنّ هذا المرفق تمّ تشييده بدون سياج و بدون تعيين من يقوم بمهام النّظافة و لا بمن يقوم بمهام الحراسة .
و من الطّنز الإداري كذلك تعيين ممرّض في مستوصف قرويّ في منطقة منعزلة و تكليفه بباقة مهام لا تنتهي ، فهو الممرّض والممرّضة ، الطّبيب و الصّيدليّ و تقني البيئة و الحارس و المنظّفة ، و هو رئيس المستوصف الذي يحاور السّاكنة و الجمعيات و يفاوض ممثّل السّلطة المحليّة و ينسّق مع رئيس الجماعة الترابيّة .
و إنّه الطّنز الإداري بعينه حين يُطلب من الممرّض تخصيص يوم أو يومين في الأسبوع للعمل في أحد البيوت وسط أحد الدّواوير ، هذا البيت الذي شيّده مجموعة من النّاس لم يجدوا ما يشغلهم ، أو وجدوا من يحرّكهم لحاجة انتخابية في نفسه ، أو حالة نفسية مرَضيّة و سمّوه (سبيطار) أو مستوصف قروي رغما عن أنف المعايير التي تشترطها الخريطة الصحيّة و اللّجان التقنيّة التي تمنح رخص السّكن ، و هو في الحقيقة لا يصلح كسكن لأربعة أشخاص فكيف يصلح لاستقبال عشرة أو عشرين أو ثلاثين فردا يوميّا ، منهم أطفال و رضّع و شيوخ و مرضى بأمراض معديّة ؟
و كذلك يعتبر طنزا إداريا تكليف ممرّض بوزارة الصحّة و التعويل عليه في معاينة الوفيات وتحرير و توقيع محضر الوفاة ، وهي مهمّة من بين المهام الخاصّة بأطبّاء الجماعات الترابيّة حسب القرار المشترك لوزير الداخليّة و وزير الصحّة 117.01 الصادر في 17 من شوال 1421 (12 يناير 2001) ، فقط لأنّ السيّد الرّئيس عجز أو تقاعس عن توفير من يقوم بهذه المهام و وجد من يُغنيه عن كلّ ذلك .
و من الطّنز الإداري الضغط على الممرّض ليقوم بمهام غيره بإشهار الفصل 431 من القانون الجنائي في وجهه ( من أمسك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر ، ….) و ترهيبه في حالة الرّفض بعقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات و الغرامة ، و حين تقع مصيبة كانت أو لم تكن في الحسبان يحاكم بتهمة انتحال صفة بالفصل 380 و ما يليه من الفصول من القانون الجنائي و يواجه كذلك الحبس والغرامة .
و منه أيضا تملّص المصالح المالية للإدارة من تدبير عمليّة استخلاص ثمن الغازوال من المواطن أو إعفائه إن اقتضى الحال ، و الدفع بسائق سيّارة الإسعاف إلى أداء تلك المهمّة مع ما يسبّبه ذلك من حرج و يترتّب عنه من مخالفات قانونية .
و كذلك عدم تمكين الموظّف من حقّه في العطلة السنويّة الإداريّة بحجّة انعدام البديل الذي سيشغل مكانه مؤقّتا خلال العطلة بسبب الفقر في الموارد البشرية ، و في أحسن الأحوال يَنْزل الحِمل كلّه على زملائه في العمل طيلة غيّابه ، و قد يصيب الاضطراب أو الشلل المرفق العمومي طالما كان الموظف في عطلة مَرَضية أو في عطلته السنويّة .
عبد العزيز غياتي