أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

تجربة الإصلاح لحكومة العدالة و التنمية: أية حصيلة و أي تصور استشرافي ؟

مقدمة

 

تزامنا مع مرحلة جديدة شهدت العديد من التقلبات السياسية بمجموعة من الدول العربية فيما بات يعرف أو ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي ،أفرزت الانتخابات التشريعية لسنة 2011 حكومة تحالفات بقيادة حزب العدالة و التنمية الذي حصد غالبية أصوات الناخبين ،انبثق عنها تشكيل  الحكومة  الثلاثين بقيادة بن كيران ،  في خطوة مكنت المغرب  من إحراز بعض التقدم على الصعيد السياسي عن طريق تبني الإصلاح التدريجي، لتجنب الانعكاسات السلبية للثورات التي عرفتها بعض دول المنطقة العربية  .

 

صحيح أن المغرب قد  عرف خلال العقود الأخيرة أي منذ عهد حكومة التناوب التي تزامنت فترة توليها مع نهاية فترة التسعينات، و الحكومات المتعاقبة بعدها انطلاقة العديد من الأوراش الكبرى و مسلسل إصلاحي واسع يهم أكثر من مجال استطاع بموجبه أن يحافظ على استقرارالتوازنات الماكرو اقتصادية  ، فضلا عن تسجيل تحسن نسبيا ايجابي على صعيد  بعض المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية  ، إلا أنه يلاحظ أن حصيلة الإصلاح تبقى على العموم ضعيفة في ظل غياب رؤية واضحة للحكومة و منهجية عمل تقوم على أساس حلول عملية يمكن ترجمتها  على أرض الواقع من خلال اتخاذ مبادرات أكثر جرأة و خطوات شجاعة، فإنه يلاحظ عموما أن مسلسل الإصلاح بالمغرب يتم بوتيرة تدريجية و أن الحصيلة ضعيفة  بالرغم من تحسن بعض المؤشرات كما أن أوراش الإصلاح الكبرى سواء تلك التي تهم المجال الاجتماعي الاقتصادي و السياسي تتم بمبادرة من المؤسسة الملكية،  التي تعد الفاعل الرئيسي في تحريك وتيرة الإصلاح وفق إستراتيجية تتماشى و مختلف التوجهات الداخلية و الخارجية، حيث بات جليا مدى فعالية و قوة  هذه المؤسسة أمام باقي مؤسسات الدولة، و لا سيما فيما يتعلق بالأحزاب السياسية التي لاتساير وتيرة الإصلاح ،و  التي  لاتضطلع بالأدوار المنوطة بها  ، نتيجة مجموعة من العوامل التي نخص بالذكر منها  الأساليب المعتمدة في تسييرها والتي تنقصها الحكامة . هذا في الوقت الذي عرف فيه المغرب تطورا سياسيا مهما ،لا يمكن لأحد  إنكاره، حيث قطع أشواطا جد متقدمة في مجال تكريس الديمقراطية ،مقارنة ببعض الدول المنتمية لنفس الفضاء الإقليمي و إن كان البعض قد يعيب على التجربة المغربية بعض النقائص، فإنه بالنسبة لنا قد بلغت  الديمقراطية في الوقت الحالي مستويات مهمة لاسيما و أن الوضعية الداخلية لمعظم الأحزاب السياسة إن لم نقل لكافتها  لاتؤهلها للعمل الديمقراطي 

 

انطلاقا من كل هذا، فإن العديد من التساؤلات تطرح نفسها في الوقت الراهن و لاسيما فيما يتعلق بالتجربة الأولى لحكومة العدالة و التنمية ،التي جاءت وليدة ظروف استثنائية و كان من المنتظر ان تشكل علامة فارقة في مسلسل البناء الديمقراطي خلال  مرحلة  الحكم الأولى، فهل فعلا  مكنت هده التجربة من تحقيق الإصلاح المنشود و لا سيما فيما يتعلق بالحكامة و محاربة اقتصاد الريع السياسي؟

 

من جهة أخرى، و في أفق تشكيل حكومة جديدة على ضوء الانتخابات  التشريعية ل 2016  بقيادة الحزب الفائز العدالة و التنمية ، بطبيعة الحال بعد أن تتم  تجاوز وضعية البلوكاج الحالية و في انتظار استكمال تكوين الحكومة خاصة بعد تعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة و الذي تمكن في ظرف قياسي من تحقيق توافق سياسي بين الأحزاب السياسية لاسيما بعد القبول بانضمام حزب الاتحاد الاشتراكي و الحصول على أغلبية حكومية  ، أي أفاق مستقبلية منتظرة لهذه الحكومة؟ و كيف يمكن تصورمنهجية الإصلاح التي ستعتمدها ؟ و ذلك على ضوء التجربة الأولى التي عرفت انطلاقة العديد من التدابير و الإجراءات التي لم تكتسي طابعا جوهريا و لم تتمكن من إيجاد حلول  تمس عمق الصعوبات البنوية لأهم القطاعات الاجتماعية من صحة ،تعليم ،ومحاربة اقتصاد الريع و النهوض بالاستثمار بشكل يمكن من خلق فرص الشغل ….في وقت  كان بإمكانها أن تستفيد من الظرفية  المحلية و الإقليمية الملائمة لاعتماد إصلاحات جوهرية لمحاربة الريع بمختلف أشكاله و الرشوة و غيرها من مظاهر سوء الحكامة لاسيما بعد الإصلاحات الدستورية لدستور2011  التي أعطت لرئيس الحكومة صلاحيات واسعة .

 

المحور الأول :  نظرة موجزة حول الظروف الإقليمية و السياق التاريخي لانبثاق حكومة العدالة والتنمية الأولى

 

في ظل نظام عالمي أكثر انفتاحا  يشهد ثورة في مجال تكنولوجيا المعلوميات و التواصل الاجتماعي شهدت العديد من الدول العربية  انطلاقة ثورات كانت وليدة مواقع التواصل الاجتماعي أحدتث تغييرات جذرية بهده البلدان والتي مع كامل الأسف لم تحقق انتقالا ديمقراطيا ناجحا في معظم هذه البلدان التي مازلت تعاني من تبعات ذلك، حيث يعد النموذج الليبي و السوري خير دليل مقابل استثناء النموذج التونسي الذي يعد إلى حد ما ناجحا. الأمر الذي   هيأ الظروف السياسية الإقليمية لإحداث تغييرات بالمغرب، حيث تعاملت المؤسسة الملكية  بايجابية   مع بعض الأصوات  المطالبة بإجراء إصلاحات تمت ترجمتها من خلال دستور2011، و تنظيم انتخابات تشريعية أسفرت عن  فوز حزب العدالة و التنمية بالانتخابات التشريعية ل2012 في ظل انطلاق شرارة الثورات العربية

 

1-الظرفية المحلية التي أسفرت عن تجربة حكومة العدالة و التنمية الأولى

 

على الصعيد المحلي جاءت حكومة العدالة و التنمية بعد تطور تاريخي للمسلسل الديمقراطي خلال الفترة-الممتدة ما بين1998- 2016 ، عرف المغرب خلالها  تعاقب حكومات مختلفة وفق صيروة تاريخية أفرزت تشكيلات حكومية بمشارب سياسية متنوعة

 

بالرجوع إلى عهد قريب لمسلسل أهم المحطات السياسة التي تم تسجيلها ،  نجد أنه في خضم التطورات التي عرفتها التجربة المغربية تبلورت حكومة التناوب التي تم تشكيلها من طرف عبد الرحمان اليوسفي في 14 مارس 1998 و التي تمكنت حسب رأي العديد من المختصين  ، من تحقيق العديد من المكاسب السياسية التي تهم بشكل أساسي تحقيق نوع من التصالح بين المواطن و العمل السياسي بعد سنوات من العزوف و عدم الثقة ،جاءت بعد ذلك حكومة جطو التي انبثقت عن الانتخابات التشريعية التي جرت في 9 أكتوبر 2002 و التي كان  لها الفضل  في تحسين بعض المؤشرات  الاجتماعية ،و بتاريخ 19 شتنبر2007 تشكلت حكومة الفاسي الفهري التي لايمكن بأي حال من الأحوال انكارمنجزاتها ، ولا سيما فيما يتعلق بإعطاء  انطلاقة العديد من المشاريع و الإصلاحات التي تم استثمارها في عهد الحكومة  الثلاثين برئاسة بن كيران التي انبثقت عن انتخابات 2011  و التي تم تشكيلها بتاريخ 03 يناير 2012 ،بعد انطلاق الثورات التي شهدتها المنطقة العربية، الأمر الذي أسفر  كما هو معلوم عن بلورة  وثيقة دستورية بمقتضيات جد متطورة مقارنة بدستو ر1996  ،هكذا إذن  في ظل هذه الطرفية التاريخية الاستثنائية انبثقت حكومة بن كيران الأولى

 

 

المحور الثاني: حكومة العدالة و التنمية ، أية حصيلة خلال الفترة2011-2016 في ظل إجراءات بسيطة تفتقر لتصور عميق للإصلاح ؟

 

بعد تبنيه للعديد من الشعارات التي أطلقها خلال حملته الانتخابية،و التي تتعلق أساسا بمحاربة الفساد و الرشوة ،و بلوغ نسب عالية للتنمية، وكذا تحقيق بعض المكاسب الاجتماعية من قبيل الرفع من الحد الأدنى للأجور..فإننا نجد أن الحصيلة المتواضعة للحكومة بعد اجتياز فترة الحكم الأولى  تبقى بعيدة كل البعد عن سقف هذه الشعارات

 

عموما، فإنه يلاحظ أن مخططات العمل التي تم اعتمادها  و التي همت بعض المجالات الاجتماعية و الاقتصادية تنقصها الجرأة المطلوبة فيما يتعلق بمواجهة كافة أشكال الريع،و تقوم على أساس مقاربة لاتتعدى حدود الممكن من قبيل مثلا العمل  على بعض الأمور التنظيمية على صعيد القطاعات الحكومية و  التي لاترقى في حقيقة الأمر للحكامة الجيدة في ظل استمرار سوء التدبير

 

فأمام غياب مقاربات نوعية لتحقيق الحكامة الجيدة و محاربة الريع الاقتصادي و السياسي و الفساد وإيجاد حلول فعالة لمعضلة التعليم و الصحة…. و بدائل اجتماعية ناجعة لإصلاح  الصعوبات و العراقيل المرتبطة ببعض القطاعات الحيوية التي لها تأثير مباشر على حياة المواطن  تبقى هده الخطوات مجرد مبادرات تفتقد للنجاعة

 

1- رؤية حكومة العدالة و التنمية للإصلاح السوسيو اقتصادي: رؤية  تفتقر للابتكار للحلول  البديلة الفعالة

 

من المؤكد أن المغرب قد انخرط في  مسلسل إصلاح شمل العديد من المجالات التشريعية و المؤسساتية سواء على الصعيد  السياسي أوتكريس الحقوق و الحريات الأساسية.. بالإضافة إلى  القطاعات السوسيو اقتصادية… تزامنا مع تولي جلالة  الملك محمد السادس للحكم منذ ما يزيد عن عشر سنوات، حيث  تمت ترجمة هذه الإصلاحات من خلال اتخاذ العديد من المبادرات و التدابيرو الخطط القطاعية تولت  تنفيذها الحكومات المتعاقبة و منها حكومة العدالة و التنمية  الأخيرة التي تولت تنزيل هذه الإصلاحات بما في ذلك مضامين دستور …2011   ،  و التي عمدت في نفس الوقت  إلى اتخاذ بعض التدابير على صعيد بعض المجالات السوسيو اقتصادية لم تمس عمق و جوهر المشاكل التي تعرفها بعض القطاعات الحيوية كتلك التدابير المتخدة على صعيد قطاع الصحة  أو التي افتقدت لروح الابتكار كتلك التي تم اعتمادها لإصلاح صندوق التقاعد…

 

*استعراض لبعض التدابير الإصلاحية المتخذة

 

علاوة على المجالات السياسية القانونية و الاقتصادية عرف  القطاع الاجتماعي مبادرات عديد   تتوخى النهوض بالعنصر البشري ،في مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي على الرغم من أهميتها مازالت بعيدة عن تحقيق النتائج المرجوة بالنظر  لضعف الحصيلة ،  الأمر الذي يمكن أن نستشفه من خلال تقارير برنامج الأمم المتحدة  للتنمية، حيث مازالت تقاريربرنامج الأمم المتحدة  للتنمية تضع المغرب ضمن خانة الدول  التي تحصل على معدلات متوسطة على الصعيد العالمي، فيما يخص مؤشرات التنمية البشرية و التي  سجلت على التوالي خلال سنوات,2012 -2013-2014- ،0 ,623-0,626-0,628  ،وذلك نتيجة مجموعة من الاختلالات المرتبطة أساسا بغياب الحكامة الجيدة ، بعدم انخراط كافة الأطراف المعنية بالمشاريع المدرة للدخل ، بالإضافة إلى عدم توفر المصالح الإدارية المعنية بهذا المشروع على الكفاءات الملائمة لتتبع انجاز هذه المشاريع…..

 

أيضا من القطاعات الاجتماعية التي تكتسي أهمية قصوى نجد قطاع  الصحة، الذي سجل بعض المبادرات في عهد حكومة  العدالة و التنمية كمشروع تخفيض أسعار بعض الأدوية ،بالإضافة إلى  نظام المساعدة الطبية للفئات المعوزة راميد الذي  يعرف هو الأخر العديد من الاختلالات التدبيرية ، حيث أن حصيلة  العمل بهذا النظام أتبثت عدم نجاعته، إذ أن أعداد الفئات المستهدفة التي استفادت  من هذا النظام تبقى ضعيفة في ظل ضعف الخدمات الطبية

 

على الرغم من كل ذلك يبقى قطاع الصحة من القطاعات التي تعرف العديد من الاكراهات المرتبطة بالتدبير في ظل نقص البنيات و التجهيزات  الأساسية ، نقص الموارد المالية والبشرية و غيرها ،و التي تسجل خصاصا كبيرا ، حيث بلغ  مثلا عدد السكان لكل طبيب على التوالي  خلال السنوات2011 , 2014-2013-  1542 -1925-1630 شخص وذلك   حسب  التقرير المتعلق بمشروع قانون المالية لسنة 2017 . أمام هذه الحلول التي على أهميتها تبقى ضعيفة فإنه يتعين  على الحكومة إيجاد الحلول الكفيلة بالنهوض بهذا القطاع  من قبيل توفير خدمات في المستوى للمواطن تعميم نظام الرعاية الصحية لكافة الشرائح …

 

من جانب آخر، و على صعيد التشغيل يلاحظ أن معدل البطالة و إن  كان يحفاظ خلال السنين الأخيرة على معدلات  اقل من 10 ،  فقد سجل معدلات مرتفعة خلال السنوات 2012 -2015-2014-2013- ،بمعدلات تصل على التوالي ; 9,7-9,9- 9,2-   9,0  وذلك وفق معطيات كشف عنها التقرير المتعلق بمشروع قانون المالية لسنة  2017  ،إضافة إلى العديد من التقارير و الدراسات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط التي ترسم وضعية قاتمة عن ضعف ولوج الشباب سوق الشغل.

 

أما فيما يخص قطاع التعليم و التكوين الذي شكل دائما إحدى المؤشرات الأساسية المعتمدة لتقييم النمو في بلد معين من خلال الدراسات المتعلقة بالنمو،فإنه يلاحظ أن هذا القطاع و بعد مرور ما يزيد على 10 سنوات على الميثاق الوطني للتربية والتكوين ما زال يسجل مؤشرات ضعيفة نتيجة مجموعة من الإكراهات المرتبطة  بعدم تعميم التمدرس ضعف البنيات التحتية (ماء كهرباء شبكة طرقية) ، نقص المؤسسات التعليمية ، مشاكل و صعوبات مرتبطة  بتدبير الموارد البشرية ،عدم اندماج الجامعة في المحيط  السوسيو اقتصادي..

 

على صعيد آخر، و فيما يتعلق بقطاع النقل الذي يعد من القطاعات التي تعتريها العديد من الإكراهات المرتبطة أساسا بالتنظيم و انتشار اقتصاد الريع،   لاسيما فيما يتعلق  بالمأذونيات، فإن هذا القطاع الحيوي مازال يتخبط في العديد من العراقيل  التي  تحتاج إلى إصلاحات جذرية و اتخاذ خطوات جريئة

 

على الصعيد الاقتصادي ،كانت المؤسسة الملكية على الدوام تضطلع بأدوار طلائعية من خلال مجموعة من المبادرات و التدابير المتخذة  سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي و التي تهدف  تأهيل الاقتصاد الوطني و ضمان اندماج المغرب في الاقتصاد العالمي . من هذا المنطلق و بعد تبني توجه اقتصادي منفتح اختار المغرب اعتماد اسلوب التدرج  و الحيطة في مجال  التبادل الحرمع الشركاء الاقتصاديين

 

فبالإضافة إلى وضع  أسس رؤية استراتيجية  عامة تعتمد على تنويع الشركاء الاقتصاديين يعود الفضل للمؤسسة الملكية في ضع أسس مخططات قطاعية تهم الصناعة من قبيل خطة الإقلاع الصناعي في مرحلة أولى  أعقبها بعد دلك مخطط تسريع التنمية الصناعية 2014-2020، وخطط التنمية السياحية التي توجت برؤية  2020  لتطويرالسياحة ….

 

 أما فيما يتعلق  بمجال تحسين الأعمال و توفير البنيات التحتية و اللوجيستيك  و دعم المقاولات الصغرى، فإنه يلاحظ على الرغم من أهمية التدابير التي تم اتخاذها و التي تتوخى  إنعاش الاستثمارات ، ولاسيما فيما يتعلق بخطة إصلاح الإستثمارالتي انطلقت بمبادرة من وزارة الصناعة و التجارة و الإستثمارو الاقتصاد الرقمي ، إضافة إلى إصلاح الإطار القانوني وتتبع الاتفاقيات،من خلال إعداد مشروع أولي لمراجعة ميثاق الاستثمار يروم تجميع المقتضيات المتعلقة بالتحفيزات و التسهيلات المقدمة  في إطار تعاقدي..وتبني برنامج حكومي يروم تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالمقاولات ،فإن حصيلة المغرب في مجال استقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة حسب النتائج المحصل عليها من سنة لأخرى تكشف عن وتيرة نسبيا مرتفعة  وغير مستقرة  تقع تحت تأثيرالظرفية الاقتصادية  العالمية

 

 في واقع الأمر، و على الرغم من كون إيرادات الاستثمارات الأجنبية المباشرة قد عرفت خلال سنوات 2014-2013-2012 زيادة سنوية بلغت على التوالي 23%, ; 7%,22%,حسب معطيات كشف عنها التقرير المتعلق بقانون المالية لسنة 2017 ، في حين بلغت القيمة المالية   للاستثمارات الأجنبية المباشرة سنة 2015 33,1,  مليار درهم  مقابل  39,9 مليار درهم  برسم سنة 2016، فإنه يلاحظ أنها نسبيا إيجابية في ظل عدم تحقيق الإنعكاسات المنتظرة من إيرادات هذه الإستثمارات ، ولاسيما فيما يتعلق  بتأثيرها على سوق الشغل و تحقيق الثروة مازال ضعيفا…

 

علاوة على ما سبق ،عمدت حكومة العدالة و التنمية منذ سنة 2013 إلى اتخاذ العديد من التدابير التي تهم صندوق المقاصة، ، كمؤسسة  تتمتع بالشخصية المعنوية ،مؤهلة وحدها للقيام بجميع العمليات المتعلقة باستقرار الأثمان ، ولاسيما القيام بتمويلها وإنجاز أو جمع الاقتطاعات المتعلقة بها.و الذي يعهد إليها في نفس الوقت بتنفيذ السياسة الحكومية لتثبيت الأثمان ، و ذلك حسب  مقتضيات الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.403 بتاريخ 5 شوال 1397 (19 شتنبر 1977)

 

خطوات تعد مما لاشك فيه بغض النظر عن الجدل الذي يمكن أن تثيره هذه المسألة جد جريئة و ذلك لما تكتسي من أهمية بالنظر إلى تأثيرها المباشر على السلم الاجتماعي لاسيما اد لم تتم مواكبتها حسب بعض المختصين بحلول بديلة ، والتي تعد رهانا حقيقيا بالنسبة للحكومة الحالية ،كما أنها شكلت هاجسا مستمرا بالنسبة للحكومات المتتالية، حيث تجسدت هده التدابير من خلال انطلاق مشروع تدريجي للإصلاح يتضمن مجموعة من الخطوات التي تتعلق وفق معطيات جاءت في مقال تم نشره على بوابة الموقع الالكتروني لحزب العدالة و التنمية بالتحكم في دعم بعض المواد النفطية في حدود الاعتبارات المرصودة، ومواصلة دعم القدرة الشرائية للمواطنين عبر تحمل كامل للدعم الموجه للبوتان، واتخاذ إجراءات في قطاع النقل، ودعم أسعار الكهرباء عبر مساهمة مالية للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب

 

 و في نفس الصدد ،لابد من الإشارة إلى أنه في الوقت الذي  تعتبر الحكومة أن تخفيض مخصصات الصندوق انجازا كبيرا من شأنه أن يساهم في تجاوز تفاقم العجز المالي والاقتطاعات من ميزانية الاستثمار وتجنب اللجوء إلى المديونية.تخفيضات  بلغت  42,4 مليار درهم  برسم سنة   2013 و 32,3 مليار درهم  برسم سنة4 201،.و ذلك مقابل 23 مليار درهم برسم سنة 2015،15   مليار ونصف مليار درهم برسم سنة 2016 ،فإن خطوة إصلاح صندوق المقاصة في ظل غياب  تدابير و بدائل اجتماعية  واضحة و ناجعة تبقى ناقصة بالنسبة لبعض المختصين  

 

إلى جانب إصلاح صندوق المقاصة  نجد من بين مشاريع الإصلاحات الكبرى على الصعيد الاجتماعي  مشروع إصلاح صناديق التقاعد الذي سبق أن شكل موضوع تقرير أعده المجلس الأعلى للحسابات  و الذي رصد من خلاله  مجموعة من الاختلالات التي  تهم أساسا تعدد أنظمة التقاعد و غياب الانسجام فيما بينها ،ضعف نسبة التغطية للساكنة النشيطة، اذ لاتغطي سوى 33 من مجموع الساكنة النشيطة أي ما يناهز 3,4 مليون نسمة من أصل 10,5 مليون نسمة ، بالإضافة إلى الاختلالات الهيكلية على صعيد بعض الأنظمة وعدم ديمومتها،الأمر الذي سيؤثر سلبا على الوضعية المالية  لهذه الصناديق إذ بلغ مجموع الديون غير المشمولة بالتغطية على صعيد مختلف الأنظمة و حتى متم سنة 2011 ،813 مليار درهم ،. وتعتبر وضعية نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد الأكثر استعجالا وإثارة للقلق، و بهذا الخصوص أوصى المجلس  بمجموعة من المقترحات التي تستهدف إصلاح نظام التقاعد على مرحلتين…..

 

على الرغم من أهمية هذه المقترحات فإن المقاربة المعتمدة من طرف الحكومة في إصلاح منظومة التقاعد قد أثارت العديد من النقاشات من طرف العديد من الفرقاء و بعض الهيئات النقابية و التي تعتبرها مقاربة  تقنية صرفة تعتمد على المشتركين، من  أجل تحقيق التوازنات الاقتصادية  ولا تقوم على أساس الحماية الاجتماعية الشمولية ،وفي هذا الصدد تقدمت بتاريخ 13 مارس  2017  لجنة تقصي الحقائق بتقريرحول الصندوق المغربي للتقاعد اعتبرت من خلاله هذا الإصلاح مقياسي لم يحظى بموافقة كافة الشركاء الاجتماعيين والتي توصلت على الرغم من الصعوبات التي شابت عمل اللجنة إلى  مجموعة من الخلاصات و الاستنتاجات التي يمكن أن نذكر منها  الارتباك الذي شاب مسار الصندوق المغربي للتقاعد  ، الخروقات القانونية التي تتجلى في التسبيقات الممنوحة لنظام المعاشات العسكرية  و الأنظمة غير المساهمة من فائض نظام المعاشات المدنية  في غياب  رصيد احتياطي ،منح معاشات بدون سند قانوني ومنح معاشات أخرى تحوم   حولها  الشبهات، اتخاذ قرارات سياسية و إدارية أثرت على مسار الصندوق…..

 

أما بخصوص مسألة محاربة الفساد و الرشوة التي تعد من بين الرهانات الأساسية التي تكتسي أهمية بالغة و التي لم تسجل أي تقدم مذكور في عهد الحكومة السابقة ، فإنه يلاحظ أنه بعد أن كشفت خلال السنين الأخيرة التقارير المتتالية  للمجلس الأعلى للحسابات عن سلسلة من الاختلالات المتعلقة بكيفية تدبير الشأن العام  ، تمت  إحالة البعض منها عل أنظار القضاء في خطوة استحسنها  حينها جميع المتتبعين، ، حيث اعتبرت هذه المبادرة آنذاك  شجاعة في اتجاه تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، إلا أنه يلاحظ أن اعتماد هذه الحكومة مثلا مقاربة تقوم على التسامح  قد يثير انتقادات من طرف الرافضين لهذه الخطوة مقابل  مبررات تقدمها الحكومة و التي تتعلق بضرورة العمل على  استرداد الأموال،  أكيد أننا سنكون مخطئين إذا قلنا أن الإصلاح  قد تحقق بشكل ناجع في هذا المجال، حيث تبقى حاليا الإدارة أهم متجليات سوء التدبيرو سوء الحكامة، إذ تشكل علاقة الإدارة بالمواطن أكثر المجالات التي تثير جدلا واسعا، كما جاء في خطاب جلالة الملك بمناسبة افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 14-10-2016، الذي شكل فرصة كشف من خلالها جلالته  عن  بعض مظاهر الخلل الذي تعرفه المرافق الإدارية في علاقتها بتلبية متطلبات المواطن، لاسيما على صعيد بعض المجالات الحيوية من قبيل الاستثمار ومسطرة نزع الملكية و غيرها، حيث  توجه جلالته في هذا الصدد بانتقادات واضحة للمسؤولين الإداريين ،كخطوة نسجل مرة أخرى لفائدة المؤسسة الملكية

 

 هذا في الوقت الذي يلاحظ فيه  الإدارة في العالم الغربي قد قطعت أشواطا  جد متقدمة في مجال تدبير الشأن العام و ذلك  على أكثر من صعيد سواء تعلق الأمر بتدبير الموارد البشرية   أو التدبير المالي و كذا باعتماد التخطيط كمقاربة  أساسية و الاعتماد على طرق حديثة للتدبير في مجال التواصل و التسويق تؤسس لعلاقة جديدة مع المواطن  تقوم على أساس اعتباره كزبون، فإن الإدارة في المغرب مازالت ترتع تحت وطأة العقليات المتحجرة  الرافضة للتغيير و التي لا تعمل سوى على  تكريس بيروقراطية متجاوزة لا علاقة لها بالمفاهيم الجديدة  للتدبير، و لاسيما فيما يتعلق بتدبير الموارد البشرية سواء فيما يخص طرق تقييم الموظف  التي ما تزال تقوم على أساس اعتبارات اجتماعية  عوض المردودية …

 

في سياق متصل، وفيما يخص مسألة حقوق الإنسان، فإنه يلاحظ أن التقدم الذي أحرزه المغرب على صعيد هذا المجال مرده أساسا المؤسسة الملكية التي كان لها الفضل في تحقيق مكتسبات تشريعية و مؤسساتية جد مهمة ، نخص بالذكر منها خلق هيئة الإنصاف و المصالحة  التي كان لها الفضل في تحقيق المصالحة …و التي تعد إحدى المحاور التي يمكن أن تندرج ضمن المكتسبات التي تهم الحقوق المدنية و السياسية إلى جانب الحقوق الأخرى التي تهم هذا الصنف من الحقوق كالحق في الانتخاب، و الترشح، والعمل السياسي… إلى جانب هذه الحقوق نجد الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية المرتبطة بالحق في التمدرس ،التشغيل ،و الحق في العمل النقابي.. التي لم تسجل تقدما ملحوظا في عهد هذه الحكومة ، كما أنه يلاحظ أن الإصلاح المعتمد من طرف الحكومة في هذا المجال جد بطيء مازال بعيدا عن تحقيق النتائج المرجوة في ظل الممارسات القمعية و التضييقية للحكومة لبعض الحقوق الأساسية كالحق في التظاهر التي يتم تبريره بذريعة  الحفاظ على الأمن،بالإضافة إلى نقص العمل النقابي ،وعدم تحقيق  انجازات  إضافية ملموسة يمكن ان تذكر على صعيد  مقاربة النوع بل إن هناك من  يرى بأن هذه الحكومة  تتحمل مسؤولية تراجع بعض المكتسبات التي تحققت في الماضي لفائدة المرأة ولاسيما فيما يتعلق بالولوج للمسؤولية  ……

 

خاتمة

 

أمام هذه الوضعية ، يتبين جليا عدم قدرة الحكومة السابقة من خلال  تجربتها  الأولى على إيجاد حلول ناجعة يمكن أن يستشعر  تأثيرها المواطن العادي،  بل على العكس،   تكشف هذه المعطيات عن حلول قد تكون في غالب الأحيان على حساب هذا المواطن ،من قبيل إصلاح صندوق التقاعد على حساب المشتركين ،الأمر الذي من شأنه المس بمصالح بعض الفئات الاجتماعية، لا سيما الطبقة المتوسطة  ،لأن نجاعة أي إصلاح يبقى رهينا  أولا بمدى القدرة على مواجهة لوبيات الفساد و بمدى تظافر جهود كافة الأطراف المعنيية والفاعليين السياسيين، و لا سيما فيما يتعلق بالمعارضة التي أصبحت تتوفر على العديد من الصلاحيات بموجب دستور 2011، الأمر الذي يجعلها مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم أفكارللإصلاح أكثر نجاعة  وفعالية

 

من هنا، فإن العديد من  التساؤلات تطرح نفسها حول الصيغ المعتمدة مستقبلا للإصلاح في الفترات المقبلة في ظل الحكومة المقبلة ، وهل فعلا  ستلقى هذه الإصلاحات مسارها الصحيح؟ و من تم  سيكون  لها تأثير فعلي على تغيير الظروف المعيشية للمغاربة، و الرفع من مؤشرات التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و على الخصوص محاربة الفساد و مظاهر الريع الاقتصادي و السياسي…… وذلك  على غرار بعض الدول التي عرفت إقلاعا  اقتصاديا حقيقيا، كالتجربة التركية مثلا و إن كانت هذه الاخيرة  موضوع انتقادات فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها على وجه الخصوص عقب الانقلاب العسكري لسنة 2016

 

على أية حال  يبقى مسلسل الإصلاح بالمغرب مستمرا و إن كان يتم بشكل تدريجي بفضل المؤسسة الملكية التي أتبتث قوتها وذلك في انتظار أن تضظلع باقي المؤسسات و على رأسها الأحزاب السياسية بمسؤولياتها لإتخاذ تدابيرأكثر جرأة و التي يمكن أن تهم كافة القطاعات الاجتماعية و الاقتصادية، تنزيل مضامين دستور 2011 الذي جاء بالعديد من المقتضيات التي تروم تعزيز الديمقراطية ثقافة حقوق الإنسان الحق في الولوج للمعلومة…   واستكمال مشروع الجهوية الموسعة وتكريس الحكامة الجيدة و محاربة على وجه الخصوص الريع  بمختلف أشكاله مع ضرورة  التعاطي بجدية أكبر و أخذ بعين الاعتبار تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي تكتسي أهمية كبيرة من حيث الكشف عن مظاهر الخلل في العديد من جوانب الحياة السياسية و الاقتصادية

 

بقلم ذ:سمية رفاش

 

 

 

 

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد