أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

الأسواق الشّعبيّة مِرآةُ مَغربٍ آخر خارج التّغطيّة

جرت العادة  و ترسّخ في المخيال الشّعبي اعتبار حلول يوم السّوق الشّعبي عيدا و عطلة أسبوعية و مناسبة للاستراحة و الاستجمام ، و  فرصة لأداء و قبض أجرة عمل الأسبوع ، و التّسويق و التسوّق و تموين البيت بحاجيّات الأسرة عموما و بما يحتاجه مطبخ البيت خلال الأسبوع التّالي و ما تحتاجه كذلك المواشي و الدّواب ، و كذلك قضاء ما تعذّر قضاءه خلال بقيّة الأسبوع من مصالح و أغراض ، كما يعتبر كذلك فضاء لتبادل الخدمات و ممارسة الأنشطة التّجاريّة و الحرفيّة و المتعلّقة عموما  بالمال و الأعمال .

و على الرّغم من أهميّة هذه الأسواق في تدوير حركة الاقتصاد المحليّة والجهويّة فإنّها تعبّر صراحة عن مجتمع آخر يسير بسرعة أقلّ من المعدّل الذي يسير بها المجتمع المغربي ، فكلّما قمتُ بجولة في أحد الأسواق الشّعبيّة إلّا و أحسستُ أنّي أنتقل إلى مغرب آخر غير الذي تتحدّث عنه المشاريع و المراسيم الحكوميّة و تحلم به البرامج الانتخابيّة ، و تُعَرّفه القنوات الإعلاميّة و الاستطلاعات التلفزيونيّة و البرامج الوثائقيّة ، و كلّما رأيت مرتادي هذه الأسواق – أو بالتّدقيق أغلبهم – إلّا و اكتشفت كلّ مرّة و من جديد إنسانا آخر مختلفا عن الشخصيّات البطلة في دروس التربيّة على المواطنة ، و عن الذي تجسّده التصوّرات الحقوقيّة .

لأنّ الأسواق تتمدّد منذ أوّل يوم تُفتتح فيه إلى خارج أسوارها الأصليّة ، غادر المكلّفون باستخلاص رسوم دخول السيّارات و الشّاحنات و الدرّاجات بنوعيها و العربات المتحرّكة أو تلك المجرورة بالدواب مخارج السّوق إلى مداخل المدينة أو القرية الّتي يتواجد بها ، فنصبوا حواجز حديديّة على الطّرق العموميّة لعرقلة السّير وإبطاء الحركة عليها لتسهيل عمليّة استخلاص الرّسوم ، مع الإشارة إلى أن هذه الطّرق يمرّ منها إضافة إلى المتسوّقين أولئك العائدون إلى بيوتهم أو المتّجهون إلى مقرّات عملهم و كذلك العابرون إلى وجهات أخرى ، و مع العلم أنّ الحواجز الطّرقيّة من اختصاص القوّات العموميّة فقط مثل الشّرطة و الدّرك و الجيش و الجمارك و غيرهم ، نصبوا هذه الحواجز العشوائيّة بطريقة عشوائيّة أمام أنظار السّلطات العموميّة و أوكلوا حراستها لأشخاص لا أقوياء و لا أشدّاء ، إنما أغلبهم منحرفون مستعدّون لفعل أيّ شيء و قول أيّ شيء من أجل استخلاص الدّراهم المعدودات بوجه حقّ و بغير وجه حقّ بالقانون و بالتّرغيب و التّرهيب .

و موازاة مع التّمدّد الخارجي تفقد الأسواق هندستها الأصليّة داخليّا فتتحوّل من التّنظيم النّسبي الذي كانت عليه إلى فوضى مزعجة للباعة و المتسوّقين على حدّ سواء ، حيث تضيق ممرّات باًصحابها و تُغلق أخرى ، و يزيد الطّين بلّة تكاثر الباعة المتجوّلين يوما بعد يوم و تنافسهم على اكتساح واجهات الباعة الآخرين ممّا يدفع هؤلاء إلى استباق الوضع و توسيع محلّاتهم و عرض سلعهم على جزء من الطّريق الذي أمامهم .

و كما أن الصحّة في المغرب من بين القطاعات المثيرة للكثير من الجدل فإنّ قطاع الصحّة أو رحبة الصحّة داخل السّوق الشّعبي تثير عظيم الاستغراب ، و الوجه الأوّل لهذه الغرابة متعلّق بالعرض الصحّي القديم الجديد الذي تغضّ الطرف عنه السّلطات الوصيّة ، و الذي يخوض في كلّ الاختصاصات و الأجهزة حيث لا يُعجز (طبيبَ) الأسنان علاج أو قلع كلّ أنواع الأسنان و علاج اللّثة و حلّ مشاكل روائح الفم الكريهة و الآلام المستعصيّة ، أمّا (أخصّائي) الجهاز الهضمي فيعلن بمكبّر الصّوت من داخل خيمته و بثقة مطلقة أنّه يستطيع علاج التهاب و قرحة المعدة و أمراض المرارة و التهاب الكبد الفيروسي و اليرقان (بوصفّير) و الغازات المزعجة و البواسير بأنواعها ، و كذلك يفعل حين يتقمّص شخصيّةَ طبيب الجهاز البولي فيدّعي علاج سلسل البول و قصور الكلي الحاد و المزمن و حصى الكلي و المتانة دون جراحة ، و يكفي أن تُصْغِيَ السّمع خلال جولة نصف ساعة في السّوق لتسمع العجب العجاب عن علاج مختلف الأدواء التي تصيب الأذن و الحنجرة و الغدّة الدّرقيّة و التهاب المفاصل و الوسواس  والضعف الجنسي و أمراض الجلد و السّرطان . و الوجه الآخر الذي يستحق التأمّل و الدّراسة و ليس غضّ الطّرف كما تفعل مختلف السّلطات المعنيّة هو الطّلب الوفير و الإقبال الملاحظ للمواطن على خدمات هؤلاء المسترزقين و استعمال الأدوية التي يعرضونها بثقة و تسليم بجدواها و بدون شكّ أو توجّس من أيّة عواقب سيّئة على صحّته .

و غير بعيد عن رحبة الصحّة لن يحتاج زائر السّوق لاستعمال ميزان معايير الصحّة والسّلامة الذي هو من مهام المختصّين  لقياس مدى صلاحيّة السّلع المعروضة للاستهلاك المحلّي كأكلات خفيفة أو جاهزة ، أو لإعداد وجبات غذائيّة في البيت ، حيث يكفيه أن يلاحظ عرض السّمك في صناديق خشبيّة و بدون ثلج ليطرح حوله أكثر من علامة استفهام ، و أن يستنتج باستعمال حاسّة البصر و الشمّ و اللّمس أن السّردين المهترئ المعروض للبيع قد يصلح لإنتاج علف المواشي و الدّجاج و ليس للاستهلاك البشري ، و يكفي أن يساوره الشكّ في مصدر اللّحم الذي سيشتريه و الذي يعرضه البائع على طاولة خشبيّة متّسخة تُقضّي بقيّة الأسبوع في مكانها عرضة للشّمس و الغبار و المطر و لعق و تبوّل الكلاب الضالّة ، أمّا الحلويّات المعسّلة بالسكّر و الفواكه الجافّة فلا حائل يقيها شرّ الحشرات الطّائرة و الأتربة المتطايرة و أيدي الفضوليّين والمساومين المتّسخة .

و لو تجاوزنا السّؤال و غضضنا الطّرف عن مصدر المواد المستعملة لإعداد الأكلات الجاهزة و المعدّة في عين المكان فكيف  سنجمّد التّفكير و نغمض العين عن ظروف إعدادها مع عدم توفّر الماء بالقدر اللّازم ، و انعدام وسيلة لتصريف الميّاه العادمة بطريقة صحيّة ، و عن ظروف تقديمها للزّبائن مع انعدام المكان المناسب لذلك ؟ و لا أظنّ أنّ من تعوّد ارتيّاد الأسواق الشّعبيّة لم يسبق له أن لمحت عينه أحدَ الباعة أو الحرفيّين أو غيرهم – الذين يضطرّون للتّواجد في السّوق من طلوع الفجر إلى ما بعد العصر – و هو يتبوّل أو يتغوّط مستخفيّا خلف خيمة أو حائط أو خلف صناديق الخضر و الفواكه أو خلف عجلة سيّارة أو شاحنة و قد يفعلها علنا دون حياء ، و من البديهي أن يتساءل إن كان للفواكه و الخضر و المواد التي اشتراها نصيبٌ من ما يجود به هؤلاء بلا حساب و في كلّ مكان . أمّا حين تمرّ أسابيع و شهور و سنوات و لا تُسجّل مخالفة ضدّ أحد متعلّقة بالغشّ في السّلع أو الأسعار ، و لا يُلقى القبض على لصّ أو محتال ، إلّا نادرا أو خلال شهر الصيّام ، ، فيُرجّح أنّ هذه الأسواق الشّعبيّة تُركت لحالها خارج التّغطيّة إلى أجل غير مسمّى .

يبدو- و على الرّغم من كلّ ما سبق ذكره – أنّ النّشاط التّجاري و الخدماتي في السّوق الشّعبي يتمّ دون أن يسبّب حرجا لأحد حيث تجد تلك السّلع لها عارضا و مكانا رحبا للعرض و مشتريا يطلبها إلى درجة النفاد ، فهل يُعتبر ذلك دليلا على أنّ كلّ شيء على ما يرام ؟ لا أعتقد ذلك ، بل هو دليل على أنّ الأسواق الشّعبيّة تعبّر عن وجه آخر للمجتمع و عن طرق تفكير و عيش أخرى مختلفة و غير سليمة تستحقّ الدّراسة و التّغطيّة .      

                                                           عبد العزيز غياتي

 

 

 

 

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد