محمد الذهبي ـ أطلس سكوب
يعاني قطاع الصحة بالمغرب العميق جملة من المشاكل والمعاناة يكابدها الجميع ويؤدي فاتورتها كثير من المرضى والراغبين في ولوج الخدمات الصحية , فقلة التجهيزات والنقص الحاد لعدد الأطر بالمستشفى الإقليمي لازيلال وعدم قدرة المستشفى الجهوي ببني ملال على استيعاب الأفواج المنكبة عليه من ازيلال والمستوصفات الجماعية المغلقة والأخرى التي في وضعية مزرية ناهيك عن الفقر والثلج اللذان يزيدان تعميق الجراح خصوصا مع قلة وضعف خدمات القوافل الطبية والتماطل والإهمال الذي يطال التوصل ببطاقة رامييد ,تم عدم فعالية دور القابلات في ظل غياب مراكز الولادة بتلك المناطق مما جعل منها نقطة سوداء في الصحة بالمغرب .
مستشفى إقليمي في وضعية مزرية
منذ تدشين المستشفى الإقليمي بأزيلال والساكنة في حيرة من أمرها , فرغم شساعة مساحته والمبالغ المالية الكبيرة التي خصصت لهذا المشروع لتغطية حاجيات هذه الساكنة التي علقت أمالها عليه , لكنه لم يشفي جراح المرضى التي لا تجد سوى قاعات بها أسرة أكل الدهر منها رغم حذاتها وغياب شبه كلي لوسائل العلاج , فأصعب الحالات والتي أقيم هذا المستشفى من أجلها تكون مضطرة للسفر نحو مدينة بني ملال أو مراكش قصد العلاج مما يثير حفيظة الساكنة التي قامت بالعديد من الوقفات الاحتجاجية استنكارا لقيمة ونوعية الخدمات المقدمة وخصوصا المتعلقة بقسم التوليد حيث ترسل معظم الحالات نحو مدينة بني ملال أو السماح لعاملات التنظيف بالقيام بمهمة المولدات دون أي تكوين أو خبرة لتثم العملية في أبشع الظروف , ليجد الزيلاليون أنفسهم مجبرين على تحمل مجموعة من التكاليف دون أي سبب إن لم تتم عملية الولادة بالمنعرجات الخطيرة لبين الويدان داخل سيارة الإسعاف , ناهيك عن ارتفاع عدد الوفيات سواء بالنسبة للأمهات أو للمواليد وآخرها خلال هذا الأسبوع توفيت أم وجنينها في ظروف غير إنسانية والوزارة رافعة للشعار الرامي إلى ضرورة تقليص وفيات الأمهات الحوامل والأطفال إلى نسبة خمسون بالمائة , والمهزلة اليومية بالقرب من قسم المستعجلات التي تقف بها العديد من الحالات وهي تتألم دون أن تجد من يخفف من آلمها ولو باستقبالها لتجد نفسها أمام مشادات كلامية مع حراس الأمن الذين يضطرون في بعض الحالات للقيام بدور الممرضين والتدخل لتقديم الإسعافات الأولية في غياب تام لمن أوكلت لهم مهمة السهر على صحة المواطنين . ناهيك عن الأخطاء الطبية المرتكبة لعدم التخصص التي يدفع السكان البسطاء وذوي الدخل المحدود ثمنها غاليا وعلى سبيل المثال لا الحصر حالة السيدة أيت خويا ايزة المزدادة سنة 1948 التي أجرت عملية جراحية بالمستشفى الإقليمي بأزيلال لإزالة ” المرارة ” وعوض التخلص من المرض , أصيبت بشلل نصفي للجهة اليمنى وهي الآن طريحة الفراش,
حالة مزرية يعرفها المستشفى الإقليمي بمدينة أزيلال من غياب تام للأدوية وقلة الأطر الطبية التي تفضل الرحيل بمجرد الوصول لهذا المستشفى صوب المدن الكبرى ومما زاد من تعميق جراح المرضى رحيل البعثة الصينية التي كانت تقدم على الأقل دعما طبيا وتخفف من آلام المرضى , فرغم الوعود التي قدمها وزير الصحة الحسين الوردي بمناسبة الانتخابات الجزيئية حول إمكانية تجديد الاتفاقية مع الصين قصد تقديم الدعم من خلال بعث بعثة جديدة , وكذا الوعد الذي كلف به نفسه والمتمثل بزيادة عدد الأطر الطبية وبعث كميات مهمة من الأدوية وكذا سيارة إسعاف على شكل مستوصف متنقل مجهز بأحدث التجهيزات , ومروحية لنقل أصعب وأخطر الحالات المستعجلة من أعالي الجبال لكن مع مرور الوقت اتضح أن السيد الوزير نسي وعده أو ربما غضب من الزيلاليين عندما لم يظفر حزبه بالمقعد .
عدم قدرة المستشفى الجهوي استيعاب الحالات المنكبة عليه من أزيلال
تصطدم الحالات المرضية التي تتوافد على المستشفى الجهوي من جماعات إقليم ازيلال ومن المستشفى الإقليمي به برفض استقبالها لان القدرة الاستيعابية للمستشفى الجهوي ببني ملال أصبحت غير قادرة على تحمل الأفواج المنكبة من أزيلال. هي حالات دفعت الثمن غاليا بسب الوضعية المزرية التي يعرفها قطاع الصحة بالإقليم الذي قدر له أن ينتمي لمدن المغرب العميق هذا الإقليم من المغرب لازال يعيش في الهامش رغم العديد من الأصوات التي نادت بضرورة الاهتمام بهذه المناطق الجبلية التي قد تساهم بثرواتها الطبيعية ومؤهلاتها السياحية في تطوير الاقتصاد الوطني والدفع بعجلة التقدم والنمو إلى الأمام .
مستوصفات مهجورة وأخرى مهمشة
رغم وجود بناياتها وسط قرى نائية بعد إنشائها مند بضع سنوات على أساس أن تقدم أبسط الخدمات الطبية للمواطنين فقد ظلت أغلب هذه المستوصفات فارغة من أبسط التجهيزات ،ولا يشرف عليها احد من الأطر الطبية بينما تحولت أخرى إلى أطلال تحت واقع الإهمال والتخريب .
وتوجد هذه المباني البسيطة والفارغة بمناطق جبلية وعرة أو بمناطق معزولة ونائية بجماعة ايت ماجدن وواولى وبايت عبدي بجماعة زاوية احنصال ، وقد تم إحداث عدد من هده المباني من طرف الجماعات القروية بالخصوص بشكل تطوعي على أساس أن تتحول في ما بعد إلى مستوصفات قروية وبالرغم من لجوء وزارة الصحة إلى تجهيز بعضها بعدد من المعدات البسيطة ،مثل الكراسي والطاولات وبعض الأدوات الطبية البسيطة والأدوية الخاصة بالإسعافات الأولية إلا أن هذه التجهيزات ظلت على حالها ولم يتم استغلالها إلا في حالات نادرة ،سواء من قبل أطباء المراكز الصحية الجماعية مرة واحدة في الأسبوع أو بتفقدها من طرف الممرض الموكول له مهام الخدمات الطبية المتجولة ،وبسبب فرط الإهمال تعرضت بعض هده المستوصفات أو بالأحرى هده المباني الفارغة للتخريب والإتلاف بعدما كان معولا عليها أن تقدم أبسط الخدمات الاستشفائية للمواطنين في المناطق النائية خاصة عند إصابتهم بجروح خفيفة أو بلسعات العقارب ولدغات الأفاعي .
الفقر والثلج يزيد تعميق الجراح
يشكل فصل الشتاء بالإقليم الذي يتميز بتساقط الثلوج والصقيع , فصل المعانة بالنسبة للمواطنين الذين يحاصرون داخل بيوتهم في انقطاع تام مع المحيط الخارجي فلا يجد المرضى سبيل إلا الدعوة للخالق ليشفيهم في ظروف أقل ما يمكن القول أنها مأساوية في مواجهة قوة الطبيعة التي تقطع عليهم جميع المسالك للخروج والتوجه لأقرب مركز صحي قصد العلاج والاستفادة من التطبيب العمومي لانتشار الفقر الذي يكاد يكون مدقعا في بعض المناطق الجبلية التي ماتزال تعيش على الثلاثي المقدس الشاي والزيت والخبز نتيجة العوز الذي تعانيه أغلب أسر هذه المناطق الجبلية المتشبثة بأمل البقاء رغم قساوة الظروف المعيشية في غياب تام لأبسط شروط العيش الكريم في ظل الإقصاء والتهميش الذي تعانيه في جل القطاعات.
التماطل والإهمال في إصدار بطائق راميد
فبطاقة”راميد” قد أعطيت انطلاقتها التجريبية بجهة تادلة ازيلال من أجل تحسين الخدمات الصحية لهذه الجهة التي تعاني النقص في عدة مجالات اجتماعية واقتصادية .
وقد عبر المئات من المواطنين عدة مرات بمجموعة من الجماعات كجماعة ايت ماجظن وواولى وايت أمحمد وايت بوكماز وبلدية ازيلال ودمنات …… بإقليم ازيلال عن تذمرهم الشديد من التماطل والإهمال الذي يطال طلباتهم المتعلقة بالحصول على بطاقات المساعدة الطبية “راميد” وهي الطلبات التي سبق لهم أن تقدموا بها لدى السلطات المحلية من أجل الاستفادة من هذه الخدمة الصحية ، حيث أكدت لهم هذه السلطات أنها قد أرسلت طلباتهم إلى الجهات المعنية ، كما انه يتم رفض إجراء جميع الفحوصات الطبية والعمليات الجراحية بوصل إيداع طلب الحصول على بطاقة “راميد ” ” ماعدا في الحالات المستعجلة ، رغم أنها كانت في وقت سابق تجري كل الفحوصات للمرضى بعد إدلائهم بوصل إيداع البطاقة السالفة الذكر ، هذا ويتساءل المواطنون عن السبب وراء تأخر عمالة إقليم ازيلال في إصدار بطاقات المساعدة الطبية “راميد”
حيث أكد احد المواطنين أن المصلحة المكلفة بتلقي الطلبات من مختلف الإدارات الترابية بالإقليم أخبرته بعدم توفرها على طلبه الذي كان قد تقدم به بتاريخ 19/10/2010.
ومواطن أخر بجماعة ايت ماجظن أكد أن أباه يعاني من مرض مزمن وهو طريح الفراش ويريد إجراء عملية جراحية ونظرا للفقر والعوز والحاجة ينتظر إصدار بطاقة المساعدة الطبية لكن انتظاره طال أزيد من سنتين وهو ينتظر البطاقة حتى أصبحت حالته جد متدهورة
قلة وضعف خدمات القوافل الطبية بالمناطق الجبلية
رغم المجهودات المبذولة في هدا المجال لتقديم المساعدة ولوفي شكل بعض اللقاحات وبعض الأدوية والفحوصات , لكن قلة الإمكانيات وكثرة الطلب نتيجة شساعة الإقليم المتميز بصعوبة المسالك وقلة وسائل التنقل يجعل هذه القوافل موسمية وغير كافية في هذه المناطق الجبلية التي جعلت منها ظروف الطبيعة القاسية مستودع لجميع الأمراض المعروفة وحتى الغير المكتشفة لتبقى أرواح وأجساد الساكنة بين ألطاف الخالق ليحميها من تبرئ المسوؤلين على السهر على حمايتهم وتوفير أبسط شروط العيش الكريم في زمن التقدم والرقي الذي يصبوا إليه المغاربة .
عدم فعالية دور القابلات في ظل غياب مراكز الولادة
في ظل هذا الوضع المتميز بغياب مراكز التوليد وضعف خدمات المستوصفات وقلة الأطر والتجهيزات بالمستشفى الإقليمي بالمنطقة كان من الممكن الاستعانة بالقابلات كمنقذ لمآت حالات الوفيات, لكن نمط تفكير الساكنة وغياب التحسيس بالدور الفعال الذي يمكن أن تلعبه القابلة المكونة تكوينا جيدا لانقاد العديد من الأمهات والمواليد الذين يموتون يوميا في ظروف بشعة ذنبهم الوحيد انتماءهم لهذا الإقليم المنسي , الشيء الذي يدفع بالعديد من الساكنة أو بالأحرى يكونون مجبرين على القيام بعملية التوليد بين نساء الدواوير والمداشر في ظروف يصعب على ذوي القلوب الرحيمة تقبلها لبشاعة منظرها المليء بالمخاطر وأقل هذه العمليات التي تكلل بنجاة الأم ومولوذها .
امي عائشة منقذة مئات المواليد باعالي جبال المغرب العميق
“القابلة” مي عائشة دخلت عالم التوليد مند السن العشرين وهي الممرضة والطبيبة والمساعدة وألام الحنونة التي اختارت تقديم المساعدة مجانا لنساء الحوامل المتواجدة في مختلف المناطق الجبلية والقروية النائية بحيث تتحدى كل العوامل الطبيعية والمسالك الوعرة والصعبة . 
ولدت عائشة ايت بوستى سنة 1941 بجماعة تاكلفت بجبال الأطلس وعاشت طفولتها مهمشة محرومة من الرعاية يتيمة الأبوين تزوجت صغيرة السن من زوج مهنته (مخزني) وتعلمت الكثير وجعلت من نفسها إنسانة متعلمة ومساعدة اجتماعية . الأم عائشة التي أصبح اسمها مي عائشة دخلت ميدان التوليد مند السن العشرين إلى يومنا هذا تعلمت وتكونت ببعض المستشفيات وهي الممرضة والطبيبة والمساعدة وألام الحنونة التي اختارت توليد النساء الحوامل اللواتي يتواجدن في مختلف المناطق الجبلية والقروية النائية والتي تفصل بينهن وبين مراكز الخدمات الطبية مسافات طويلة مي عائشة هي المساعدة والمسؤولة الوحيدة التي تحمل صورة العناية والاهتمام بالنساء وهي الشكل الوحيد من أشكال الرعاية الطبية بشكل تام مي عائشة التي لا تعرف الحرارة والثلوج والأمطار والطرق المقطوعة لمساعدة النساء مجانا بدون مقابل رغم عدم توفر المواصلات وحلم الأمومة يتحول بهده المناطق إلى كابوس بدل أن يسلك المولود طريقه نحو المهد يتحول إلى جثة في اللحد ونظرا لضعف الإمكانيات المادية للأسر بالمناطق الجبلية تعتبر مي عائشة السند الوحيد فهي تنتقل معهن إلى المستشفى الجهوي ببني ملال وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالولادة الأولى أو سبق للحامل أن أنجبت بالجراحة .
فهل الجهات المسؤولة عاجزة لحد ألان عن التفكير في تزويد المستشفى الإقليمي بازيلال بالأطر الطبية وكذا المستوصفات الصحية بالقرى النائية الجبلية بدار الولادة والمولدات بدل الالتجاء إلى “القابلات” أو التنقل إلى المدن الكبرى كبني ملال ووضع حد لهذه الانتظارية ورحلة البحث عن اقرب مستشفى جهوي للعلاج من قبل الساكنة ؟
معاناة حقيقية لسكان أزيلال مع جميع أنواع الأمراض ومما زاد من تعميقها رحيل طبيبين آخرين لمدن أخرى دون تعويضهم والغياب التام لدور المندوب الإقليمي الذي نسي أمر المستشفى نهائيا من تفتيش ومراقبة, فرغم العديد من اللقاءات التواصلية بين جميع المهتمين بالشأن الصحي بالإقليم والتي لم تجدي نفعا مع الوضعية المزرية التي يعرفها قطاع الصحة بالإقليم .
وضعية تطرح العديد من علامات الاستفهام حول دور وزارة الحسين الوردي في مراقبة الشأن الصحي بالمغرب وخصوصا في مثل هذه المدن التي تعاني من الفقر والإقصاء والتهميش في كل شيء , وكذا مدى نجاعة سياسة التطبيب المتبعة بالمغرب والتي أصبحت تتجه نحو تغليب كفة المصحات الخاصة .