رامي أمين – أطلس سكوب
إن الحديث عن مشاكل التزود بالماء الصالح للشرب التي أضحت تعاني منها الساكنة بربوع إقليم أزيلال ، الغني بالثروات المائية (…) ، يجرنا بالضرورة إلى الخوض في حيثيات هذا المشكل من كل الجوانب ، في إغفال تام لعنصر مهم في هذه المعادلة، ألا و هو عنصر الموارد البشرية، و لا أعني هنا الموظفين منهم بمختلف الإدارات، بل فئة مهمشة من العمال الساهرين الفعليين على ضمان تدفق هذه المادة الحيوية إلى منازلنا، و هم العمال المناوبون بالصهاريج و الخزانات و المسئولون عن المضخات . هؤلاء يناوبون ليل نهار، صيفا و شتاء و كيفما كانت الظروف هم يسهرون على أن تسري المياه في الأنابيب و تصل إلى صنابيرنا لنستمتع بها.
لكن هل تساءل أحد يوما، و بغض النظر عن الإنقطاعات المألوفة في بعض الأماكن بالإقليم ( وليسوا هم المسئولون على كل حال ) ، هل تساءل أحد عن هوية هؤلاء الساهرين على راحتنا ؟ و عن ظروف عملهم و عيشهم ؟ و هل يتمتعون بحقوقهم كاملة أو على الأقل أبسطها ؟ و من المسئول عن هذه الحقوق ؟ . قد لا يكون ذلك من أوجب الواجبات، لكن هذه الفئة من العمال تستحق على الأقل التفاتة للنظر في أحوالها، و هذا ما جرنا للبحث عنهم و المناقشة مع بعضهم، و لو فضلوا التكتم عن هوياتهم، عسى أن نتمكن من إيصال جزء من معاناتهم إلى المسئولين الذين يكتفون بترقية أولائك القابعين داخل راحة المكاتب المكيفة و رفاهيتها، و لا يلتفتون لمن يسهرون فعليا على استمرار تدفق الماء، العنصر الحيوي لاستمرارنا.
دون الدوران كثيرا حول الموضوع، نشير إلى أن هؤلاء العمال ليسوا محسوبين مباشرة على المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، بل تابعون لأشباه مقاولات تحصل على صفقات التسيير المفوض لهذه المرافق الحساسة من الإدارة المعنية وفق دفاتر تحملات لا تعدو أن تكون حبرا على ورق، إذ أن معظم بنودها تظل غير محترمة من طرف البعض ، و فضلا على ذلك فيبدو أن لا أحد يسهر على احترامها و لا أحد يحاسب المخلين بها، ما يطرح السؤال حول مصداقية العملية برمتها، ومن المستفيد من التماطلات و الإخلالات ببنود هذه الدفاتر ؟
العمال المعنيون أغلبهم شباب هاربون من ويلات البطالة، بينهم حاملو شهادات، يعملون ما يقرب 12 ساعة في اليوم ( ليلا أو نهارا حسب التناوب ) ، دون أن يتقاضوا سنتيما واحدا عن الساعات الإضافية، و لا أي تعويضات عن المرض أو الأعياد التي يقضونها في العمل، و الأكثر من ذلك فراتبهم زهيد و بعيد كل البعد عن الحد الأدنى القانوني للأجور، و لا ننسى عدم استفادتهم من الضمان الاجتماعي و الضمان الصحي … هم المكلفون بمهمة حساسة للغاية، تكلفهم العناء الشديد و التركيز الكبير و الحرمان من النوم و الراحة الكافيين، و ما إلى ذلك من مضاعفات صحية و نفسية.
هل و جد م.و.م.ص.ش ، أسوة بمؤسسات أخرى للدولة، طريقة للتملص من مسؤولياته و تفويضها لهذا النوع من المقاولات اللامسئولة في أغلبها، والتي لا تظهر إلا وقت إمضاء الاتفاقية (…) ثم تختفي و لا يتشرف عمالها حتى بمعرفة المسئول عنهم إلا ناذرا، بينما يتم تحويل مبالغ طائلة إلى حساباتها على حساب عمال بؤساء لا يعيرهم أحد اهتماما و لا يسير أمورهم أحد، لا خطة عمل، لا تزويد بحاجيات العمل الضرورية، لا إحساس من العمال حتى بأدنى شروط العمل …. و الأدهى من ذلك أن هذا النوع من المقاولات اختارت خطة يتم بموجبها تشغيل فئات خاصة من العمال كالمتقاعدين ( خاصة الجنود) ، لما لهم من شغف للعمل و ملئ وقت الفراغ، دون المطالبة بأية حقوق، ثم يتم إرغامهم على توقيع عقود مشبوهة تضمن لمشغلهم التملص ” قانونيا” من كل الواجبات تجاههم.
ألا يعرف السيد المدير الإقليمي و معه المسئولون المحليون بكل من أزيلال، دمنات و أفورار هذه الوضعية و هذه المجريات ؟ و هل تساءلوا و لو لمرة على مدى احترام دفاتر التحملات و المسؤوليات التي فوضوها لغيرهم ؟ و هل نفذوا و لو لمرة صفتهم كمراقبين قانونيين لأشباه المقاولات هذه؟ أم أن هناك أسئلة أعمق و أشمل يجب طرحها ؟
في الأخير، نتمنى أن يكون هذا المقال البسيط مدعاة للبحث في هذا الموضوع من طرف المسئولين، و محاولة إنصاف هذه الفئة من العمال الساهرين على إمدادنا بالماء الصالح للشرب الضروري لاستمرار الحياة و الاستقرار.