محمد مرشيش باحث متخصص في التاريخ والتراث الجهوي

يجد الباحث في تاريخ صناعة الفخار والخزف بدمنات نفسه أمام فراغ وشح في المعلومات، فمعظم الإشارات التي تناولت هذا العنصر لم تتجاوز النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع أحمد توفيق “إينولثان” وأحمد نجيب الدمناتي “القول الجامع” وإميل لاوست “mots et choses berbers”، هذه الإشارات عبارة فقط عن ومضات، فهؤلاء تطرقوا لصناعة الفخار والخزف بالمنطقة في إشارات بسيطة فقط.
عرفت دمنات حسب المصادر المكتوبة، بانتشار الصنائع منذ القرن السادس عشر، فإشارات الرحالة” الوزان و كربخال” الذان زارا المنطقة خلال القرن السادس عشر والسابع عشر، أكدت على وجود صنائع بدمنات دون أن تفصل في أنواعها، ولو تحدث “الوزان وكربخال” عن الصنائع بتفصيل لن يتطرقا إلى الفخار والخزف، نظرا لكونه لم يكن من الصنائع التي تسترعي اهتمام الرحالة، “…إن المصادر العربية لا تذكر بتاتا الخزف كبضاعة تمثل جزءا من التجارة الصحراوية، وإن هذه الصناعة لم تسترع انتباه الرحالة كما استرعتهم بعض المنتجات الأخرى مثل الأقمشة والأواني النحاسية…”
وإذا كانت إشارات الرحالة تحيل على أن دمنات كانت تعرف حضورا للصنائع خلال القرن السادس والسابع عشر، فإنه وفي ما قبل ذلك نجد فراغا تاما في المعلومات حول الصنائع عامة ناهيك عن الفخار والخزف، في ظل هذه الوضعية سيقتصر حديثنا عن واقع هذه الصناعة خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تماشيا مع ما وفرته المراجع والمصادر التي تحدثت عن هذا النشاط بشكل صريح، فالمصادر المكتوبة لا تسمح بالحديث عن واقع هذه الصناعة بالمنطقة فيما قبل القرن التاسع عشر.
كانت صناعة الأواني الفخارية والخزفية منتشرة بمنطقة دمنات ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فقد اشتهرت بهذا النشاط الصناعي العديد من القرى الدمناتية، وهي “بوغرارت، تغرمين و تفغمات”، وقد كان صناع هذه القرى يحصلون على المادة الخام”معدن الطين” التي يحتاجونها في صناعتهم من مقالع ومكامن مجاورة لقراهم، وقد كان استغلالها يخضع لعرف متداول بين الصناع، فقد كانت في ملكية الجماعة يحصل منها الصناع على الطينة التي يحتاجونها مجانا، ومن الأعراف السائدة بين الصناع في استغلالها، عدم قبول أي غريب عن القبيلة في الاستغلال إلا إذا وافقت الجماعة عليه ووافق الصناع، وكانت معظم الطينة المتوفرة بالمنطقة إما بيضاء “إدقي” أو حمراء “تالاخت”، و إذا توفر النوعان تم خلطهما ، ولكي تسير أمور الصناعة بشكل منظم كان للصناع في كل قرية أمين، كانوا يرجعون إليه في تصفية خلافاتهم.
تميزت معظم مصنوعات الدمناتين بكونها نفعية وهي : القدور والبراريد والقصاع والمجامير والقناديل والأكواب والطواجين وغيرها من الأواني المنزلية ، غير أن كل قرية كانت مختصة في صناعة أنواع معينة، فصناع تغرمين كانوا مختصين بصنع الأواني المزلجة “الخزفية”، اعتمادا على مادة “الكحل” التي كان يتم جلبها من مدينة مراكش ، وهذه المادة كانت تستعمل للإكساب المصنوعات تلك الطبقة الزجاجية التي تجعلها تنتقل من فخار خشن مكوناته فقط مادة الطين، إلى خزف تدخل في تكوينه المادة المزججة أو المزلجة، في حين كان صناع بوغرارت مختصين بصناعة القلل والبراريد لتبريد الماء والجرات ذات الحجم الكبير والمتوسط لتخزين الزيت، أما صناع تفغمات فقد اختصوا في صناعة القدر والمجامير ، وبذلك فهاتين القريتين اشتهرتا فقط بصناعة الأواني الفخارية “الفخارالخشن أو الحرش” التي تبقى مادة الطين هي المكون الرئيسي لها دون إضافة مواد أخرى.
تميزت الأواني الفخارية والخزفية المصنوعة بدمنات خلال هذه الفترة، بكونها سمراء أو حمراء اللون، كبيرة الحجم ذات جوانب رقيقة، صغيرة المقابض، ليست لها مناقير ولا أعناق ولم تكن مصبوغة، غير أنها كانت تتميز في غالب الأحيان برسومات على شكل خطوط سميكة محاطة بأبعاد الآنية، يتم رسمها اعتمادا على صلصال يسمى “تالوفت” وبمحجر يسمى “أنكميوس”، وأحيانا تكون هذه الخطوط بارزة على سطح الأنية تأخد لون الأنية نفسها ، سنعرض في نقطة موالية نماذج من هذه المصنوعات.
صناعة هذه الأواني كانت تتطلب تعاونا بين أفراد أسرة واحدة أو أفراد تربطهم علاقة قرابة، ففي الغالب كانت الورشات عائلية، يشتغل بها الأب وأولاده وأقاربه و أحيانا أخرى يشتغل بالورشة أناس لا تربطهم علاقة قرابة بالصانع، يعين بعضهم بعضا من بداية التصنيع إلى أن تنضج المصنوعات وتصبح جاهزة للتسويق، وخلال عملية التعاون هاته، يحضر تقسيم منظم للعمل فهناك من يعمل على جلب الحطب وهناك من يعمل على جلب الطين من المقلع، أما الصانع وهو رب العائلة ورب العمل كان يعمل على تشكيل الأواني، التي كانت تعرض لأشعة الشمس قبل أن يتم إدخالها إلى الفرن، وقبل هذه الخطوة ولشي المصنوعات يملأ الفرن بالحطب، وهي عملية تتطلب تعاونا بين كل أفراد الورشة ، وبعد أن تنضج المصنوعات وتصبح قابلة للبيع والتسويق، تحمل إلى السوق إذ يمنع منعا باتا بيعها بالقرية قرب مكان التصنيع، تماشيا مع الأعراف التي كانت سائدة بين الصناع، هذا العرف لم يكن سائدا فقط بدمنات، بل بكل المناطق التي تعرف انتشار صناعة الفخار والخزف ، سواء بالأطلس الصغير والكبير والمتوسط .
وقد استطاع صانع الفخار من خلال عمله هذا، أن يندمج داخل المجتمع الدمناتي، ذلك المجتمع الزراعي البسيط، فقد كان له دور كبير داخل هذا المجتمع الذي كان في حاجة ماسة إلى أواني فخارية وخزفية، وبذلك فهذا الصانع استطاع من خلال مهارته أن يوفر لمجتمع المنطقة حاجياته من هذه الأواني، غير أن الفخار ورغم أهميته داخل مجتمعه، لم يكن يحظى بتقدير هذا المجتمع إذ كانت العقلية الزراعية تحتقر المتعاطين لمثل هذه الصنائع، فقد كان مثله مثل الحداد “أمزيل” محتقرا نظرا لطبيعة عمله هذا، فالعقلية الزراعية الأمازيغية كانت تحتقر “أقدار” الفخار “…وكان الفخار يقاسم الحداد احتقار العامة، فكان يعيش في شبه عزلة اجتماعية دون أن يحصل من عمله على شيء يغنيه ومحقر يقضي حياته في دق أمنا الأرض”.
ورغم هذا كانت مصنوعات أقدار الفخارية والخزفية، تشكل موردا من الموارد الاقتصادية المهمة بالمنطقة، إذ كانت تسوق إما في القرى المجاورة لدمنات أو بمناطق أخرى خارج دمنات ، فقد كان يسوق مصنوعاته إما ذاتيا عن طريق الطواف بها في القرى المجاورة، إذ كان يبيع الآنية بما يملؤها من الشعير، فكان هناك نوع من التعاقد الضمني بين الفخار والفلاح في تبادل المنتجات، أو عن طريق بيعها للتجار الذين كانوا يسوقونها بسوق دمنات وأسواق قلعة السراغنة وبني عمير، فقد كان تجار السراغنة يأتون بجمالهم وعليها شباك كبيرة يملئونها بالأواني الفخارية والخزفية التي تم اقتناؤها من صناع دمنات، ليعيدوا بيعها في المناطق السهلية ، وبهذا كانت هذه الصناعة خلال هذه الفترة أحد الموارد المهمة بالنسبة للحرفي المزاول لها.
تعد صناعة الفخار والخزف ذات جذور تاريخية عريقة أبانت عن مدى تمكن إنسان المنطقة التكيف والاحتكاك مع مجاله، إذ استطاع هذا الإنسان أن يطوع مجاله مع ما تتطلبه حاجياته، فقد عمل على استغلال ما وفرته الطبيعة في صناعة أواني فخارية وخزفية كان لها دور بارز في حياته، إذ استخدمت هذه الأواني لأغراض شتى كتخزين الحبوب وبعض المواد الغذائية وبعض السوائل، ويعد استمرار هذه الصناعة إلى اليوم مؤشر على عراقتها، فرسوخ الصنائع في المدن العتيقة وثباتها فيها، إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها، واستمرار صناعة الفخار والخزف إلى اليوم دليل قاطع كذلك على كونها قد ظهرت بالمنطقة منذ فترة قديمة، وفي هذا الباب يقول بن خلدون “…والسبب في ذلك ظاهر وهو أن هذه كلها عوائد العمران والأوان والعوائد إنما ترسخ بكثرة التكرار وطول الأمد، فتستحكم صبغة ذلك وترسخ في الأجيال، وإذا استحكمت الصبغة عسر نزعها، ولهذا نجد الأمصار التي استبحرت في الحضارة لما تراجع عمرانها وتناقصه بقيت فيها أثار من هذه الصنائع ليست في غيرها من الأمصار المستحدثة العمران ولو بلغت مبالغها في الوفور والكثرة…” .