مراكش/ومع/ أكد المشاركون في ندوة علمية ، مبمراكش، أن حماية المال العام تعد قضية جوهرية تتصل بتنمية المجتمع وحماية ثرواته من الاستنزاف والعبث والريع الاقتصادي، خاصة وأن الدولة الحديثة اليوم لم تعد تمارس وظيفة حفظ النظام العام فحسب، بل تعدته للمساهمة في النشاط الاقتصادي ومشاركة الأفراد في ممارسة هذا النشاط بأوجه مختلفة ومتعددة.
وأضافوا ، خلال أشغال هذه الندوة المنظمة من قبل محكمة الاستئناف بمراكش والمرصد الدولي للأبحاث الجنائية والحكامة الأمنية ومعهد القانون الخليجي للتدريب الأهلي بالكويت حول موضوع ” حماية المال العام.. مقاربات متعددة”، أن مسألة حماية المال العام بدأت تفرض نفسها بإلحاح، مما دفع مختلف الدول بغض النظر عن أنظمتها السياسية ودساتيرها والقوانين التي ترجع إليها في تدبير وتسيير شؤونها، إلى السعي لضمان هذه الحماية من خلال مقاربات متعددة تزاوج بين المقاربة الوقائية والمقاربة الزجرية.
وشددوا في هذا السياق، على أن السطو على المال العام أو نهبه أو تهريبه يعد خرقا لحقوق الإنسان مما يتطلب وضع آليات متعددة الأبعاد من أجل حماية المال العام من كل هذه السلوكات المشينة، مؤكدين على الدور الهام الذي يضطلع به القضاء في محاربة مختلف أشكال الفساد، إلى جانب المجتمع المدني والإعلام من خلال التوعية والمراقبة والتتبع.
وفي هذا الصدد، أكدت رئيسة المرصد الدولي للأبحاث الجنائية والحكامة الأمنية السيدة السعدية مجيدي، أن المغرب خطا خطوات هامة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس في ترسيخ دولة المؤسسات في سبيل حماية المال العام باعتباره قنطرة العبور لتحقيق التنمية المنشودة وإرساء الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مبرزة أن حماية المال العام هي قضية تهم الجميع.
من جهته، ذكر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش السيد الحبيب أبو زيد بندحمان، بتجربة الأقسام المالية بمحاكم المملكة في مجال حماية المال العام والتصدي للجرائم المالية، مبرزا أن هذه الجرائم أضحت أمر مستفحلا.
وأكد أن التحولات الخطيرة التي يعرفها هذا النوع من الجرائم تقتضي ابتكار حلول ناجعة لمحاصرتها قصد الحد من آثارها الوخيمة مع المزاوجة بين المقاربتين الزجرية والوقائية، منبها إلى أن السياسات والاستراتيجيات المرتبطة بحماية المال العام لا يمكنها أن تحقق المرجو منها ما لم يساهم المواطن في تفعيلها من خلال الإسراع في التبليغ عن المفسدين وفضح ممارساتهم اللاأخلاقية.
أما نقيب هيئة المحامين بمراكش السيد عبد اللطيف احتيتش، فتطرق للحماية الدستورية والمدنية والجنائية للمال العام، مبرزا أن المغرب يتوفر على ترسانة قانونية متقدمة في مجال حماية المال العام وكذا على مؤسسات دستورية تعنى بهذا الشأن.
ولفت الانتباه إلى أن المؤسسات المعنية بحماية المال العام لم تتمكن من التقليص من حدة هذه الظاهرة وهو ما يعكسه ارتفاع عدد الملفات المرتبطة بالجرائم المالية المعروضة على المحاكم المختصة، مشيرا إلى أن الخلل يكمن في “غياب تربية على المواطنة الحقة بهدف تخليق الحياة العامة”.
وبدوره، أبرز مدير معهد القانون الخليجي للتدريب الأهلي بالكويت السيد ناصر بنيان المطيري، عناية التشريعات الوطنية بالمال العام من خلال وضع آليات لحمايته، مشيرا إلى أنه على الرغم من التطورات التي عرفتها التشريعات الزجرية والمدنية الراقية في هذا المجال، فإن حماية المال العام تتطلب اعتماد مقاربات متعددة للوقوف على هذه الظاهرة والحد من استفحالها داخل المجتمعات.
وتشكل هذه الندوة المقامة على مدى يومين بشراكة مع هيئة المحامين بمراكش وجامعة القاضي عياض ومختبر الأبحاث والدراسات السياسية والوكالة القضائية للمملكة والمجلس الجماعي لمراكش والودادية الحسنية للقضاة ونادي قضاة المغرب ، مناسبة لتعميق النقاش حول تنزيل المضامين الدستورية المتعلقة بمحاربة الفساد، وكذا لتبادل الممارسات الناجحة والوقوف على الصعوبات التي تواجه جهود مكافحة هذه الظاهرة.
وتتناول الندوة، التي تعرف مشاركة ثلة من القضاة والمحامين والخبراء والجامعيين، أربعة محاور تهم “مظاهر حماية المال العام من خلال المواثيق الدولية ودستور 2011 “، و”السياسة الجنائية في مجال حماية المال العام “، و”دور القضاء الزجري في حماية المال العام”، و”دور القضاء الإداري في حماية المال العام”، إلى جانب تكريم شخصيات قضائية وأكاديمية بارزة.