كــان غريبــا وهو يقــف كغيــره وعينــاه مشدودتان إلى ما سينبعـث من المنصة من أصــوات .. كــان يحملــق بعينيـه يمينا وشمالا .. وكأنــه سمكـة سلمـون تسبح بأريحية وسط بحيــرات من الهيـام .. راودتــه وقتها عاصفة شــرود كاسحـة جعلتــه يمتطـي صهوة جــواد واقعه ويسافر بعنفوان عبــر براري الزمن ولو الى حيـن .. وهـو ذلك الضابط الصــارم المثقل بالنياشيـن .. القــادم من وسط أكوام الأرقام والأصفـاد المحاضر والشكايات والتقــارير .. حيث لا يعلــو صوت الا صـوت الآهات الكاسحة والرثابـة القاتلـة .. صــورة الضابط التـي تلاشت في غفلـة من الزمـن وتراجعت معها أمواج آهاتــه بـدون رجعـة .. وصــورة الأستـاذ التي ما فتئــت تتكون معالمها الأولـى وكأنها جنين في طـور التشكـل بعد عقـم طويــل .. لم يصـدق وقتهـا مـاذا حدث ؟ وكيف حدث ؟ كيــف استسلم الضابـط الذي حـقق لساعات طوال وحـرر جرائـد لا حد لها من المحاضر والتقاريـر ؟ كيف إنحنـى إجـلالا وإحتراما للأستـاذ ؟ لـم يكن ملزما بالنبــش في الحفريـات بحثا عن جواب قد يــجدي أو قد لا يجـدي .. بعـد أن قضـت أحلامه الكاسحة أيـاما وليالي أمام محــراب التوسل والمناجــاة .. متسلحة بحسام إرادة جارفة آمنـت بإمكانية الإنعتــاق والتحرر من طـوق الأصفـاد .. ملاذه الوحيــد والأوحد .. كان الأستاذ المتدرب ” رامـي” الشقيق الأصغر لصديقه ” شادي” أستاذ الإجتماعيات.. سخرية القدر جمعته برامي في هذا المركز بعد أن جمعهما مركز عروس الشمال “طنجـة” في الإختبـــارات الشفوية .. بل وستجمعهما معا نفس الغرفـة داخل رحاب الداخليـة التي نخرتها فيروسات الرتابة والإكتئـاب .. بين سريريـن متهالكين هاجمتهما الشيخوخة مبكــرا لا يفصل بينهما ســـوى ممر صغيـرلا يتعدى النصف متـر وكأنك في زقاق من زقاقات فـاس البالية ..
وهو في مؤخرة المدرج ووسط زحمة من الأصوات المتناثرة .. إلتقط سليم بعض الكلمات المنبعثة من المنصـة .. في مقدمتها ” البراديغم أو الأنمـوذج عملي نظري عملي”، “الوضعيات المهنية “،”الوضعيات الممهننـة”، ” البورط فوليو” أو “الملف الشخصي .. وهي كلمات لم يسبق له أن سمع بها أو صادفها طوال مساره الدراسي وحتى المهني ..لذلك فقد أحدثت زوبعـة ذهنيـة في فكره .. تعمقـت حدتهـا من خلال بعض العروض المقتضبة التي عرضت عبر “الداتاشاو” والتي تميزت في شموليتهـا بخطـاب عال سيطــر عليه طابــع التنظيــر ، ولم يــراع لا المقام ولا ظرفية الإستقبــال ولا الفوارق ولا النفسيــات .. إلى درجـة أن بعض المتدربيــن دخلوا في مرحلة من الشك والنفور .. وقد وصل إلى علم سليم لاحقا أن بعض الأساتذة المتدربين من الإعدادي إنتابته وقتها فكــرة التراجـع عن التكوين بالمــرة لولا أحد المكونيين الذي هـدأ من روعـه وطلب منـه الصبر والتحمل .. وفي ظل هذا اللقاء الإفتتاحي .. بدا جيــدا وبالملموس غيــاب التنسيــق والإرتجال والعشوائيــة بين صفوف الطاقم الإداري والتربـــوي .. كما سجل تنــافر بين المكونيــن الذين أبــى البعض منهــم إلا أن يفــرض سيطرتـه المطلقة على المبــاراة بشكل جنوني ، فيما البعــض الآخــر كان حضوره شكليـــا ليس إلا … وبين الفينــة والأخرى كان يغادر بعض المكونين المدرج تحت ذريعــة الرد على الهاتــف .. وقد كان ذلك دليلا على عدم الرضى والقبــول بسياسة الأمر الواقـع التي فرضها ” المهاجمون الكبــار” .. نقطة أخــرى تم تسجيلها من لدن عدد من المتدربيــن .. هي أن برنامج أسبـوع الإستقبال خصص له حيز للقيــام بجولات تفقدية وإستطلاعية لمختلــف مرافـق المركز .. لكن تم تجــاوز هذه النقطـــة الأساسية التي كان من شأنها أن تعــرف المتدربين على مرافق المركز الذي سيقضــون فيه موسما من التكوين .. وربمــا أن هذا التجاوز كان له ما يبــرره من الناحية الواقعية.. على إعتبار أن وضعية المركز مزرية للغاية ولا يشتمل على أية مرافق لائقة تستحق أن تكون موضوع زيارة وتفقـد …وحتى المرافق المتواجدة به على قلتها من داخلية وقاعة مطالعة وملاعب رياضية ..تعاني من الإهمال الملفت للنظــر .. وفي ظل هذه العشوائية والرتابــة .. ستتعمق الأزمــة ببــروز مشكل “الوضعيات المهنية ” الــذي أضحى يلوح في الأفــق .. والذي كان من أولى نتائجــه تكسير ما سموه ب “البراديغم أو الأنمــوذج عملي نظري عملي” …لكن مفاجئة “سليم” خلال اليوم الأول على ما يتذكر،كانت تعرفه على الأستاذ المكون ” عماد” الذي درس معه بنفس القسم نهاية تسعينيات القرن الماضي بشعبة التاريخ والجغرافيا برحاب كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط ، تبين له أن “عماد”بعد هذه السنوات، إشتغل كمدرس للتاريخ والجغرافيا في الثانوي التأهيلي ، وتابع دراسته العليا الى أن حصل على شهادة “الدكتوراه” في الجغرافيا ، مما أهله للإلتحاق بالمركز كأستاذ مكون .. هذا اللقاء المفاجئ ، ذكر “سليم” بلقائه السابق بالأستاذة ” منال” التي إلتقى بها صدفة بكلية الحقوق بالمحمدية بعد أن درسته مادة اللغة والتواصل غضون موسم 2012-2013 ، بعدما كانت زميلة له بثانوية الغزالي بتمارة أواسط تسعينيات القرن الماضي ،وكذا كزميلة بكلية الآداب بالرباط بشعبة الأدب الفرنسي .. لقاء “سليم” على التوالي بالأستاذة “منال ” والأستاذ” عماد” ، جعله يدرك بما لا يدع مجالا للشك ، أن الحيـــاة رغم كبرها وصخبها ،فهي تبقى “قرية صغيـرة ” .. كما أدرك وقتها عمق مقولة “الصدفة خير من ألف ميعـاد ” ..لكن قبل هذا وذاك ، أيقـن أن “الدراسة” هي قنطرة حاسمة تفضي إلى الإرتقاء في السلم الإجتماعي …وأن الإنسان كلما درس .. كلما إنفتحت أمامه الأبواب …
*أستاذ السلك الثانوي التأهيلي ، ضابط شرطة قضائية سابقا ، باحث في القانون