أطلس سكوب – عمر طويل
ناقش الأستاذ والزميل كمال أحشوش، أمس الجمعة 08 يناير 2021 مشروع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ والتراث في موضوع ” تدبير المراعي الجماعية بالأطلس الكبير الأوسط بين الاستمرارية والتحول”، وهي الأطروحة الأولى من نوعها التي تهتم بالتاريخ والتراث الجهوي لجهة بني ملال خنيفرة.

وقررت اللجنة العلمية التي تشكلت من السادة،الدكتور محمد العاملي رئيسا، الدكتورة سعاد بلحسين مشرفة ومقررة، الدكتور عبد اللطيف البرينسي عضوا، الدكتور الزبير بوحجار عضوا، الدكتور الحسن بودرقا عضوا، منح الباحث كمال أحشوش شهادة الدكتوراه في التاريخ والتراث الجهوي بميزة مشرف جدا، مع توصية اللجن العلمية بضرورة طبع ونشر هذه الأطروحة لتكون في متناول الباحثين في التاريخ وتاريخ الجهة بصفة خاصة،
وشكل هذا الموضوع نقلة نوعية من التاريخ العام إلى إعادة التفكير في الدرس التاريخي وفي الموضوع التاريخي وفي المقاربة الجديدة لهذه المواضيع، وتناول قضايا راهنة والخروج من حقل التخصص والانفتاح على مقاربات معرفية أخرى.

من جهته أكد الأستاذ أحشوش، أن ثقافة الرعي والمراعي الجماعية تعتبر ظاهرة مرتبطة بالانسان من خلال تنقله وترحاله بين المراعي بشكل ينتظم زمنيا مع رحلتي الصيف والشتاء، ويشكل الرعي نسقا تاريخيا وثقافيا وتراثا غنيا بالدلالات والمعاني والمغازي المادية والرمزية المرتبطة بالمجال وخصوصياته، وطبيعة علاقة الانسان بنمط عيشه وما لذلك من آثار اقتصادية واجتماعية ما يعكس قيمة الموضوع العلمية والأكاديمية، من أجل تفكيك بنيته ودراسة حمولته التاريخية والفكرية وأبعادها الثقافية والمجالية.
وأضاف الدكتور كمال أحشوش، أن البحث في موضوع المراعي الجماعية بالأطلس الكبير الأوسط، استدعته مجموعة من الدواعي والأسباب، وهذه الخصوصية في الترحال بين الصيف والشتاء الموسومة بالاستقرار المرحلي بالمجال تعطي مؤشرا مهما في اختيار الموضوع، مشيرا أن المجال المدروس بحاجة إلى مزيد من الدراسات حول الانسان والمجال الجبلي ومن زوايا ووجهات علمية متنوعة، باعتبار مجال الأطلس الكبير الأوسط خاصة في موضوع الرعي مجالا خصبا للبحث التاريخي والسوسيولوجي والثقافي والانتروبولوجي.
وأبرز الطالب الحتفى به أن القيام بهذه الدراسة يعتبر بمثابة مواصلة البحث في التاريخ والتراث الجهوي لجهة بني ملال خنيفرة، ارتباطا بالأهداف والغايات والتي يتبناها الإطار البيداغوجي لتكوين الدكتوراه في التاريخ والتراث بغية تحقيق مزيد من التراكم والشمولية. مشيرا أن موضوع الدراسة ارتكز حول تدبير المراعي الجماعية لتعميق البحث في بنياته الاقتصادية والاجتماعية، والوقوف عن كيفية تدبير المراعي الجماعية في إطار المشترك القبلي وتناول مختلف مناحي الحياة الرعوية بهذا المجال في ظل الصراعات والتحولات التي عرفتها المراعي الجماعية باعتبارها موردا اقتصاديا يكتسي أولوية لدى ساكنة المجال المدروس.

وتطلبت الضرورة المنهجية الانفتاح على مجموعة من التخصصات في دارسة موضوع المراعي، وذلك في استثمار العناصر التاريخية والاقتصادية والثقافية والجغرافية والانتروبولوجية، بما يسمح بتعدد المقاربات وتكاملها ويساعد على المقاربة العلمية للموضوع، وتستمد الأهمية العلمية لموضوع الدراسة من خلال هذا التقاطع الابيستمولوجي والمنهجي الذي توفره هذه التخصصات، حيث تم الاشتغال على هذا الموضوع في عموم مجال الأطلس الكبير الأوسط في مجالاته المختلفة (أيت عباس، أيت بواولي، أيت بوكماز، أيت امحمد، زاوية أحنصال، أنركي، وأيت مازيغ) نظرا لتجانس مميزاتها الطبيعية وخصائصها الاجتماعية المشتركة.
وبخصوص راهنية إشكالية البحث المدروس، تبنى الباحث إشكالية جهوية كالتالي: كيف يمكن كتابة تاريخ البنيات الاجتماعية والاقتصادية للأطلس الكبير الأوسط من خلال رصد الثابت والمتحول في طرق تدبير المراعي الجماعية وأشكال استغلال المجالات الرعوية عبر فترات تاريخية مختلفة في ظل التحولات التي عرفتها هذه المجالات؟؟. مشيرا في ذات السياق أن هذا السؤال يستدعي تتبع مختلف المحطات التي مرت منها البنيات الاجتماعية والاقتصادية لهذا المجال، ولتحليل إشكالية الدراسة يمكن صياغتها الأسئلة الجزئية التالية: كيف تم تدبير المراعي الجماعي بالأطلس الكبير الأوسط عبر فترات مختلفة؟؟ ما هي طبيعة التحولات التي عرفتها المراعي الجماعية والحياة الرعوية بالأطلس الكبير الأوسط؟؟ ما هو الثابت والمتحول في طرق تدبير المراعي الجماعية بهذا المجال؟؟ كيف شكلت المراعي الجماعي بنية تراثية تنتظم من خلال مجموعة من الأنساق المعرفية؟؟ وكيف شكل موضوع المراعي الجماعية موردا اقتصاديا له امتدادات سوسيو ثقافية؟؟.
واعتمد الباحث في موضوع بحثه ا على منهجية مركبة، تزاوج بين المقاربة التاريخية والمقاربة السوسيولوجية والمقاربة الأنتروبولوجية، ومحاولة التوفيق بينها، بغية تتبع مسار تدبير المراعي الجماعية وتحولاتها المختلفة، وتم التركيز في موضوع الدراسة على فترة ما قبيل الحماية وما بعدها نظرا لما عرفته هذه التفرة من صراعات بين الأنظمة التقليدية والأنظمة الجديدة.
وتم تقسيم موضوع البحث إلى فصول، حيث ركز الفصل الأول حول المعطيات الطبيعية والبشرية للأطلس الكبير الأوسط، ومقاربة هذه المعطيات التي يزخر بها مجال الدراسة مع المراعي، أما الفصل الثاني فخصص للتنظيم الاجتماعي واستغلال المجال وفيه تم التعريف بالتنظيمات الاجتماعية للمجال وكيف قسمت هذه البنى المجال من خلال الأنشطة التي تزاولها، أما الفصل الثالث فخصص للتعريف بالمراعي الجماعية وموقعها وخصائصها والقبائل التي تنتجع داخلها وأوقات فتحها وإغلاقها في وجه الرحل، أما الفصل الرابع فقد رصد أشكال وآليات التنظيم الرعوي داخل الأطلس الكبير الأوسط عبر ثلاث مراحل تاريخية مختلفة، أما فيما يخص الفصل الخامس رصد حياة الرحل وتنقلاتهم داخل المراعي الجماعية مع رصد العديد من جوانب الحياة الرعوية المتعلق بتربية الماشية، وخصص الفصل السادس والأخير للحديث عن التحولات التي عرفتها الموارد الطبيعية بالمجال المدروس وتأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للرحل داخل مراعي الأطلس الكبير الأوسط، وتقديم كذلك مقترحات إدراج المراعي الجماعية بتراثها وإرثها التاريخي في المشاريع التنموية التي تعرفها الجهة عامة، لتثمينه والحد من الهجرة والصراعات القبلية.
وخلص الباحث في موضوع إلى مجموعة من النتائج، يمكن إجمالها في أن المقومات الطبيعية التي يتوفر عليها الأطلس الكبير الأوسط مكنته من احتضان مراع متنوعة، ويشكل كذلك نقطة جذب للرحل من داخل المجال وخارجه، مؤكدا أن تطبيق أية صيغة تنموية تستهدف الرحل في الوقت الراهن بما في ذلك تجربة التعاونيات الرعوية يقتضي تظافر جهود العديد من الفاعلين قصد إنجاحها، والبحث عن صيغة لأقلمتها مع حياة الرحل على أساس الاستفادة من التحفيزات المختلفة التي تقدمها الدولة، وستكمن هذه التعاونيات في حالة إنشائها من ضمان شبكة تسويق المنتجات الرعوية بشكل أفضل وأكثر تثمينا من طرق البيع التقليدية وكذا تشجيعهم على خلق أنشطة موازية مدرة للدخل وللتربية الحيوانية والتي يمكن لأفراد هذه التعاونيات الاستفادة منها خاصة ما يتعلق بالصناعات التقليدية النسوية.