أمسية علمية بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بأزيلال تقارب إشكالية المجالات الجبلية والبحث العلمي: أزيلال نموذجا.
محمد خويا
وعيا منه بأهمية الانفتاح على المحيط السوسيوثقافي والمساهمة في القوة الاقتراحية وتشجيع المبادرات الشبابية المؤطرة في إطار العمل الجمعوي الجاد، واحتفاء باليوم العالمي للمرأة واليوم الوطني للمجتمع المدني، نظم فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بأزيلال بتنسيق مع المركز الثقافي لأزيلال وجمعية المحدة للتنمية المحلية بالجماعة الترابية واولى وجمعية الجيل الصاعد أزيلال، بالجماعة الترابية تامدا نومرصيد، يوم السبت 12 مارس 2022 على الساعة الثالثة بعد الزوال، أمسية علمية تحت عنوان: المجالات الجبلية والبحث العلمي: أزيلال نموذجا.
وعرفت هذه الأمسية الدراسية مشاركة باحثين شباب ومحامين وطلبة وفاعلين جمعويين بإقليم أزيلال، بمداخلات علمية متعددة المقاربات لإشكالية البحث العلمي في المجالات الهامشية أزيلال كنموذج.

افتتحت أشغال هذه الأمسية العلمية، بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، وبعدها مباشرة تناول السيد سليمان تفرنت نائب رئيس جمعية المحدة للتنمية المحلية كلمة باسم اللجنة المنظمة، تطرق فيها إلى مجموعة من المبادئ والمسؤوليات الجسام المنوطة بالمجتمع المدني في إقليم أزيلال، ذو التنوع الثقافي والبشري والطبيعي الغني، هذه المسؤوليات التي تستوجب عمل جمعوي جاد مسئول وواع بأهمية هذا الثروة، مجتمع مدني مفكر مبدع مبتكر للحلول التي تتوخى الاستعمال المعقلن لهذه الثروة. كما أشار في كلمته إلى الدوافع العلمية الموضوعية التي كانت وراء تنظيم هذه الأمسية الفكرية في موضوع المجالات الجبلية والبحث العلمي أزيلال كنموذج.
من جهته، وفي كلمة له تطرق السيد زكرياء البروز، المكلف بالمكتب المحلي للمقاومة وجيش التحرير بأزيلال، لأهمية هذه الأيام الدراسة والأمسيات العلمية في تقارب الرؤى حول القضايا التي تشغل الشباب، كما عرج على أهمية المجتمع المدني كقوة ضاغطة في الفعل السياسي وقوة اقتراحية في قضايا التنمية وقوة توجيهية كذلك في المجال التربوي. وقد اختتم كلمته بالتطرق إلى المجهودات المبذولة من طرف فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير في ترسيخ قيم الوطنية الايجابية لدى الناشئة والأجيال الصاعدة والتشبع بروح المبادرة والمساهمة في تحقيق التنمية المحلية.
وفي كلمة له بالمناسبة، تطرق السيد حسن الحبشي، مدير المركز الثقافي لأزيلال، لأهمية البحث العلمي في المجالات الجبلية، كما شدد على ضرورة ربط البحث العلمي بهموم الواقع المعاش ودمج الثقافة المحلية في التخصصات العلمية التي تدرس بالجامعات والمعاهد المغربية.

بعد هذه الكلمات، انطلقت أشغال الجلسة العلمية، بافتتاحها بمداخلة علمية مشتركة للأستاذين المحاميين بأزيلال (هيئة بني ملال) السيد عبد الصمد أحربيل والسيد محمد اليحيوي تحت عنوان: الوضعية القانونية للفتاة الجبلية وإكراهات البحث العلمي. وقد خاض الأستاذ اليحوي في المحور الأول من هذه المداخلة، في مختلف المواثيق الدولية والنصوص القانونية، التي تجمع كلها على وجوب وإلزامية التعليم والمساواة فيه بين الجنسين، لكن في مقابل ذلك حسب الأستاذ المتدخل، فإن هذه المواثيق والنصوص القانونية عند إخضاعها لنتائج الواقع، أو مقابلة بعضها بالبعض (خاصة بين النص الدستوري والقوانين المنظمة لبعض القطاعات في المغرب) فإن هناك اختلالات وتناقضات في هذه النصوص وهوة كبيرة بين النص والتطبيق. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، مبدأ إلزامية التعليم ووجوبه، الذي لا يفعل بالشكل المطلوب في الواقع، لا من حيث المساواة في فرص التعليم والتكوين، ولا من حيث تنفيذ العقوبات المترتبة عن الحرمان من التعليم (الإلزامية مفروغة من العقوبة). وفي المحور الثاني المكمل لهذه المداخلة المشتركة، تطرق الأستاذ عبد الصمد أحربيل، إلى الوضعية القانونية للفتاة الجبلية، موضحا في البداية إلى أنه يجب التمييز بين الفتاة القروية في المناطق المنبسطة والفتاة القروية في المناطق الجبلية التي تعاني ضعف ما تعانيه الفتاة القروية في المناطق السهلية. بعد ذلك تطرق إلى مختلف الصعوبات القانونية التي تواجه الفتاة الجبلية، منها أساسا حق التعليم الذي يتصادم مع بنية سوسيوثقافية صعبة، تحول دون تحقيق هذا الحق ذلك، وعلى سبيل المثال مشكل زواج القاصرات في هذه المناطق الذي يساهم بشكل كبير في ازدياد حجم الهدر المدرسي في صفوف الفتيات وما يترتب عنه من مشاكل قانونية واجتماعية أيضا. كما أن الهدر المدرسي في صفوف الفتيات في الجبل ينتعش بين تناقض بعض النصوص القانونية (منع الفتاة المتزوجة من مواصلة الدراسة في السلك الإعدادي و الثانوي مثلا ) والثقافة المجتمعية الموروثة.
أما المداخلة الثانية التي تقدم بها الأستاذ الباحث عبد الكريم ايت بلال تحت عنوان : التنمية في مجال أزيلال بين الخصوصية المجالية والبحث العلمي، فقد جاءت بمقاربة جغرافية اجتماعية تنموية لعطب التنمية بالجبل، خاصة مجال أزيلال، الذي خلص الباحث بعد عملية تشخيص لمؤهلاته ومشاكله، إلى أنه مجال غني من حيث الموارد لكنه فقير من حيث التنمية، وهذا ما يستدعي جهودا مضاعفة لحل هذه الإشكالية –المعضلة، جهود تجمع بين البحث العلمي الجاد المنبثق من التشخيص المحلي لا من مكاتب دراسات تستورد النماذج الجاهزة وتلبسها غصبا لمجالات لا تشبهها في شيء.
وفي مداخلة زاوجت بين الفلسفة والسوسيولوجيا في مقاربة موضوع ” الجامعة وإشكالية التنمية”، تطرق أستاذ مادة الفلسفة بثانوية المسيرة التاهيلية بأزيلال، السيد رشيد أباعوش إلى أزمة النظام التربوي بالمغرب بصفة عامة وأزمة البحث العلمي بصفة خاصة، كما أشار إلى أن هذه الأزمة هي أزمة بنيوية، ومن أهم إشكالاتها العويصة غياب براديغمات علمية تشخص واقع الثقافة المغربية ومختلف التحولات السوسيوثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي ومنه الجبلي بصفة خاصة. متسائلا عن أية تنمية نتحدث عنها دون فهم الإنسان وثقافة الوسط الذي يعيش فيه، وكيف يمكن لعقل تم إغراقه في أزمات مختلفة الأبعاد أن يساهم في تقدم البحث العلمي؟

واختتمت المداخلات العلمية بمداخلة حول: “المجتمع المدني والجامعة، أية آفاق للتعاون والتشارك؟” للأستاذ الحسين ايتلعريف، أستاذ التعليم الابتدائي وكاتب عام جمعية إغيل للتنمية والتربية والثقافة، مشيرا إلى عدة مشاكل تخص علاقة المجتمع المدني والبحث العلمي وكذا بعض المشاكل التي تعاني منها الجامعة المغربية، منها أساسا: محدودية الجمعيات المتخصصة في البحث العلمي وغياب تواصل بين الجامعة ومحيطها، ضف إلى ذلك مشكل أمية الكثير من رؤساء ومسيري مكاتب الجمعيات المحلية خاصة بالجبل، ومحدودية مستواهم الدراسي وبالتالي صعوبة استيعاب هذه الجمعيات لنتائج البحث العلمي الجامعي. ضف إلى كل هذا غياب توازن بين الجامعة وسوق الشغل فالإضافة إلى تخريج أفواج من المعطلين الذين لا تلاءم شواهدهم متطلبات سوق الشغل، فهناك عشوائية حتى في التوظيف، حيث يقع أحياننا كثيرة أن يشتغل الخريج في قطاع بعيد عن تخصصه.
وبعد هذه المداخلات المتعددة المقاربات لإشكالية المجالات الجبلية والبحث العلمي، فتح نقاش مثمر وجاد حول هذه الاشكالية وتفاعل الحضور المكون من فاعلين جمعويين وأساتذة وطلبة… مع محاور الجلسة العلمية وتم الخروج بمجموعة من التوصيات والمقترحات كان أهمها:

– ضرورة مواصلة عقد ندوات وأيام دراسة حول هذا الموضوع مع تخصيص كل يوم دراسي لمشكل من إشكاليات البحث العلمي والتنمية المحلية على حدة وتوسيع شبكة الشركاء والفاعلين خاصة الفاعل السياسي الذي يسجل غيابه في كثير من هذه المناسبات.
– اقتراح تأسيس جمعية متخصصة في البحث العلمي بالمجالات الجبلية، تضم مختلف الباحثين بالإقليم من مختلف التخصصات العلمية، وتنفتح على كل الشركاء والساكنة المحلية والمؤسسات التعليمية بالدرجة الأولى، لأجل بناء مشتل للباحثين في المستقبل. وإسهامها في توجيه التلاميذ والشباب وتحديد ميولاتهم العلمية.
– إعادة النظر في توجه جمعيات المجتمع المدني بالإقليم، وحثها على القيام بدور التوعية والتحسيس والتوجيه والمواكبة كشريك حقيقي للمؤسسات المختصة في البحث العلمي والتعليم بصفة عامة، عوض التوجه بشكل مكثف إلى توزيع الإعانات مع الانتباه إلى نشر ثقافة الاتكالية في أوساط الساكنة دون قصد.
– ضرورة اعتماد الحكامة المحلية في مشاريع التنمية وعدم الركون كليا إلى نماذج جاهزة ومستوردة وتنزيلها على واقع لا يشبهها في كثير من الأشياء.