دمنات ـ محمد أغراس
دوار ايت عنيناس الذي يقبع في أعالي جبال أيت مديوال جماعة ايت تمليل، مثال حي لرواية الكاتب الكبير غابريال غارسيا ماركيز «مائة عام من العزلة»،
رواية إنسانية بطابع اجتماعي ترصد حقبة من أخطر الحقبات التي مر منها الإنسان المعاصر، أستحضر روح الرواية من خلال معاناة ساكنة ايت عنيناس مع الفقر، والإقصاء، والتهميش، وإصرارهم على التشبث بالمجال بقدر العزلة والمعاناة، ورغبتهم في التمرد ضد مسببات العزلة والإقصاء، التي تنتج الألم وتوزع الفقر، على حد تعبير ابن خلدون في مقدمته.
قادتني الأقدار والأرزاق إلى دوار ايت عنيناس، هذه المنطقة التي تعيش في فقرها وأميتها وجهلها وعزلتها، ككثير من المناطق المهمشة في مغربهم العميق، تبادرت إلى ذهني أسئلة تساءل أصحاب القرار: هل يعيش سكان هذا الدوار في عزلة ذاتية فعلا، أم أن الطبيعة هي التي لم ترحمهم؟ ألا تحتاج هذه المنطقة المعزولة وباقي المناطق المهمشة في المغرب العميق، إلى تنمية سياسية وثقافية بالموازاة مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ أسئلة عديدة تتزاحم في مخيلتي بين كل مساء وصباح لا جواب…
أهل الدوار لا يعولون على برامج حكومية، ولا يعرفون الأحزاب السياسية، وعددها، بل يؤمنون أن السماء هي من تجود عليهم بالخير والبركات، أما الباقي فهو وهم من الأوهام “العاطي الله”
عزلة وغربة في المجال
لتصل دوار ايت عنيناس جماعة أيت تمليل تلزمك ثلاث ساعات، كلها منعرجات صعبة أقل ما يمكن القول عنها إنها مميتة. تتكون الجماعة من حوالي 15 منطقة، أغلبها يعيش الإقصاء والتهميش، ولا يمكن الوصول إليه إلا بعد رحلة الشتاء والصيف.

لا وجود هنا لنقل عمومي، فالنقل المزدوج هو القادر على مجابهة منعرجات أيت مديوال وهم على رؤوس الأصابع، تقدم خدمة النقل بالتوافق، إن أخلفت موعدها في الخامسة صباحا فلا تقبل منك الشكاية.
يعمل سكان الدوار بالزراعة المعيشية البسيطة، يربون بعض الماشية والدواجن، ويبقى الجوز والماشية مكسبهم الوحيد.
معاناة الجبل
معاناة الجبال، وأهلها، يلزمها وقت لتشفى. هي مفتوحة في كل وقت وحين، ساكنة قاومت الاستعمار، إلا أنها لم تستفد شيئا من رياح الاستقلال.
تعد منطقة أزيلال، في جبال الأطلس الكبير، من بين المناطق التي تُطوقها الثلوج، ويخنقها الصّقيع، ويحبس البرد أنفاسها، مع كل موسم البرد.
يعاني السكان،موسم كل برد، من العزلة التامة عن العالم الخارجي. وبين عزلة الجبال وسكونها المخيف، وبين الثلوج التي تطوقهم من كل الجهات، يعيش الأهالي عالَمهم الخاص، وأنينهم الصامت، وسكونهم الذي تحتضنه جبال أيت مديوال بملء فجاجها، وقممها، وتجاويفها الفسيحة.
ويؤدي سقوط الثلوج بكثافة وانخفاض درجات الحرارة إلى انقطاع تلاميذ المنطقة عن الدراسة بشكل كلي، وهو أمر يتكرر كل سنة ويحدث أيضا عندما تشهد المنطقة أمطارا غزيرة تتحول أحيانا إلى فيضانات.
حلم مستوصف
مدن ومراكز تطالب بتوفير الأطر الطبية والتجهيزات الضرورية لمعالجة المرضى والحالات الحرجة وتقديم الإسعافات الأولية، بينما ساكنة ايت عنيناس، ايت تيزي،ايت مخلوف، مجبرين على قطع مسافة ثلاث ساعات في السيارة الإسعاف إن وجدت أصلا للوصول لأقرب مركز صحي لهم الموجود في مدينة دمنات.
عندما تكون إحدى الأسر مضطرة إلى نقل أحد مرضاها، وخاصةً النساء الحوامل، يكون الأمر عاجلاً، فيُحمل الشخص إلى أقرب مكان تتوفر فيها سيارة الإسعاف، لإيصاله إلى مستشفى دمنات إن وجدت السيارة أصلا، حيث إن أغلب النساء مجبرات على الولادة في المنزل رغم خطورتها.. يخاطرون بحياتهن وحياة أطفالهن لا لشيء إلا الاستسلام لواقع وظروف الإقصاء والتهميش.
وتعد المصحة أو مستشفى دمنات بدوره ما هو إلا محطة عبور في بعض الأحيان، حيث يُجبرن على توجيه المريض إلى المستشفى الإقليمي في أزيلال، ولا يصل المريض في هذه الأحوال، كما في الأيام العادية، إلى المستشفى، حتى تتدهور حالته…