(أجرت الحوار سمية العرقوبي)
في ظل تأثير التغيرات المناخية، بات استحضار القضايا البيئية رهانا استراتيجيا للمؤسسات العمومية والخاصة، مما يجعل الحاجة إلى الافتحاص البيئي- أمرا ملحا.
يقدم إدريس بوستة، الخبير الدولي في الافتحاص البيئي، تعريفا للإفتحاص البيئي وشرحا للغرض منه مبرزا مواطن الاختلاف مع دراسات التأثير على البيئة.
ويقف السيد بوستة، وهو أيضا قاض بالمجلس الأعلى للحسابات، عند أهمية خلق منصب المفوض المكلف بالإفتحاص البيئي والتنمية المستدامة بالمجلس الأعلى للحسابات وبالاتحاد الإفريقي.
1. ما هو الإفتحاص البيئي ؟ وما الفرق بينه وبين دراسات التأثير على البيئة ؟
الافتحاص البيئي أو التحليل البيئي هو تقييم للسياسات المتبعة في هيئة معينة لصالح الحفاظ على البيئة.
وتعتبر اللائحة الأوروبية رقم EEC N ° 1836/93 الافتحاص البيئي بمثابة “تقييم دوري ومنهجي وموثق وموضوعي للتنظيم ونظم تدبير وأداء المعدات الموضوعة لضمان حماية البيئة”.
من وجهة نظرنا، إذا كان التقييم حالة ذهنية، فإن الافتحاص البيئي المستقل هو فن يمكن من تحسيس المؤسسات موضوع الافتحاص وصناع القرار والمسيرين العموميين بشأن الآثار البيئية للسياسات والبرامج والمشاريع العمومية. كما يضمن التطابق ، ليس فقط مع القوانين واللوائح التنظيمية والمعايير الدولية، ولكن أيضا مع سياسات المؤسسة العمومية المعنية ومع متطلبات نظام التدبير البيئي.
ويمكن أيضا من تحديد استخدام أكثر عقلانية للموارد الطبيعية، من خلال مقارنة التكاليف البيئية مع المزايا الاقتصادية والاجتماعية وتوقع المشاكل والمخاطر البيئية مع الآثار الضارة على البيئة و/أو الصحة، والتي من المحتمل أن تكون مصحوبة بعواقب اقتصادية واجتماعية وبيئية.
كما يستخدم الافتحاص البيئي لتحليل وتحديد الأسباب العميقة للمشاكل البيئية وتحديد العواقب الممكنة في حالة عدم إيجاد حلول لها.
ويمكن الافتحاص البيئي المستقل المؤسسة من التأكد مما إذا كانت تحترم الممارسات الجيدة لصالح البيئة، من خلال تقليل التكاليف المرتبطة بإهدار الموارد الطبيعية، ومما إذا كانت تمتثل للقوانين البيئية الوطنية والمعايير الدولية.
وفيما يتعلق بدراسة التأثير على البيئة، فإنه تطور يقوم، في بداية التوقع، بتقييم مخاطر الآثار البيئية الناشئة عن مشروع معين. ويحدد تقييم التأثير على البيئة التدابير التي يمكن اتخاذها لمواجهة الآثار البيئية السلبية أو تقليلها إلى مستويات مقبولة.
وتمكن دراسة التأثير على البيئة من تنوير كل من صاحب المشروع والإدارة بشأن تداعيات المشروع على المستوى البيئي والصحي في مجال ترابي معين ، فضلا عن إخطار وضمان إشراك الجمهور.
2. لماذا الإفتحاص البيئي ضروري؟
في نظري ، يجب أن يكون الافتحاص البيئي المستقل ممارسة اعتيادية للهيئات العليا للرقابة، ومن شأنه أن يساعد على جعل الحكومات مسؤولة عن احترام الاتفاقيات الدولية في المجال البيئي وكذلك القوانين واللوائح التنظيمية الوطنية. وفي هذا الإطار ، من المهم أن تدرج الهيئات العليا للرقابة، القضايا البيئية في إجراءات الافتحاص الخاصة بها، مع توحيد الأفكار والأساليب المبتكرة، من أجل تحسين الجوانب البيئية لمختلف المجالات الخاضعة للافتحاص واقتراح التوصيات.
ويتعلق الأمر بتسليط الضوء على دور افتحاص الجوانب البيئية كأداة للشفافية، من أجل حماية مصالح دافعي الضرائب، الذين أضحوا أكثر إلحاحا إزاء كل المؤسسات التي تمس بالبيئة . ويرون أيضا أن إعلانات حكوماتهم في مجال البيئة والتنمية المستدامة ينبغي أن تكون موضوع إفتحاص بيئي مستقل من أجل تقييم ما إذا كانت الأهداف المعلنة قد تحققت .
3. ماذا عن الإفتحاص البيئي في المغرب؟ وما هي المؤسسات التي تضطلع بهذه المهمة؟
بحسب المادة الأولى من القانون رقم 49.17 المتعلق بالتقييم البيئي ، فإن التقييم البيئي هو “دراسة تقوم على إدماج الجوانب البيئية والاجتماعية لمشروع أو مخطط أو برنامج أو سياسة عمومية لتقييم آثارها المتوقعة ويسمح بتحليل وتعليل الاختيارات المقبولة. ويتضمن التقييم البيئي الاستراتيجي ودراسة التأثير على البيئة وبطاقة التأثير على البيئة والافتحاص البيئي”.
أما الإفتحاص البيئي ، فهو “دراسة تمكن من تقييم التأثيرات المباشرة وغير المباشرة، المؤقتة أو الدائمة لوحدات صناعية أو أنشطة موجودة قبل نشر هذا القانون بالجريدة الرسمية وتندرج ضمن لائحة المشاريع الخاضعة لدراسة التأثير على البيئة، وذلك من أجل تحديد التدابير الواجب اتخاذها لمطابقتها مع القوانين والمعايير البيئية الجاري بها العمل”.
وعليه ، فإن التقييم البيئي هو أداة لأخذ البيئة في عين الاعتبار، إما قبل الترخيص للمشروع أو في إطار إعداد برنامج أو مخطط. ويتعلق الأمر بعملية تشمل المراحل الرئيسية التالية: إجراء دراسة تأثير المشروع، وأخذ رأي السلطة البيئية والجمهور، والتحقق من هذه العناصر من قبل السلطة التي يرجع لها الاختصاص في منح ترخيص للمشروع أو الخطة أو البرنامج.
وفيما يتعلق بالافتحاص البيئي، فإنه يسمح للوحدة الصناعية بمعرفة ما إذا كانت تحترم الممارسات الجيدة الخاصة بالحفاظ على البيئة أو ما إذا كانت متماثلة للتشريعات الجاري بها العمل.
وبحسب المادة ال 17 من القانون المذكور فإنه ، “يجب على أصحاب الوحدات الصناعية وباقي الأنشطة القائمة قبل نشر هذا القانون بالجريدة الرسمية والتي تخضع بموجبه لدراسة التأثير على البيئة، ولا يتوفرون على قرار الموافقة البيئية، أن يقوموا بإجراء افتحاص بيئي لوحداتهم وأنشطتهم داخل أجل يحدد بنص تنظيمي”.
ويتم إنجاز الإفتحاص البيئي من طرف مكتب دراسات معتمد طبقا للشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي.
وتسند هذه المادة مهمة الافتحاص البيئي إلى مكتب دراسات من القطاع الخاص. وهنا يطرح التساؤل عما إذا كان يمكن تكليف مكتب دراسات بمهمة تتعلق بالتأثير البيئي لمواقع صناعية ومواقع أخرى وتصدر انبعاثات بقوة من أجل حماية البيئة. في رأينا، هذا غير واضح ، حيث أن هذا النوع من التشخيص يدخل في صميم سياسة التنمية المستدامة للدولة، والتي يجب أن تخضع لها العديد من الوحدات .
إن إنجاز هذا النوع من الدراسة من قبل مكتب للدراسات لا يتيح إعطاء صورة عن وحدة خاصة ذات جاذبية ومسؤولة بيئيا، منخرطة في قضايا الساعة ، لا سيما الأمن الشامل وصحة الإنسان والبيئة التي تعتبر حقا دستوريا.
في الواقع، فإن الحق في بيئة صحية هو حق أساسي منصوص عليه في دستور 2011. فبحسب المادة 31، تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من هذا الحق. كما أنه بموجب المادة 35 من الدستور، فإن الدولة تضمن الحفاظ على الثروات الطبيعية الوطنية، وعلى حقوق الأجيال القادمة. وإضافة إلى ذلك، تنص المادة 19 من الدستور، على أنه يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات (…) البيئية”.
ويتعلق الأمر هنا بمسألة الأمن الإنساني والبيئي. وفي هذا الإطار، لا ينبغي إهمال المخاطر ذات الصلة بتلوث التربة، والمياه، وسوء تدبير النفايات، على سبيل المثال.
من وجهة نظرنا، فإن الافتحاص البيئي شأن من اختصاص الدولة، ويجب أن يتم إنجازه من طرف مؤسسة عمومية خاضعة لمراقبة مؤسسة عليا للمراقبة. وهذا النوع من المراقبة البيئية يسمى (الافتحاص البيئي المستقل).
ويهدف هذا الأمر إلى الحد من تأثير الأنشطة شديدة الانبعاثات الملوثة، المرتبطة بإنتاج الخدمات والمنتوجات. كما أنه يجب إجراء الافتحاص البيئي من طرف إدارة، وهو ما يمكن من ضمان الجودة البيئية وسلامة الخدمات، وكذا المزيد من المنتجات الصديقة للبيئة.
4. في أطروحتكم للدكتوراه، تطرقتم إلى مكانة الافتحاص البيئي في المحكمة الأوروبية لمراجعي الحسابات. هل يمكن الحديث عن نفس التجربة في الاتحاد الإفريقي؟
تهدف مساهمتي إلى أن تكون إضافة في مسار البناء الذي انطلق بالفعل لبلورة أسس الافتحاص في المجال البيئي داخل المحكمة الأوروبية لمراجعي الحسابات، والتي ستكون متسقة مع الاستراتيجية الأوروبية لسنة 2030 ، والمتمثل هدفها الرئيسي في التوفيق بين التنمية الاقتصادية، وحماية البيئة والتماسك الاجتماعي للأجيال الحالية والمقبلة. هذه المقاربة الجديدة ستتيح إمكانية تعزيز البعد البيئي في المهام التقليدية لأداء المحكمة الأوروبية لمراجعي الحسابات التي تقوم على (الاقتصاد، والكفاءة، والنجاعة). لذا فإن البعد البيئي يحفز على اقتراح إحداث منصب مفوض للبيئة والتنمية المستدامة داخل المحكمة الأوروبية لمراجعي الحسابات.
من هذا المنطلق، يمكن الاستلهام من هذه المساهمة من أجل المؤسسات العليا للمراقبة التابعة للاتحاد الإفريقي. إذ سيكون لها في هذا الإطار دور محوري تضطلع به. وستمكن هذه الرؤية الجديدة من الإسهام في تعزيز إدماج القضايا البيئية -البعد البيئي- في مهام المحاكم الإفريقية للحسابات، المرتكزة على “المجالات الثلاث” (الاقتصاد والكفاءة، والنجاعة)، حيث ستتجه نحو بلورة أساليب وتقنيات الافتحاص البيئي من أجل تحسين نجاعة التدبير المستدام للموارد في بلدانها.
ويتمثل الهدف من هذه الرؤية في تزويد صانعي القرار الأفارقة بتحليلات حول نقاط القوة والضعف في جهود حكومات بلدانهم لحماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة، بالإضافة إلى توصيات موضوعية ومستقلة لتقويتها. وبطبيعة الحال، فإن التقارير التي يتم إنتاجها ست وجه إلى المؤسسات الإفريقية المختصة لاستخلاص النتائج.
5. هل يمكن الحديث مستقبلا عن إحداث منصب مفوض للبيئة والتنمية المستدامة بالمغرب وكذا بالاتحاد الإفريقي؟
من شأن إحداث منصب مفوض مكلف بالافتحاص البيئي والتنمية المستدامة بالمجلس الأعلى للحسابات للمملكة المغربية أن يساهم في إرساء قواعد الحكامة الجيدة في ما يتعلق بالبيئة والتنمية المستدامة. وسيتيح ذلك تزويد الحكومة بتحليلات واقتراحات مستقلة حول الجهود المبذولة من طرف الوزارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية وغيرها، من أجل حماية البيئة والنهوض بالتنمية المستدامة.
ويمكن أن يشكل هذا المنصب أيضا أداة لتقييم التكاليف المرتبطة بتدهور البيئة، إذ سيأخذ مكانه على مستوى منظومة الحكامة للمجلس الأعلى للحسابات بالمغرب كفاعل جديد يضمن ربط مهام هذه المؤسسة بتقنيات الافتحاص البيئي. وسيساهم هذا النمط الجديد من المراقبة البيئية في توسيع قاعدة المعارف حول الجوانب الاقتصادية للتدهور البيئي والوعي بها من أجل تعبئة الموارد، والدفاع عن البيئة وتثمينها. وتعد إفريقيا القارة الأكثر هشاشة إزاء تأثيرات تغير المناخ، مما يطرح تحديات كبيرة على الحكومات. وتعزى هذه الهشاشة أساسا إلى ضعف قدرة القارة على التكيف، وليس إلى موقعها الجغرافي.
ومن بين التهديدات التي تلقي بثقلها اليوم على بيئة البلدان الإفريقية، يجب اعتبار البعض منها كأولوية. وهو الحال بالنسبة للفلاحة بشكل خاص، باعتبارها القطاع الحيوي بالنسبة للقارة الذي يعاني من وطأة التقلبات المرتبطة بالاحتباس الحراري، وتآكل السواحل، وتأثير ارتفاع درجات الحرارة على زيادة البعوض الحامل للملاريا، والإجهاد المائي، وتلوث المياه، وكذا الضرر الذي يلحق بالتنوع الحيواني والنباتي، إلى غير ذلك. من جهة أخرى هناك تهديدات بيئية في أربعة مجالات رئيسية هي: الطاقة، والمجال الحضري، والمجال القروي، والماء.
وفي نهاية المطاف، يمكن أن تصبح البيئة عقبة أمام التنمية الاقتصادية، ومأزقا حقيقيا للقارة الإفريقية.
إن هذه الانشغالات البيئية المختلفة تجبرنا على التفكير في المستقبل بطريقة مبتكرة من خلال تغيير مسار السياسات العمومية الواجب وضعها بشكل مستعجل. فهذه الوضعية الحرجة أثارت اهتماما كبيرا بالافتحاص البيئي المستقل، والهادف إلى تحديد وتحليل الأسباب العميقة للمشاكل البيئية.
إن هدفنا يتمحور حول طموحين:
الطموح الأول كان هو بناء مجموعة من الأسئلة حول دمج الاعتبارات البيئية في أعمال المجلس الأعلى للحسابات بالمملكة المغربية. ويروم هذا الهدف التفكير في إحداث منصب مفوض للبيئة والتنمية المستدامة داخل المجلس.
فمن خلال إحداث هذا المنصب، سيكون المغرب ثاني بلد في العالم يتوفر على هذه المؤسسة بعد كندا، التي أنشأت مكتب المدقق العام في دجنبر 1995.
ويتعلق الطموح الثاني، بالتفكير في إحداث منصب مفوض للبيئة والتنمية المستدامة بالاتحاد الإفريقي، والذي أضحى ضروريا اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذ سيمكن هذا المنصب الجديد من دراسة فعالية وكفاءة السياسات العمومية بدول الاتحاد الإفريقي في ما يتعلق بالبيئة، وذلك لكون الماء، والهواء، والتلوث، والتغير المناخي، والفلاحة، والصحة، والتعرية، والطاقة تعد قضايا عابرة للحدود.
ويمكن للمغرب أن يكون بلدا رائدا على المستوى القاري من خلال المساهمة في إحداث منصب مفوض للبيئة والتنمية المستدامة بالاتحاد الإفريقي، إذ يمكن لهذا المنصب الجديد أن يشكل فاعلا جديدا لتقييم التكاليف المرتبطة بتدهور المكونات الرئيسية لبيئة الاتحاد الإفريقي. وفي هذا الإطار، يمكن لهذا التقييم تقدير الخسائر الناجمة عن التدهور البيئي على المستويات الثلاث: الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية. وفي هذا الصدد، فإن عمق هذه الرؤية سيشكل مساهمة مهمة، من خلال إدخال الافتحاص البيئي في المهام الجديدة للمحاكم الإفريقية للحسابات.
فالمغرب يتوفر على الوسائل ليكون رائدا في هذا الإطار، إذ يحتل مكانة رئيسية بين الدول الرائدة في مجال مكافحة التغيرات المناخية وخلق الظروف المواتية للتنمية المستدامة. كما يمكنه أن يكون رائدا في هذا المجال الجديد للافتحاص البيئي. وقد بدأ بالفعل مسلسل وضع استراتيجية وطنية للتكيف مع تغير المناخ بأهداف حاسمة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. كما يعتبر المغرب مرجعا في القارة الإفريقية من خلال نموذجه التنموي القادر على الصمود.
وفي هذا السياق، يتعلق الأمر بالتساؤل عن مدى جدوى إحداث منصب مفوض إفريقي للبيئة والتنمية المستدامة، والذي سيضمن خطوط الربط بين مهام المؤسسات الإفريقية العليا للمراقبة، وتقنيات الافتحاص البيئي. وفي هذا الصدد، يعد إحداث منصب مفوض للبيئة والتنمية المستدامة داخل المحاكم الإفريقية للحسابات أمرا ضروريا، إذ سيسمح بإقامة تعاون بين هذه المؤسسات ومفوض البيئة والتنمية المستدامة بالإتحاد الإفريقي والذي من شأنه إرساء ثقافة مشتركة للافتحاص البيئي من خلال وضع مبادئ توجيهية للافتحاص البيئي في أعمال هذه المؤسسة الإفريقية الجديدة، فضلا عن القيام بمهام الافتحاص البيئي المشترك لتعزيز تأثير التقارير التي يتم إعدادها، عبر تقديم توصيات واقتراحات مشتركة.
وتجدر الإشارة إلى أن استمرار سوء تدبير الموارد الطبيعية سيؤثر سلبا على جودة الحياة، والاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل، فضلا عن التنمية الاقتصادية. وتعد الحلول الواجب اعتمادها في مواجهة هذه المخاطر إجراءات تقنية في المقام الأول . ويتعلق الأمر من جهة، بتطوير الوسائل التي تسمح بتناغم السياسات العمومية في ما يتعلق بالأهداف البيئية وكذا التنمية المستدامة، ومن ناحية أخرى، بتطوير تقنيات الافتحاص الملائمة للقضايا المعقدة مثل الجفاف والفيضانات، وتلوث المياه والتربة، وحرائق الغابات، وفقدان التنوع البيولوجي وغيرها.
وفي هذا الإطار، سيكون للمؤسسات العليا للمراقبة في البلدان الإفريقية دور رئيسي تضطلع به، إذ أنها تواجه تحديات مرتبطة ببلورة أساليب وتقنيات للافتحاص البيئي من أجل تحسين فعالية التدبير المستدام للموارد.
وستمكن هذه الرؤية الجديدة من المساهمة في تعزيز إدماج القضايا البيئية، في المهام التقليدية لافتحاص الأداء بالمجالس الإفريقية للحسابات، المرتكزة على (الاقتصاد، والكفاءة، والفعالية).
لذا، فإن هذا البعد المرتبط بالقضايا البيئية يحفز على اقتراح إحداث منصب المفوض الإفريقي للبيئة والتنمية المستدامة. ويتمثل الهدف من المنصب الجديد في تزويد صانعي القرار الأفارقة بتحليلات لنقاط القوة والضعف في جهود حكومات بلدانهم لحماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة، فضلا عن تقديم توصيات موضوعية ومستقلة لتقويتها. وبطبيعة الحال، فإن التقارير الم عدة سيتم توجيهها للمؤسسات الإفريقية المختصة لاستخلاص جميع النتائج. إن عمق هذه الرؤية سيشكل مساهمة مهمة لإفريقيا من خلال إدخال الافتحاص البيئي في المهام الجديدة للمحاكم الإفريقية للحسابات. ولم لا إتاحة الفرصة لأن يتم بالمغرب، البلد الرائد في المجال، إنشاء مركز لتكوين متخصصين في الافتحاص في مجال البيئة والتنمية المستدامة لمجمل المؤسسات العليا للمراقبة بالبلدان الإفريقية؟ وسيمكن هذا المركز، من بين أمور أخرى، من تعزيز وتكوين المتخصصين في الافتحاص من بلدان الاتحاد الإفريقي في هذا المجال الجديد.
وبذلك، ستصبح المملكة المغربية ثاني دولة على مستوى العالم، بعد الهند، يتم بها إنشاء مركز إفريقي للافتحاص البيئي والتنمية المستدامة لتكوين المتخصصين في الافتحاص للمحاكم الإفريقية للحسابات.
و م ع