صباحا ، استيقظ ” المهدي ” من النوم ، فرك عينيه بحفنة ماء باردة ، ثم خرج من باب منزله متجها صوب المقهى ، أو ” المنزل الثاني لغالبية الرجال” حسب قوله . رافقناه رغبة منا تسجيل تفاصيل هذه الشهادة الحية ، وصلنا للمقهى فجلس المهدي بطاولة بالواجهة الأمامية للمقهى ، التي التهمت جزءا من رصيف شارع بن خلدون المار بمحاذاة كلية الآداب بني ملال.وارتأينا أن نجاوره ، فجاءت النادلة ؛ فتاة في مقتبل العمر شاحبة الوجه جراء سهر متكرر . سألتني عن طلبي فقلت لها :” براد أتاي بالعشوب ” بينما لم تسأل المهدي ، أخرج هذا الأخير أدواة رواد المقهى ( هاتف أندويد ، و علبة سجائر مارل بورو ، ونظارة شمسية سوداء ، وحزمة من المفاتيح ) و طلب من بائع الجرائد _ إن لم نقل مكتريها – صحيفة تفرس في سحنتيها هنيهة ثم لفها ونادى على أخرى . أحضرت له النادلة قهوة (نص نص طويلة ) و حلوة صغيرة ، وكوب ماء.
فطور بنكهة القهوة و الأجساد و الروائح
الساعة تشير إلى الثامنة إلا خمس دقائق ، بدأت أفواج الطلبة و الطالبات تحج إلى رحاب كلية الآداب و معهد التكوين المهني …، فبدأ ” المهدي ” بمعية الرواد الآخرين يفتتحون نهارهم ب” تمليح” أعينهم بمنظر أجساد الطالبات وسحناتهن التي تطلب تجهيزها ساعتين أو أكثر أمام المرآة أو ما يعرف بمصلحة الصيانة ، فبدا المهدي كأنه يشاهد مباراة كرة المضرب في ملعب “رولان كروس ” يدير وجهه درجة بين يمين و شمال ، متبعا خطوات طالبة قادمة و أخرى ذاهبة . حاولنا الدخول إلى عالمه ، بسؤالنا إياه عن جمال هؤلاء الطالبات ، فأجابنا بلهفة :” الجو جميل وزاد جمالا بهذا الخير المار أمامنا ” ، ثم سألناه عن الخدمات و التعامل المقدم من لدن العاملين بالمقهى ، فصرح لنا أن التعامل لابأس به و الخدمات قليلة ، لكنه يفضل موقع هذه المقهى رغم كل شيء ، لأنه شاب عاطل عن العمل ، ذو مستوى جامعي ، يعيش على إعانات والده . يقضي نهاره بالمقهى من الساعة السابعة و النصف إلى السابعة مساء ، و يغادرها للغداء فقط . تركنا المهدي يتمتع بمنظر الأجساد المزركشة و الروائح الزكية السالبة للألباب .
سر الجلوس على قارعة الطريق
سألنا “نزهة ” 29 سنة نادلة ، عن سر تفضيل أغلبية الزبائن الجلوس بالواجهة الأمامية للمقهى ، فأجابت :” أن هذه الشرفة تمثل مسرحا مفتوحا على حد البصر ،يلعب على خشبتها ممثلين بأشكال مختلفة ومتنوعة ، بمعنى آخر مكان ” التبركيك و التحنزيز ” و أضافت ” هناك من يهرب من دخان السجائر بالدخل ، وهذا قليل جدا ” وأسرت لنا أن الأغلبية يتخدون من المقهى مكانا للتفاخر و رسم البرستيج أمام المارة . حقا لا تنخدعوا بمن يجلس في المقاهي واضعا هاتفا فاخرا ، و نظارة شمسية باهرة ، وعلبة سجائر غالية ، وصحف مكتراة ب 50 سنتيم ، منظر خادع جدا وراءه أناس غارقون في الديون ، أو معقدون نفسيا يبحثون عن نظرة تطفئ لهيب الكبث الجنسي ، أو فارا من نباح الزوجة ، وعضات الزمن القهار.
مقاهي السندباد الملالي
الساعة تشير إلى الرابعة زوالا ، نحن الآن في شارع الجيش الملكي ، قرب المحطة الطرقية ، حيث يصطف جيش من الكراسي التي تكاد تطأ الشارع . هناك زبائن من نوع آخر يجدون لذتهم في التفرس في الأجساد المغشوشة بالمساحيق و الدهون و الروائح ، يجلسون لساعات ينتظرون المسافرات القادمات و الذاهبات لعلهم يقتنصون نظرات حلوة أو يضفرون بتائهة أو عابرة سبيل ” تقطع بها الحبل”
الجالسون في هذه المقاهي كأنها خشب مسندة تجتر الأيام و الساعات و التواني في القيل والقال.والتحرش اللفظي بالمارة وهتك أعراض الناس والغيبة والنميمة بالمقهى الوسطى قصد ملاحظة ما يجري يمينا وشمالا ،فما رأينا سوى سلوكات حيوانية وتحرشات بديئة ولم نسمع سوى كلاما ساقطا وهمزا ولمزا ، وضحكا صاخبا منحطا .
عدنا آخر النهار لمقهى شارع بن خلدون لنجد ” المهدي” جالسا على المقعد نفسه ، كأنه مقعد محوز للأبد ، يجلس رفقة صديق له يتفرسان في موسيقى المؤخرات و المقدمات الزاهية و سمفونية المشي بالأحذية العالية ، ألقينا عليهما التحية ، وسألناه :” كيف مر اليوم ؟ ” فأجاب : ” كيف ديما الشّوف ما يبرد الجوف و الناكة ما ترضع الخروف…
عادل الحدان (صحافي متدرب بأسبوعية المسائية الجهوية)