تألمت كثيرا وبحسرة كبيرة ، وأنا أشاهد كغيري فيديو تصريحات الفنان محمد مهيول الكوميدي المحبوب ابن مدينة الزهور الذي نشره موقع المحمدية لايف والمرفوع على اليوتيوب ، ميديا لايف تحت اسم : الفنان محمد مهيول : التهميش من قبل المسؤولين دفعني الى التفكير في الانتحارلا يسعني هنا بادئ ذي بدء إلا أن أقدم باقة حب وشكر وعرفان لهذا الممثل الفكاهي الفريد المزداد سنة 1959 بالمحمدية ، وفيها نشأ وترعرع وكون نفسه بنفسه منذ صغره على إضحاك الناس وإدخال السرور والبهجة إلى قلوبهم من خلال اختلاطه بعامتهم في الأسواق ، والتحاقه بذوي الخبرة في المجال بمعية رفيقه ونده الفنان الفكاهي بوشعيب السفاج المحبوب أيضا ،حتى اشتهرا بلقب الثنائي السفاج ومهيول منذ أكثر من ثلاثة عقود جمعتني به يوما حافلة قديمة متهالكة ذات المحرك الأمامي والرابطة بين الجديدة والدارالبيضاء منذ سنوات ، وجلس قرب السائق الذي كان منتشيا بهذه الفرصة الفريدة في الحديث معه ، وكان كل الركاب تقريبا في لحظة انتشاء مما تسرقه مسامعهم من قفشات مهيول المضحكة المسلية حتى وصل بنا السير إلى مدينة الدارالبيضاء ، وانتهزت الفرصة على الفور لأعبر له عن مدى إعجابي بطريقته الممتعة في فن التسلية والترفيه عن الناس ، وناولني رقم هاتفه من أجل حديث صحفي آنذاك ثم امتطى سيارة أجرة للذهاب إلى مدينته
من منا لا يتذكر الأشرطة السمعية للثنائي الفكاهي السفاج ومهيول ، والتي كانت تضحك الصغير والكبير وتكاد تذهب بالعقل من سحر تلقائية كلماتها وعفوية أدائها ، وأحيانا بارتجالية مجنونة دون تصنع أو محاولة للإضحاك كالذي نشهده اليوم في بعض ما يعرض على قنواتنا التلفزية بكل أسف ، في عملية استغباء محبوكة ، متقنة ومستفزة لذكاء المشاهد المغربي واستحمارا لعموم المغاربة ، وكأنهم يريدون إخراج الضحكة الهيستيرية من ثغور أحزانهم بأية طريقة ورغما عنهم ترضية للمستشهرين و منتجي البرامج الكوميدية التلفزية دون مراعاة لهيئة وطنية مختصة تراقب المشهد السمعي البصري ، ومجتمع مدني يلاحظ ويدون ويحتج ، وحس مجتمعي قد يتبلد مع مرور الوقت ، وأطفال لا ذنب لهم وهم يشاهدون هذه التفاهات التى وصفها مهيول “بالزبل” الحاملة معها لرسائل قد تفسد تربيتهم و تقوض ما بذل من مجهود للرقي بمستوى الحوار والحديث عندهم ، والأمثلة صارخة في هذا الباب ، ولا يحتاج النهار إلى دليل ومما أذكره من جملة ما شاهدت وسمعت من اسكيتشات مسجلة على الأشرطة والأقراص المدمجة السمعية والبصرية والأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية لمهيول والسفاج ، تلك التي تتحدث عن مشكل الطبقية والزبونية والمحسوبية في بعض مؤسسات التعليم آنذاك ، وتمنيت لو وقعت مرة أخرى على نسخة من هذا الشريط ، وقد جاءت في قالب هزلي جد مثير بصيغة”الناجحون والساقطون” و ما لقب عندهما ب سي الناعوسي وسي الكاسولين ، حيث نودي على الناجحين بعدما تلقوا أسهل أسئلة في العالم ، على شكل باك صاحبى نوفل ، ديما لكاضوات منية ، العزيزة على الأستاذ فدوى ، ماخلات ماعطات إلهام والرقيوقة منال، في حين برزت أسماء الساقطين لما تلقوا أسئلة تعجيزية خارقة على نحو المقلق كروم ، بوركابي قدور، غليظ الراس كبور، ماعندو ما يعطي عبدالسلام ني بالا فؤاد ، مسخوط مو العربي ، هذا إذا لم تخني الذاكرة في الأسماء المختارة ، فقد مر عليها زمن طويل
تحدث مهيول بصراحة وصدقوحرقة تكاد تقوده إلى المواجهة مع المستفيدين من القطاع ، عن وضعه المزري اليوم ، مشيرا إلى من هم في نفس الوضع من الفكاهيين والممثلين ، ولا يتحدثون عن حالهم ، ولا أريد أن أركز هنا عما كشفت عنه تصريحاته المؤلمة ، فيمكن إعادة مشاهدتها على الموقع أو على اليوتيوب ، لكن ما ينبغي الخوض فيه مرات ومرات هو استحواذ ممثلين ومنتجين ومنشطي برامج ومغنين وأمثالهم من الجنسين على حصة الأسد في المسلسلات والأفلام والبرامج والوصلات الإشهارية ، ومنهم من ليس في حاجة ماسة إلى المزيد من غدق العيش والشهرة وحب الظهور ، بل تكفيه القناعة كخير زاد ، ليترك الفرصة أمام آخرين لا يملكون مسكنا ودخلا يحفظ لهم كرامتهم في المجتمع
لم يتحدث مهيول من فراغ وهو واحد من أبناء القطاع ، بل وضع هذا الأخير كان بالفعل موبوءا وفاسدا، وربما هو سائر نحو الإصلاح في بعض مرافقه ، لكن إلى متى ؟ فكيف يعقل اليوم مثلا أن تكرر مشاهد من كعكة الوصلات الإشهارية الكاذبة وغير الواقعية في العقار وفي منتوجات موضوعة للاستهلاك الدائم غير المؤقت على الصائمين والصائمات وهم على مائدة الإفطار ، أبطالها نجوم ونجمات يملكون قدرا كبيرا من حب الجمهور لهم ، فيحرقون كل هذه الأوراق الغالية في حياتهم مقابل عقد تجاري مع شركات لا يهمها سوى الربح المضاعف ولا تخضع لشروط المستهلك الحقيقية ، ولا حاجة لتسمية الأشياء بمسمياتها ، فكلنا نعلم من يمر ومن تمر على شاشاتنا وقت الإفطار ، ولفائدة من قد سخروا لهذه المهمة ، كان الله في عونهم إن هم فعلوا ذلك لأمور غيبية لا نعلمها أو حاجات إنسانية حرجة ، وماذا لو فتحوا نوافذ أخرى في علاقاتهم بشركات الإنتاج والإشهار، يستفيد منها إخوانهم وأخواتهم في القطاع ممن قلت حيلتهم في كسب العيش
عبدالفتاح المنطري