أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

العنف المدرسي تحت المجهر التربوي والسوسيولوجي والفلسفي في ندوة فكرية عميقة بثانوية المسيرة بأزيلال(ربورتاج)

أزيلال ـ أطلس سكوب

في مساء تربوي مفعم بالحوار والقلق المشروع عن مستقبل المدرسة المغربية، التأمت ثانوية المسيرة التأهيلية بأزيلال حول ندوة فكرية/تربوية موسومة بعنوان: “العنف المدرسي: جذوره، تاريخه الاجتماعي وأبعاده الفلسفية”، وذلك بتاريخ 25 أبريل 2025، بحضور نخبة من الأساتذة والتلاميذ والآباء، الذين اجتمعوا في يوم دراسي، تُغذيه غيرة صادقة وإرادة واضحة لاجتثاث ظاهرة العنف التي باتت تنخر جسد المدرسة من المحيط والداخل.

الندوة وفق ميسر فقراتها الأستاذ الجليل رشيد أبعوش، لم تكن مجرد تمرين نظري أو حدث مناسبتي، بل جاءت كمرافعة جماعية صادقة، عبرت فيها المداخلات، بتعدد مشاربها، عن حجم القلق الذي ينتاب جميع مكونات المنظومة التربوية، وعن ضرورة إعادة التفكير في المدرسة، لا فقط كفضاء تعليمي، بل كمنظومة قيمية وإنسانية ينبغي ترميمها من الداخل.

من التحليل السوسيولوجي إلى الجرح التربوي المفتوح

في مداخلته العميقة، سلط الأستاذ رشيد أيت حمو الضوء على الطابع البنيوي لظاهرة العنف المدرسي، مركزًا على العنف الموجه نحو المدرسين. من خلال عدسة سوسيولوجية دقيقة، كشف كيف تحولت المدرسة من فضاء للقيم والتنشئة إلى ساحة للتوتر والصراع، في ظل انهيار بعض الدعائم الاجتماعية التقليدية التي كانت تضمن الاحترام والانضباط. ذ أيت حمو أشار إلى أن تفشي الظاهرة لا يمكن رده إلى عامل واحد، بل هو نتيجة لتشابك عوامل أسرية، مجتمعية، تربوية، وثقافية. وبهذا المعنى، فإن الحلول الجزئية والموسمية، كما أكد، لن تكون سوى مسكنات مؤقتة لمرض عميق.

المدرسة مرآة لمجتمع مأزوم: قراءة سيكولوجية وتحليل مجتمعي

الدكتور أشرف العسري تناول الظاهرة بمنهج تحليلي شامل، لافتًا إلى أن العنف المدرسي هو انعكاس لأزمة إنسانية أوسع، تُسائل عُمق الاستقرار النفسي للفرد المعاصر.

في تحليله، ربط الأستاذ الباحث أشرف العسري بين العنف وسنّ المراهقة، حيث يغدو التلميذ ضحية لاختلالات أسرية واجتماعية، فيغدو العنف أحيانًا لغة للبوح أو وسيلة لانتزاع الاعتراف بالوجود. وشدد على أن الإصلاح يبدأ من المدرسة، بتوفير ورشات تربوية، وتحقيق العدالة الشعورية، وإشراك المتعلم كفاعل وليس كموضوع للعقاب أو التأديب.

“حنين الماضي ومرآة الحاضر: الأستاذة أرحو تسائل التحول القيمي”

من زاوية أنثروبولوجية بامتياز، قادت الأستاذة حليمة أرحو الحضور في رحلة عبر الزمن، قارنت فيها بين زمنٍ كان فيه العقاب الجسدي مقبولًا اجتماعياً، وزمنٍ جديد أُلبس فيه العنف ثوبًا حقوقيًا. غير أنها تساءلت، بمرارة واضحة: هل اختفاء العنف الجسدي صاحبه فعلاً اختفاء للعنف؟ أم أنه فقط تغيّر في شكله، وتفاقم في مضمونه؟ شددت على أهمية تعزيز ثقافة الحوار داخل المدرسة، والارتقاء بالحياة المدرسية، لتغدو مؤسسة حية تستجيب لحاجات التلاميذ النفسية والاجتماعية، لا فقط مجالاً لنقل المعارف.

العنف كمرآة للنفس: مقاربة نفسية متعددة المدارس

ببراعة تحليلية، تناول الأستاذ ياسين الدعغي الظاهرة من زاوية نفسية، عارضًا كيف تفسرها أربع مدارس كبرى: من التحليلية التي تربطها بالكبت وغرائز الموت، إلى السلوكية التي تعتبره سلوكًا مكتسبًا، فالإنسانية التي ترى فيه نتيجة للحرمان، وأخيرًا المعرفية التي ترجعها إلى الأفكار المشوهة. الدعغي أكد أن فهم العنف لا يمكن أن يكون اختزالياً، بل يتطلب دمج كل هذه المقاربات في مشروع تربوي يستوعب تعقيد النفس البشرية.

فلسفة العنف وسؤال الإنسانية

المداخلة الفلسفية التي قدمتها الأستاذة حفيظة فرحان شكلت ذروة الندوة، بل يمكن اعتبارها الصرخة الفكرية الأكثر عمقًا في مساءات التربية الجريحة. من قصة قابيل وهابيل إلى فلسفات هوبز وكانط وموران، استعرضت الأستاذة كيف رافق العنف مسيرة الإنسان، لكن الفلسفة كانت دومًا ضده، باعتبارها بحثًا عن العدالة والسلم. وطرحت سؤالًا يليق بسياق الأزمة: ماذا لو حكم العالم الفلاسفة؟ لتخلص إلى أن المدرسة التي تُدرّس الفلسفة يجب أن تكون أول من يحمي المتعلم من السقوط في العنف، لأن الفلسفة تعلم الإصغاء، والتفكير النقدي، والاعتراف بالآخر.

“نقاشات ساخنة… وروح مسؤولية بتوقيع تلميذات وتلاميذ ثانوية المسيرة بأزيلال”

ما ميّز الندوة، إلى جانب عمق المداخلات وخصوبتها، هو التفاعل الكبير للتلميذات والتلاميذ، الذين أبانوا عن وعي لافت، وعن رغبة صادقة في أن تعود المدرسة إلى سابق عهدها: حضنًا دافئًا للعلم، لا ساحة للمواجهة. النقاشات، وإن اتسمت أحيانًا بالحدة، عبّرت عن وعي متصاعد داخل الأجيال الجديدة، لا يريد فقط فهم العنف، بل تجاوزه.

حين يُطرح السؤال التربوي من عمق الجرح

ندوة العنف المدرسي بثانوية المسيرة بأزيلال لم تكن فقط لحظة معرفية، بل كانت محطة تأمل جماعي في مصير المدرسة المغربية. إنها صرخة من قلب رحاب ثانوية المسيرة التأهيلية، دعوة إلى إعادة بناء المعنى داخل المؤسسة التعليمية، عبر تضافر جهود الجميع: أساتذة، أسر، مجتمع مدني، وتلاميذ. لأن المدرسة، في النهاية، ليست فقط جدرانًا وصفوفًا، بل هي الوطن حين يحلم.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد