نبيل اليحياوي
في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، لا تزال المناطق الجبلية ترزح تحت وطأة التهميش والإقصاء المجالي، وهو ما دفع الائتلاف المدني من أجل الجبل إلى رفع مذكرة مفتوحة إلى رئيس الحكومة، بتاريخ 31 يوليوز 2025 من مدينة بولمان، تُطالب بإطلاق ورش وطني استعجالي يُعيد الاعتبار لهذه الفضاءات المهمّشة، ويُترجم التوجيهات الملكية الأخيرة إلى سياسات واقعية.
المذكرة، التي جاءت تفاعلاً مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 26 لعيد العرش، وقفت عند الفجوة التنموية التي تفصل بين المناطق الجبلية وباقي ربوع المملكة. “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، هكذا قال الملك محمد السادس بوضوح، وهي إشارة اعتبرها الائتلاف نداءً سياسيًا ينبغي التقاطه بجدية لإحداث “نقلة حقيقية” في التعاطي مع المجال الجبلي، عبر رؤية جديدة تقوم على الإنصاف المجالي والعدالة الاجتماعية.
ولم يكتف الائتلاف بتوصيف الواقع، بل أسس مطالبه على أرقام صادرة عن مؤسسات رسمية:
أكثر من 14% من سكان الجبل يعيشون تحت خط الفقر متعدد الأبعاد، مقابل 6.8% فقط على المستوى الوطني.
ما يزيد عن 35% من السكان يعانون من صعوبات في الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية.
المناطق الجبلية تعرف نسب أمية مقلقة تتجاوز 47%، ونسبًا مرتفعة للهدر المدرسي.
التفاوت الصارخ في توزيع المستشفيات والتجهيزات الطبية، حيث تُتركز 97% من البنيات الصحية و98% من المعدات في المدن الكبرى، لا يترك للساكنة الجبلية سوى خيارين: الصبر أو الرحيل.
هذا التهميش البنيوي، بحسب الائتلاف، يزكي ظاهرة الهجرة القسرية، ويُعمّق عزلة الشباب ويُغلق أمامهم أبواب الأمل. البنيات التحتية، خاصة الطرقية والرقمية، لا تزال هشة ومحدودة، بينما تستمر الدولة في اعتماد مقاربات تجزيئية تفتقر للجرأة السياسية وللإرادة الحقيقية في فك العزلة عن هذه المناطق.
ولم تكن كارثة زلزال الحوز، التي هزت المغرب العام الماضي، إلا تذكيرًا موجعًا بضرورة بناء مقاربة شاملة لإنصاف الجبل. فكما قالت المذكرة، الكوارث قد تكون مدخلاً لإعادة البناء، لكنها تكشف أيضًا عن هشاشة سابقة، وعن افتقار للمقاربة الاستباقية.
ما الذي يقترحه الائتلاف؟
بوضوح، دعا إلى:
إصدار قانون إطار خاص بالمناطق الجبلية يُلزم كافة القطاعات بالتفاعل الإيجابي والفعلي مع خصوصيات الجبل.
إحداث هيئة وطنية عليا لتنمية المجالات الجبلية، تُشرف عليها رئاسة الحكومة، وتضطلع بمهمة التنسيق والتعبئة.
تنظيم مناظرة وطنية حول العدالة المجالية وتنمية الجبل قبل نهاية سنة 2025، تكون منصة لتأسيس ميثاق تنموي جديد يُراعي الواقع الميداني.
وفي ختام المذكرة، شدد الائتلاف على أن إنصاف الجبل لم يعد ترفًا سياسيًا ولا مطلبًا محليًا، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان وحدة البلاد وتماسك نسيجها الاجتماعي، كما أن تنزيل الرؤية الملكية في هذا الشأن يتطلب أكثر من الشعارات: يحتاج إلى قانون مؤطر، إرادة سياسية واضحة، وخطة تنفيذية تقطع مع منطق التجميل المؤقت.