الذكاء الاصطناعي والفن.. ثلاث أسئلة لصلاح باينة، أستاذ باحث بالمدرسة الوطنية العليا للمعلوميات وتحليل النظم
أجرت الحوار: مريم الرقيوق
في هذا الحوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، يسلط صلاح باينة، الأستاذ الباحث بالمدرسة الوطنية العليا للمعلوميات وتحليل النظم والمختص في الذكاء الاصطناعي، الضوء على مكانة الذكاء الاصطناعي في المشهد الثقافي المغربي، كما يستعرض التحديات التنظيمية، المالية والتكنولوجية التي يتعين رفعها من أجل تطوير ذكاء اصطناعي سيادي يحافظ على أصالة التراث المغربي.
1- الذكاء الاصطناعي ، كأداة للإبداع الفني، يعرف اليوم تطورا متسارعا عبر العالم. هل الساحة الفنية والثقافية في المغرب مستعدة لاحتضان هذه التكنولوجيا الثورية؟
الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه تدريجيا كأداة جديدة للإبداع عبر العالم بأسره، والمغرب بدوره بدأ يستكشف إمكانياته في مجالي الفنون والثقافة، إذ أن الساحة الفنية في المغرب تنفتح بحذر على الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال مشاريع تجريبية ترى النور في عدة مجالات (الفنون البصرية، الأدب، الموسيقى، السينما)، وغالبا تحظى بدعم من مؤسسات ثقافية وشراكات دولية.
رغم كل ذلك، يبقى عدد المبدعين المغاربة المتخصصين في الذكاء الاصطناعي محدودا في الوقت الراهن. لكن الحماس الذي أثارته هذه التجارب الأولى، ودعم السلطات (الوزارة، المؤسسات، المعاهد)، كلها مؤشرات على أن المغرب يعلن استعداده لاحتضان هذه التكنولوجيا.
ويظهر الجيل الشاب من الفنانين فضولا متزايدا تجاه هذه الأدوات – من خلال التكوين مثلا في مجال “هندسة التلقين” (prompt engineering)، وهي مهارة ناشئة تقوم على معرفة كيفية التفاعل مع النماذج التوليدية. وإذا كان المغرب لا يزال في مرحلة استكشافية، فإن البنية التحتية الثقافية واهتمام الجمهور يوحيان بأنه سيكون قادرا، مع توفير الموارد المناسبة، على إدماج الذكاء الاصطناعي في الإبداع الفني مع إبراز هويته الخاصة.
2- ما هي المتطلبات الأساسية لوضع أسس ذكاء اصطناعي وطني، سيادي ويتلائم مع خصوصيات المشهد الثقافي المغربي؟
يمكن تحديد خمسة ركائز لبناء ذكاء اصطناعي ثقافي، وطني وسيادي. أولا، لابد من تعزيز التمويل والاستثمار من خلال دعم البحث العلمي، وإحداث المقاولات الناشئة، والمشاريع الثقافية المبتكرة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. ثانيا، ينبغي تكوين كل من المهندسين في الذكاء الاصطناعي والفنانين/المبدعين القادرين على استخدام هذه التكنولوجيات. وهذا يستلزم إدماج الذكاء الاصطناعي في البرامج التعليمية (مدارس الفنون، الجامعات، مراكز التكوين) وكذا تكثيف الورشات، والإقامات الفنية، والدورات المتخصصة.
ثالثا، يتطلب الذكاء الاصطناعي بنية تحتية تكنولوجية قوية (حوسبة عالية الأداء، والولوج إلى الخدمات السحابية، وقواعد بيانات) ينبغي أن تكون متاحة محليا. وقد أحرز المغرب تقدما في مجال الاتصالات وافتتح مراكز بيانات، إلا أن هناك حاجة لمزيد من التحسينات من أجل بلوغ مستوى الأقطاب التكنولوجية الكبرى.
رابعا، ثمة حاجة إلى تأطير قانوني وأخلاقي واضح. فالمغرب، لا يتوفر إلى اليوم على قانون خاص بالذكاء الاصطناعي، مما يخلق فراغا قانونيا. ومن الضروري تحيين النصوص القانونية ووضع معايير خاصة بالذكاء الاصطناعي.
وأخيرا، فإن بناء ذكاء اصطناعي ثقافي يعني أساسا إنشاء قواعد بيانات وطنية سيادية غنية بالمحتويات المغربية (نصوص، وصور، وتسجيلات سمعية من التراث) بالعربية الفصحى، والدارجة المغربية، والأمازيغية.
فمن خلال امتلاك هذه الأداة وتوجيهها نحو مراجعها الخاصة، سيتمكن المغرب من بناء ذكاء اصطناعي سيادي ومميز حقا، بدل الاكتفاء باستيراد نماذج أجنبية.
3 – ما هي التحديات التي يطرحها تطوير الذكاء الاصطناعي الفني في مجال حماية الملكية الفكرية؟
يطرح توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي تحديات قانونية كبيرة في مجال حقوق المؤلف والملكية الفكرية. إذ تصبح المفاهيم التقليدية مثل “المؤلف”، و”العمل الأصلي”، و”الخرق” غامضة عندما تكون العملية الإبداعية مؤتمتة جزئيا أو كليا. وينتج عن ذلك العديد من المناطق الرمادية قانونيا: هل يعد تدريب الذكاء الاصطناعي على بيانات محمية شكلا من أشكال القرصنة أم استخداما عادلا؟ وهل يمكن حماية صورة أو موسيقى ولدت من الذكاء الاصطناعي من دون تدخل مباشر للإنسان؟ وكيف يمكن تقاسم القيمة عندما يستلهم الذكاء الاصطناعي من آلاف الأعمال الموجود مسبقا؟ حتى الآن، لا التشريع المغربي ولا الاجتهادات القضائية الدولية قدمت جوابا حاسما.
وقد آن الآوان لإذكاء وعي الفنانين باستخدام هذه التكنولوجيا والعمل مع لا ضد الذكاء الاصطناعي. وبعبارة آخرى، إيجاد أرضية مشتركة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإبداع، لا تهديدا له. ويقتضي مسار تحقيق التوازن في التنظيم أن يحتفظ المبدعون بالتحكم في فنهم ونصيب عادل من القيمة، بينما يحظى مطورو الذكاء الاصطناعي بقواعد واضحة للابتكار من دون سلب حقوق الغير.
والمغرب، باعتباره نموذجا في مجال حماية الملكية الفكرية على الصعيد الإفريقي، سيكون معنيا بتحديث ترسانته القانونية لمواجهة هذا التحدي غير المسبوق. وستكون الأشهر والسنوات المقبلة حاسمة لصياغة هذه التوازنات الجديدة التي تتيح للذكاء الاصطناعي وحقوق المؤلف أن يتعايشا بما يخدم الثقافة.
ومع