العنف الرقمي تحت مجهر القضاء المغربي: اجتماع بالمحكمة الابتدائية بأزيلال يناقش سبل حماية النساء والأطفال
أطلس سكوب ـ أزيلال
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وما أفرزته من أنماط جديدة من الاعتداء على الأفراد، عقدت اللجنة المحلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، بالمحكمة الابتدائية لأزيلال، اجتماعها الدوري الرابع، خُصص لمناقشة ظاهرة العنف الرقمي وانعكاساتها القانونية والاجتماعية والنفسية، وذلك يوم الثلاثاء 23 دجنبر الجاري.
الاجتماع، الذي احتضنته المحكمة الابتدائية، ترأسته الأستاذة شيماء أقصبي، نائبة وكيل الملك ورئيسة الخلية، بحضور الأستاذ رياض حمزة نائب وكيل الملك، إلى جانب ممثلي القطاعات الأمنية والتربوية وأعضاء الخلية المحلية.
العنف ينتقل من الواقع إلى الفضاء الافتراضي
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت الأستاذة شيماء أقصبي أن اختيار موضوع العنف الرقمي جاء استجابة لراهنيته وخطورته المتزايدة، مشيرة إلى أن هذا الشكل المستحدث من العنف بات يشكل تهديدا مباشرا للحياة الخاصة والكرامة الإنسانية، خصوصا في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصال.
وأوضحت أن المغرب، رغم إقراره سنة 2018 للقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، ما يزال يواجه تناميا مقلقا للظاهرة، التي لم تعد تقتصر على الاعتداء الجسدي أو اللفظي، بل انتقلت إلى الفضاء الافتراضي عبر التشهير، الابتزاز، نشر المعطيات الخاصة، والتركيب الرقمي للمحتويات.
واستحضرت في هذا السياق نتائج البحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط، والدراسة التحليلية لجمعية “التحدي للمساواة والمواطنة”، والتي أظهرت حجم الأضرار النفسية والاجتماعية التي يخلفها العنف الرقمي، ودوره في دفع العديد من النساء إلى العزلة والانسحاب من الفضاءين العام والرقمي، بما ينعكس سلبا على أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.

مرجعية دستورية وحماية قانونية
من جانبه، شدد الأستاذ رياض حمزة على أن العنف الرقمي لا يمكن التعامل معه كسلوك عابر داخل العالم الافتراضي، بل هو اعتداء مباشر على الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الكرامة والسمعة والحياة الخاصة.
وسلط الضوء على الأساس الدستوري لحماية الخصوصية، مستشهدا بالفصل 24 من دستور 2011، الذي يقر صراحة حماية الحياة الخاصة وسرية الاتصالات، ولا يجيز المساس بها إلا بأمر قضائي. كما استحضر المرجعية الدولية، خاصة المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحق في الخصوصية في العصر الرقمي.
وأوضح أن المشرع المغربي ترجم هذه المبادئ إلى مقتضيات زجرية دقيقة داخل القانون الجنائي، من خلال الفصول 447-1 و447-2 و447-3، إضافة إلى الفصول المرتبطة بالتحرش والتشهير الإلكتروني، بما يتيح مواجهة مختلف صور الاعتداء الرقمي.
منصة “إبلاغ”.. آلية لمواكبة الجريمة الرقمية
وفي مداخلة أمنية، أبرز ضابط الشرطة القضائية بوشتى ربيب، رئيس خلية التكفل بالنساء ضحايا العنف بالمنطقة الإقليمية للأمن بأزيلال، خطورة العنف الرقمي، خاصة في استهدافه للنساء والقاصرين عبر التهديد والتشهير والابتزاز.

وتوقف عند المجهودات التي تبذلها المديرية العامة للأمن الوطني، لاسيما إحداث المنصة الوطنية للإبلاغ عن العنف الرقمي “إبلاغ”، باعتبارها آلية حديثة تتيح للضحايا التبليغ بشكل آمن وسري، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية وتسريع التدخل الأمني.
وأكد أن اعتماد هذه المنصة يعكس التزام المؤسسة الأمنية بتحديث وسائلها، والتصدي الفعلي للجريمة الإلكترونية، وترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.
الدرك الملكي وتعزيز التصدي للعنف الرقمي
أكد رئيس المركز القضائي للدرك الملكي بأزيلال التزام المؤسسة ببذل كل المجهودات اللازمة لمحاربة ظاهرة العنف الرقمي، والتفاعل الفوري والفعال مع مختلف القضايا المرتبطة بها، في إطار احترام القانون وحماية حقوق الضحايا. وأوضح أن مؤسسة الدرك الملكي تتوفر على شبكة من المعاهد والمختبرات المتخصصة، سواء على المستوى المركزي أو على صعيد القيادات الجهوية بمختلف ربوع المملكة، تُمكّن من دعم الأبحاث التقنية والخبرات الرقمية المرتبطة بهذا النوع من الجرائم. وأضاف أن معالجة قضايا العنف الرقمي تتم في تنسيق محكم مع ضباط الشرطة القضائية العاملين بالميدان، وتحت الإشراف المباشر للنيابة العامة، بما يضمن النجاعة، والسرعة، وحسن تطبيق القانون في مواجهة الجرائم الرقمية وحماية الأمن الرقمي للمواطنين.
المدرسة في مواجهة العنف الرقمي
من جهته، تناول الأستاذ حسن سهيل، ممثل مديرية التعليم بأزيلال، مظاهر العنف الرقمي في الوسط التربوي، مبرزا أن هذا النوع من العنف قد يمارس من طرف التلاميذ ضد التلميذات، أو ضد الأستاذات، بينما يظل نادرا بين الأطر التربوية نفسها.

وأشار إلى أن الحالات المسجلة بالإقليم لا ترقى إلى مستوى الظاهرة المقلقة، غير أن ذلك لا يلغي ضرورة اعتماد مقاربة استباقية، ترتكز على التوعية والوساطة والمصالحة، خاصة وأن أغلب المعنيين قاصرون. كما استعرض بعض الإجراءات الوقائية، من بينها منع استعمال الهواتف المحمولة بالأقسام الداخلية.
نحو مقاربة شمولية
وتخللت أشغال اللقاء مداخلات وتساؤلات همت كيفية توثيق الاعتداءات الرقمية وتدبير النيابة العامة للملفات المرتبطة بها،أبرزها تدخل الاستاذة فاطمة الشريف مرشدة دينية، والاستاذة رجاء بوستة ممثلة مندوبية الاوقاف الاسلامية، الاستاذة صالحة الجديد رئيسة جمعية الجديد لتنمية المرأة والطفل بدمنات.
و شددت رئيسة الخلية على أن التوثيق يجب أن يبقى وسيلة لحماية الضحية، لا أداة للتشهير أو الابتزاز.
ويأتي هذا الاجتماع في سياق وطني يتسم بتنامي الوعي بخطورة العنف الرقمي، والحاجة إلى مقاربة شمولية تجمع بين الزجر القانوني، والتحسيس المجتمعي، والتربية الرقمية، لضمان فضاء افتراضي آمن يحترم الحقوق والحريات.

