يونس البصري
في مشهد لا يحتاج إلى كثير من التأويل، أعلنت المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة بني ملال–خنيفرة عن تنظيم مقابلات لشغل مناصب مسؤولية بمؤسسات صحية بإقليم أزيلال. الموعد حُدد، والمناصب عُرضت، لكن النتيجة جاءت صادمة؛ 25 مترشحا فقط مقابل أكثر من 122 منصبا شاغرا.
هذه الأرقام لا تعكس خصاصا عاديا، بل تكشف واقعا أكثر حدة، عزوف شبه جماعي عن تحمل المسؤولية في قطاع يُفترض أنه حيوي، وفي مجال جغرافي هو في أمسّ الحاجة إلى قيادة صحية فعالة.
عمليا، أربعة من كل خمسة مناصب ستظل شاغرة، وهو ما يحول المسألة من نقص في الموارد إلى أزمة جاذبية حقيقية.
والمفارقة أن الحديث لا يتعلق بوظائف بسيطة، بل بمناصب قيادة وتدبير، ومع ذلك لم ينجح العرض حتى في خلق حد أدنى من التنافس. هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح، متى تحول المنصب من فرصة مهنية إلى عبء يتجنبه الجميع؟
والجواب يبدأ من الإقليم نفسه
فأزيلال، بحكم موقعه الجغرافي وطابعه الجبلي، ظل لسنوات خارج دينامية التأهيل الكافي، دون أن تواكب خصوصيته بسياسات صحية وتنموية قادرة على جعله مجالا جاذبا للأطر، في غياب هذه الرؤية، لا يصبح المنصب تحديا مهنيا فقط، بل امتدادا لصعوبات يومية تتجاوز أسوار المؤسسات الصحية.
صحيح أن بعض المناطق مثل أزيلال المركز ودمنات المركز أو أوزود.. توفر شروطاً أفضل نسبيا، لكن هذه الأفضلية تظل محدودة، ولا ترقى إلى مستوى خلق جاذبية حقيقية، خاصة حين يتعلق الأمر بمناصب مسؤولية تتطلب استقرارا مهنيا وشخصيا في آن واحد. فما بالك بمناطق أبعد بكثير مثل ايت اومديس، تبانت د وغيرها من المناطق البعيدة عن هذه المراكز الحيوية.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم العزوف الحالي بمعزل عن سؤال؛ أعمق كيف يمكن إقناع الأطر الصحية بالاستقرار في مجال لم تُبنَ فيه شروط الاستقرار أصلا؟
والنتيجة واضحة، المناصب موجودة، لكن الرغبة في شغلها شبه غائبة. وهو ما يحول الخصاص من مجرد أرقام إلى تعبير صريح عن ضعف جاذبية إقليم كامل، لا فقط مؤسسات صحية.
الأخطر أن استمرار هذا الوضع يعني بقاء مؤسسات صحية بدون قيادة فعلية، وهو ما سينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، في إقليم يعاني أصلا من الهشاشة، فيصبح هذا الفراغ عاملا إضافيا في تعميق الفوارق الصحية.
ما يحدث في أزيلال اليوم لا يمكن اعتباره حالة معزولة، بل هو نتيجة مسار طويل لم تُمنح فيه المناطق الجبلية ما يكفي من شروط الإنصاف الصحي، والنتيجة أن الكفاءات تواصل التمركز حيث تتوفر شروط العمل والحياة، بينما يظل الهامش عالقا في دائرة النقص.
ودون إعادة التفكير في موقع الإقليم ضمن خريطة التنمية الصحية، وربط المسؤولية بتحفيز حقيقي، سيظل الإعلان يتكرر، وستظل المناصب شاغرة… بينما يبقى المواطن في إقليم أزيلال ينتظر خدمة صحية قد تتأخر، أو لا تأتي أصلا.

