يونس البصري
ما جرى في مدرجات ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط خلال مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي يوم الجمعة 30 أبريل 2026 لا يمكن اختزاله في “أحداث شغب”، ولا التعامل معه كحادث عابر في سياق مباريات كبرى في البطولة الوطنية، لأن طبيعة ما وقع تشير إلى لحظة اختبار حقيقية لمنظومة كاملة تتقاطع فيها المسؤولية بين التنظيم، والأمن، والأندية، والجماهير.
الأحداث التي شهدت اقتحاما لبعض المدرجات وتخريبها، وسلوكيات عنيفة، وتوترات متصاعدة، دفعت النيابة العامة إلى فتح مساطر تحقيق، انتهت إلى وضع 136 شخصا تحت الحراسة النظرية، في إطار بحث قضائي يروم تحديد المسؤوليات الفردية، وهي خطوة قانونية لا تعني الإدانة، بقدر ما تعكس مرحلة فرز دقيقة بين الفعل الفردي وسياق هذه الفوضى الجماعية.
لكن ما يجعل هذه الواقعة أكثر خطورة ليس فقط حجم التوقيفات، بل طبيعة السلوكيات التي رافقتها، والتي تشير إلى أن ما يحدث داخل بعض الملاعب لم يعد مجرد انفلات لحظي للحماس، بل مظاهر أقرب إلى نمط متكرر من العنف، يتغذى من الاحتكاك، والتحريض، وضعف الردع الفوري داخل الفضاء الرياضي.
والأكثر إثارة للقلق أن جزءا من هذه الأفعال لم يعد يحدث في الظل، بل في زمن الكاميرات، والتغطية الشاملة، ونظام المراقبة المتطور داخل الملاعب، لم يعد الحديث عن “مجهولين” بالمعنى التقليدي دقيقا، ما يضع الأجهزة التنظيمية أمام سؤال مباشر، هل المشكلة في غياب الأدلة، أم في تفعيلها؟
وفي هذا السياق، يبرز قرار الجامعة الملكية لكرة القدم بمنع تنقل الجماهير خلال ما تبقى من البطولة كإجراء احترازي يعكس حجم القلق من تكرار السيناريوهات نفسها، لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشا أعمق حول ما إذا كان تقليص حركة الجماهير حلا مستداما، أم مجرد انتقال من إدارة المشكلة إلى تأجيلها.
وتزداد حدة الإشكال حين يتعلق الأمر بوسائل دخول الملاعب، من معايير الولوج، وهي ثغرات تطرح سؤالا مباشرا حول صرامة التطبيق وليس فقط وجود القوانين. لأن أي منظومة تسمح بوجود أدوات إخفاء داخل فضاء يفترض أنه مراقب، تكون عمليا قد تركت مساحة للفوضى قبل أن تبدأ المباراة.
غير أن الأخطر في كل ذلك هو التحول التدريجي في طبيعة الشغب داخل الملاعب، من سلوك عفوي مرتبط بانفعال لحظي، إلى أنماط أكثر تنظيما في بعض الحالات، تتغذى من التحريض الرقمي وخطابات التجييش، ما يجعل المقاربة الأمنية وحدها غير كافية دون تدخل تربوي وتنظيمي داخل المنظومة الرياضية نفسها.
وفي النهاية، فإن ما كشفته أحداث “كلاسيكو” مولاي عبد الله لا يتعلق فقط بمباراة انتهت، بل بمنظومة تحت ضغط حقيقي، حيث لم يعد السؤال هو كيفية التعامل مع الشغب بعد وقوعه، بل كيف يمكن منعه قبل أن يبدأ أصلا.
لأن الحقيقة التي لا تحتمل التأويل هي أن الملاعب إما أن تظل فضاء للرياضة والانتماء، أو تتحول تدريجيا إلى مناطق رمادية تدار فيها الفوضى بقرارات ظرفية.