المسلك سعيد
تعتبر الحكومة الحالية مشروع مدارس الريادة بمثابة “العمود الفقري” للإصلاح التربوي الجاري، وتصنفه كآلية تنفيذية رئيسية لـ خارطة طريق الإصلاح التربوي 2022-2026. ليكن ذلك، ولكن، يجب على من هندسه في نظرنا، أن يشكر كل من يقدم له نقدا بناء أو يبين أعطابه واكراهاته من أجل تصويب المسير ومعالجة الاختلالات، لا أن يتبنى أسلوب العين الحمراء وتعليق أعطاب المشروع على هذا المسؤول أو ذاك.
من حق الاساتذة إبداء رأيهم في سيرورة هذا المشروع الذي يعتمد في نجاحه بالأساس، كما تدعي الوزارة الوصية على القطاع، على مبادئ التشاركية والتفاعلية التي لا تستقيم إلا بالنقد البناء واحترام وجهات نظر من يقومون فعلا بالتنزيل الحقيقي لهذا المشروع الذي تشوب أجرأته اللوجستيكية عدة اختلالات. فحتى الكراسات مثلا عجزت الوزارة على توفيرها بالشكل المطلوب وفي الوقت المطلوب؟؟؟ ناهيك عن تكبيل وتعويق الفعل التعليمي التعلمي بالمهام المسكية الاحصائية التقنية، لأن الأستاذ اليوم مطالب بعد كل واجب كتابي بإدخال أكثر من 4000 رمز بمنصة مسار في زمن قياسي، ما يستنزف الزمن التعلمي على حساب تدليل صعوبات التعلم والمواكبة والمعالجة والدعم للمتعلمين. إنها فعلا عملية عبثية لهدر زمن التعلم والتعليم. وفي ظل الاستياء الملحوظ عبر مواقع التواصل تجاه هذا الهاجس والمنطق الإحصائي الاستنزافي بامتياز ماديا ومعنويا، وفي ظل ضبابية صلاحيات الاكاديميات والمديريات الإقليمية في وجه مشروع موغل في المركزية في ظل شعارات الجهوية الموسعة التي تتوخى مراعاة تكييف مشروع مدارس الريادة مع الخصوصيات الجيوسوسيو-اقتصادية للمؤسسات التعليمية، وذلك من خلال آليات تدبير ميدانية وتشاركية، تبرز مشاكل أخرى موازية للإشكالات المطروحة من بينها البرمجة الزمنية للفروض التي تم إرسالها مؤخرا دون ما أدنى اعتبار للمهام اللامتناهية الملقاة على عاتق مدرسي المواد الأساسية على وجه الخصوص، الذين خرجوا للتو من “مستنقع” خانق لوابل من التقييمات الخاصة بالمرحلة الأولى( من 2 إلى 20 دجنبر)، ليتفاجأوا بمذكرة أخرى تحدد موعد الفرض الموالي في 3 يناير 2026 ! ثم بأخرى ناسخة تتضمن توزيعا عجيبا يفهم منه أنه في ظرف عشرة أيام (أقل من أسبوعين) سيكون على “الرواد الكرام” تمرير اختبارين و وابل من الرموز المصاحبة للتقييمات بالنسبة للمواد الأساسية، و القيام بالتصحيح بكل “أريحية” و إدخال النقط في زمن قياسي قصد “الاستمتاع” بالعطلة التي تبتدئ في الأسبوع الأخير من شهر يناير ! . هذا ناهيك عن رزمانة من التقييمات الخاصة بالشفوي والتي تستلزم تدوين حوالي 360 نقطة للقسم الواحد فيما يخص “القراءة السلسة وإنتاج الشفوي” (دون احتساب –فهم الشفوي- ونقط الأنشطة الموازية) ! . كل هذه العمليات المرتبطة خصوصا بالفرض الكتابي الثاني والامتحان المحلي يجب تمريرها في الأسبوعين 13 و 18 أي في زمن قياسي لا يطاق (ما بين 15 و 24 يناير) !.
فالمفروض أن يكون هناك اختلاف في البرمجة الزمنية بين مؤسسات الريادة والمؤسسات التقليدية الأخرى، كما وجب أخذها بعين الاعتبار بشكل قبلي محبوك. نظرا لعدة اعتبارات منها على وجه الخصوص:
اختلاف المناهج والأهداف لأن مدارس الريادة تركز على مناهج أو أساليب تدريس متقدمة تتطلب جداول زمنية مختلفة عن المدارس التقليدية، كما تعتمد مدارس الريادة على أنظمة تقييم مستمر وفق ميكانيزمات و كودات معينة بدلاً من الاختبارات الموحدة الكلاسيكية، مما يتطلب برمجة زمنية مختلفة لاستكمال الوحدات الدراسية والمجزوءات المحددة من جهة، وتمكين المدرسين من إدخال كل التقويمات والرموز المقترحة بشكل مضبوط و فعال من جهة أخرى. إن ما نشاهده اليوم في هذه النسخة الريادية هو ضرب من ضروب العبث والعشوائية تحتاج معها الأمور إلى عدة مراجعات. فالمدرس يبقى قاطرة إنجاح أي مشروع إصلاحي كلما وفرت له الظروف المناسبة للعطاء والإبداع.
لقد تناول العديد من المختصين التربويين جملة من العراقيل والمطبات والاختلالات التي واكبت تنزيل مشروع الريادة منذ بداياته الأولى، وفي عمق تعاطيهم مع هذا الواقع الإصلاحي الجديد، ازدادت الأخطاء وتعددت الهفوات رغم المحاولات الكثيرة لإماطة اللثام عن الارتجالية التي طبعت الإعداد لتنزيل هذا المشروع في كل جوانبه. ويبقى التصنيف الأخير للمؤسسات المنخرطة، من الأمور غير المقبولة باستحضار التوقيت والمرحلة التدريسية. فماذا يعني تصنيف المؤسسات التعليمية في وقت مبكر ومع اقتراب تمرير كم هائل من التقويمات، دون اعتبار لمشاعر الطاقم الإداري والأستاذي؟ أوليس ذلك إحباطا وتبخيسا لعملهم وجهودهم؟ وما معنى أن تربط تعويضا لا يسمن ولا يغني بمدى تحقق الأهداف المسطرة في ظروف شبه تعجيزية؟ ماذا يعني تخصيص مدة وجيزة للتكوينات تركت المدرس مجبرا على المبادرة “المغامرة” والتعلم الذاتي خصوصا فيما يرتبط بالجوانب التقنية المتعلقة بالرموز والشفرات سواء الخاصة بإعداد قوالب الاختبارات gabarits، أو تلك الخاصة بالتصحيح وغيرها؟
وبالعودة إلى تكبيل زمن الأستاذ والمفروض برزمة من العمليات والمهام ذات البعد التقني والإحصائي، والتي يبدو من مهندسها أن غايته هي قهر عزيمة الأستاذ وإثقال كاهله حتى تحد وتضعف دافعيته الإبداعية، فلا نعتقد أنها الطريقة الأمثل لتشجيع المدرس على مزيد من العطاء للارتقاء بالعملية التعليمية التعلمية لصالح ناشئتنا. إن هذا الإثقال المقصود لكاهل الأستاذ لن ينتج عنه سوى إرباك خطير للتدخلات الديداكتيكية والبيداغوجية عند إنجاز الفعل التعليمي التعلمي المنشود.
إنّ الجذر الحقيقي للإصلاحات المزعومة لا يكمن في قاعات الدرس المنمقة والمصبوغة، ولا في “إثقال يذهب الإتقان” عن عملية تجويد الفعل التربوي. وتوجب على من يجلس على مقاعد القرار مسترخيا تحت ظلال الامتياز، ولا يجد حرجًا في دفع ثمن الإخفاقات على ظهر الآخرين، ثم يتنصل ببرودة وكأنّ الأمر لا يعنيه، أن يستوعب أن المسؤولية كبيرة ومشتركة. ولا داعي للتذكير بانه لا يُعقل أنّنا بلغنا الأسبوع الثالث من “التّعليم الصَّريح” قبل أيام، ولا أثر للكراسات التي يفترض أن تكون بديهيّات لا فضل لأحد في توفيرها؟ ومن يقترح استعمال الدفاتر بدل الكراسات إمّا أنه لا يعرف واقع القسم وظروفه، وإمّا أنه جاهل بديداكتيك المواد المدرسة. إنّ هذا التوجّه المرتجل لا يجهل فقط حاجات الممارسة التربوية، بل يلغي عمليًا دور الملفات المصوّرة والحاسوب، لأن كثافة الدروس المصبوبة في الحصة تجعل أية وسيلة بيداغوجية غير الكتابة في الكرَّاسة أمرًا مستحيلاً بلوغهُ. وفوق ذلك، فإنّ ما ينتاب هذا البرنامج الجديد من حشو، يجعل المُدرِّس مضطرًا للقفز فوق فقرات لا نفع فيها ولا جدوى، وكأنّ من وضعها يريد اختبار صبر المدرس والتضييق على حريته داخل القسم وداخل الساحة التعليمية و على وقته خارج الفصل، و لا يريد تطوير و تحسين تعليمنا المعطوب الذي سبق و أن شبهناه في مقال مطول قبل عامين من الآن ب “رأس اليتيم” الذي يخضع لتجارب المبتدئين في الحلاقة، لسبب واضح و هو: عدم قدرتنا لحد الآن على إيجاد الرجل المناسب في المكان المناسب بقطاع التعليم رغم بعض الاستثناءات القليلة جدا (راجع مقالنا تحت عنوان” المسلك سعيد يعرض وضعية التعليم بالمغرب في خضم التحولات السياسية والاجتماعية من زمن السكتة القلبية إلى زمن تدبير الإفلاس”.(17 صفحة).
إنّ المسؤولية هنا واضحة، ليست في المعلم الذي يواجه القسم وإكراهاته وحيدًا، بل فيمن يقرّر من أبراجه العالية ثم يختفي ساعة الحساب. إننا نتحسر عن كل يوم يضيع من أعمار تلاميذنا، وعن كل أستاذٍ ضُيِّقَ عليه الخناق حتى صار يعتذر عن عجزٍ لم يصنعه، وعن إحصائيات مشؤومة لم تكُنْ له يدٌ في فرضها بشكل لا يطاق ولا يجدي نفعا…
فالمرجو مراجعة الكثير من الاختلالات المرصودة بكل حنكة وتبصر وتفاعل إيجابي وحس تشاركي مسؤول، بعيدا عن أية مزايدات سياسوية فارغة، وعن كل تعنت فكري معاق من شأنه قتل كل الجهود الحثيثة الرامية للنهوض والارتقاء بأب القطاعات وبالمدرسة العمومية ببلادنا.