مناسبة هذا الحديث ، ماراج مؤخرا من كلام حول وجوب الاقتطاع من الأجرة في حالة الإضراب عن العمل ، والاستشهاد بآية من سورة الرحمن (والسماء رفعها ووضع الميزان) لإفحام من يحتج على قرار الاقتطاع ، بل هناك من بالغ في التفكه بهذه الخرجة العجيبة ، ووصفها في صورة مركبة لكتاب لن يصدر بالمرة ، تحت عنوان :الميزان في تفسير ابن زيدان
فإذا كان المشكل يطرح بهذا الشكل العجائبي لتبرير آلية الاقتطاع مع الرجوع بالطبع إلى بنود المكتب الدولي للعمل ، فماذا نحن فاعلون إذن مع بعبع الفساد المستشري أرضا وبحرا وجوا بالبلاد وتفاقم اقتصاد الريع في كل القطاعات منذ سنوات ، و محاولات الإصلاح لم تنتقل بعد إلى السرعة القصوى في تفعيل دستور 2011 بشكل جاد ويقيني يلمسه المواطن البسيط والمتوسط في حياته اليومية ويراه رأي العين … لا نرى سوى أرقاما وأشكالا لا تعد ولا تحصى من صور التطفيف على مستوى المعاملات البنكية والعقارية والتجارية ، واللائحة لا حصر لها تجاه هذا المواطن البسيط والمتوسط المغلوب على أمره المقهور في رزقه ورزق أولاده وذويه مقابل استئساد النافذين وأثرياء اقتصاد الريع وأرباب بعض المقاولات الاقتصادية الكبرى ، فحتى على صعيد اقتناء وتجديد اقتناء السيارات الفاخرة مثلا ، لم يتوقف مثل هؤلاء على ذلك رغم الزيادة في نسبة التضريب التي قامت بها الحكومة الحالية ، بل ازداد حجم الاقتناء ، بمعنى أن ” الفلوس ديما موجودة وبالزايد” ،وعلى عينيك يابن عدي و في بلد يضرب الفقر أطنابه فيه في أكثر من جهة …أليس هذا من صور التطفيف والسحت والجشع لدى سماسرة ومضاربين ومنتهزي الفرص واللوبيات المتحكمة في عيش المواطن ، بعدما صارت تكوى بحرقة اليد التي توضع كل صباح أو مساء على معظم المواد المعيشية الأساسية للمواطن ، بسبب الارتفاع الصاروخي في الأسعار وتقلباتها شبه اليومية عند أسوأ الحالات
لن نتحدث عن الشروط الأجنبية المجحفة للصندوق والبنك الدوليين ، فالأمر ليس جديدا علينا ، وقد مررنا بفترات من سياسة التقويم الهيكلي ، لكن ما يهم المواطن هنا هو الحكامة الداخلية والعمل على إقرار سياسة عادلة في توزيع ثروات وخيرات البلد بشكل يعود بالنفع على المواطن البسيط والمتوسط ، لا أن يكسر ظهره بمحاولات إصلاح هيكلي لصندوقي المقاصة والتقاعد مثلا يؤدي ضريبتهما يوميا من كسب يده وتبخر مدخوله اليومي أو الشهري خاصة ، من أولئك المياومين أو ضعيفي الدخل أو من فئة المتقاعدين الذين لم ينعموا حتى بستمائة درهم المشهورة والتي استفاد منها حتى الوزراء أنفسهم
وهم ليسوا من الموظفين العموميين (…زيد الشحمة…..) بل حتى من الموظفين غير السامين طبعا والمستخدمين والذين يعانون الأمرين أمام التجمد التام لسيولة الجيب والارتفاع الفاحش للأسعار بالجملة و بالتقسيط تقريبا في كل مناحي الحياة اليومية للمواطن عموما خلال السنوات الأخيرة
يقول الله تعالى -: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} المطففين: 1 – 6]
هنا توعَّد الله مَن طفَّف في الكيل أو الوزْن، والتَّطفيف نقصٌ يخون المرء به غيره في كيل أو وزْن أو غير ذلك، فكلُّ مَن خان غيرَه وبخَسَه حقَّه أو انتقصَ ممَّا وجب عليْه، فهو داخل في هذا الوعيد
ومن صور التطفيف وفق ما ورد عن الشيخ أحمد الزومان
تطْفيف المعلِّم والمعلِّمة في حقوق العمل، ومن ذلك التأخُّر في دخول الحصَّة والخروج في أثنائِها من غير حاجة، أو الانشِغال بأشياء خارجة عن الدَّرس كالاتِّصال بالهاتف، أو الانشغال بأعمال مكتبيَّة تُنجز خارج الحصَّة، فوقت المعلِّم والمعلِّمة أثناء الحصَّة خاصٌّ بالطلاب والطَّالبات، فالواجب أن يصرف الوقت في ما فيه مصلحتُهم
ومِن تطْفيف المعلِّم والمعلِّمة عدم الاستِعْداد الذِّهْني للدَّرس، ويظْهر هذا في المراحِل المتقدِّمة من التَّعليم
ومن تَطْفيف المعلِّم والمعلِّمة عدم متابعة أعمال الطُّلاب من تصْحيح وتصْويب أخطاء، وغير ذلك
ومن التَّطفيف تطفيف الموظَّف في عملِه، سواءٌ كان حكوميًّا أو خاصًّا، فيتأخَّر في الحضور ويخرج مبكِّرًا، يجعل ذلك عادة له
ومن التَّطفيف تأخير العمل والتَّسويف، خصوصًا ما يتعلَّق بالمراجعين ممَّا يشق عليهِم بتكرار المراجعة أو بالبحث عن شفاعة لينجز له عمله
ومن التَّطفيف أن يطالب الموظَّف بكلِّ ما له، ولا يرضى أن يُنْتَقص شيء من حقوقه، مع إخلاله بواجبه الوظيفي
ومن التطفيف في حقوق الموظَّفين ما يصدر من بعض الرُّؤساء، حينما يتعامل مع مرؤوسيه وفق العلاقات الشخصيَّة بعيدًا عن الكفاءة، فيرفع مَن حقُّه أن يُخفض، ويَخفض من حقُّه أن يرفع، تقاريره لها دور في حجْب مكافأة عن مستحقِّها، أو تعطى مَن لا يستحقها، ربَّما نُقِل موظف وحقُّه أن لا ينقل، أو بَقِي مَن حقُّه أن ينقل؛ بسبب التَّطفيف في كتابة التَّقارير
ومن التطفيف ما يقوم به البعض مِن استئجار عامل يعمل عنده، ثمَّ يبخَسُه حقَّه كلَّه أو بعضه، فخاب وخسِر مَن هذا فعلُه؛ فعن أبي هُريرة – رضِي الله عنه – مرفوعًا: قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمَّ غدَر، ورجل باع حرًّا فأكلَ ثمنَه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوْفى منْه ولم يعْطِه أجْرَه,, رواه البخاري
وقد جاء في تفسير القرطبي- فيما روي – أن أعرابيا قال لعبدالملك بن مروان : قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففين ; أراد بذلك أن المطففين قد توجه عليهم بهذا الوعيد العظيم الذي سمعت به ، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ، وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن ، ووصف اليوم بالعظيم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف ، وفيما كان في مثل حاله من الحيف ، وترك القيام بالقسط ، والعمل على التسوية …والعدل في كل أخذ وإعطاء ، بل في كل قول وعمل ….و قرأ ابن عمر : ويل للمطففين حتى بلغ يوم يقوم الناس لرب العالمين، فبكى حتى سقط ، وامتنع من قراءة ما بعده ، ثم قال : سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” يوم يقوم الناس لرب العالمين ،” في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه ، ومنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من يبلغ حقويه ومنهم من يبلغ صدره ، ومنهم من يبلغ أذنيه ، حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه كما يغيب الضفدع
إن في القلب غصة وفي العين دمعة وفي الصدر حرقة ،فاللهم هون علينا مانحن فيه من تطفيف الوسطاء والمضاربين و الدهاقنة و الريعيين ، ولو فعل بهم ما فعل أستاذ لطلبته لانتهت القصة ..وهذه هي الحكاية المنقولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي
اتفق 4 طلاب جامعة أن يخترعوا سببا لكي يغيبوا عن الامتحان واتصلوا بالأستاذ
وقالوا له : أن أحد إطارات السيارة انفجر وليس لديهم اطار أحتياطي ولا توجد سيارة ترجعهم على وقت الامتحان، لأنهم كانوا مسافرين إلى مكان بعيد عن الجامعة
فوافق الأستاذ أن يؤجل الامتحان لهم وطبعا فرحوا كثيرا وعاشوا الجو في مرح وسعادة لأن فكرتهم نجحت
وفي اليوم المحدد للامتحان طلب الأستاذ من الطلاب الأربعة أن يجلس كل واحد منهم في زاوية من قاعة الامتحان ليفرقهم عن بعضهم حتى لا يغشوا ووزع عليهم أوراق الامتحان
وهذه هي الأسئلة
أي إطارات السيارة الأربعة انفجر ؟
كم كانت الساعة وقت حدوث الحادث ؟
من منكم كان يقود السيارة في ذلك الوقت ؟
ما هو ترتيب جلوسكم في مقاعد السيارة ؟
هل تضمن أن يجيب بقية أصحابك بنفس الإجابة ؟
وكتب في الأخير
إن أجبتم جميعا الجواب الصحيح ،فأنتم ناجحون بالعلامة الكاملة ، أما إذا حدث العكس فأنتم كاذبون وبالتالي ،فمصيركم الرسوب
عبدالفتاح المنطري
كاتب صحافي