قد تأتيك الطعنة من الأمام أو من الخلف وقد تدهسك سيارة تسير بسرعة جنونية، وقد تلقى مصيرا مجهولا، كلها مصائب .. قد يأتيك بها القدر، لكن أن تجد ذئابا ترعى الغنم ، فهذا شيء آخر … ذات يوم طُلِبَ من ذئب أن يرعى غنما، فأجهش حينه بالبكاء، فسئِل ما أبكاك يا ذئب؟ فأجاب : أعلم أن هذا الأمر مستحيل!.
هذا غير ممكن في القصة التي يرويها لنا أجدادنا ، لكن اليوم لم تعد من باب المستحيلات، فكثيرا ما نجد ذئابا ترعى الغنم، تحت شمس هذا الوطن، الذي لا يعلم كثير من الرعية فيه ، أن في أرضه “قوارنة” جمع قارون تمتص دماء الأبرياء، و تغتني من شرايين الوطن، هم أشبه ما يكون بأشباح بأفعال التماسيح ، إنها كائنات بشرية لها أياد طويلة، و سليطة، و بطون سمينة، تأتي على الأخضر و اليابس، إنهم “قوارنة” في صفات آدمية من لحم ودم.
قصة الذئاب في بلدنا قصة طويلة، وحافلة بالأمثلة، والطامة أن “التفريخ “لازال ساريا ، إنها تأبى أن تتوقف أو تنقرض كما انقرضت الدينصورات منذ حقب مضت، الذئاب البشرية هاته لها قدرة كبيرة على الاختفاء و التستر، ذكية مراوغة،لا تترك بصمات ، و لا آثار، نجدها في كل مكان تتطبع بسرعة، عثت في الأرض فسادا، احتمت و لازالت بعينات من ذئاب أخرى نافذة .
فما على المواطن البسيط إلا أن يقف على بعض الاوراش أو المشاريع ليستطيع أن يدرك و يكتشف في الحال حقيقة هذه الذئاب الآدمية،و شراستها في التهام مال عام رصد لتنمية البلد و إخراجه من غياهب الفقر و التخلف.
وهذه حال إقليمنا الذي يجر ذيول التنمية بصعوبة بالغة منذ سنوات، و الذي تعيش في أحضانه عينات من هذه الذئاب البشرية التي ائتمنت على المال العام،و كلفت بمشاريع لبناء مرافق تحل بعضا من مشاكله الاجتماعية التي لاتعد و لا تحصى، لكن يبدو أنها لم تكن بقدر وطنية المقاومين الذين ضحوا بالمال والنفس لطرد المحتل من الأرض،بل خذلت الوطن ، و اتخذت من أمواله و مشاريعه مصدر الاغتناء و النهب ،مقابل انجازات لا ترقى لما يطمح إليه الجميع، فكم من مرفق كشفت الأمطار عيوبه الفاضحة، وعرت سر الذئاب التي أشرفت عليه، و كم من طريق بني بالأمس القريب ، و اليوم كشفت عوامل التعرية “هشاشته” و برهنت عدم خضوعه للمعايير التي كان من الممكن اعتمادها لو كان المشرف على تشييده : يتحلى ” بمثقال من مروءة” ووطنية، و كم من مؤسسة تعليمية لم تمض على بنائها بضع سنوات حتى تشققت جدرانها، و مال بعضها ، وأصبحت آيلة للسقوط، بل واقتربت للهاوية، و للأسف أصبح المواطن يقارن ما أنجزه المعمر و اثقن بناءه مع ما بنته بعض الأيادي من أبناء جلدتنا واختلسته أو نهبت جزءا من ميزانيته…
وإذا الذئاب سئلت عن جرائمها أجابت ببساطة “فالكل ينهب و لسنا وحدنا في هذا الوطن “إنها تبني أبراجا لنفسها ، متناسية أن البرج هو الوطن، وطن الجميع و تاج الجميع. ألم تفكر مرة هذه الذئاب أنها مسئولة أمام الله و الوطن؟ يقول صوت من جحورها إن الذئاب لا وطن لها. … و الحل أنها تحتاج لنصيبها من تعليم قيم المواطنة، أو إخضاعها للاختبار لقياس “مدى ترسخ قيم المواطنة في الدم”. فإن كانت متوفرة بما يكفي ، سلمت لهم المسؤولية، و ائتمنوا على المال العام ، و إلا، أحيلوا على “مركز التربية على المواطنة”. ليدرسوا معايير المواطنة و الوطنية و أخلاقيات المهنة ، و قوانين يعمل بها من اجل بناء الدولة ” كقانون : “من أين لك هذا يا هذا” و قوانين تعليم “القناعة” و “اللي فرط اكرط” و “من عمل عملا فليتقنه” وما شابهها من تعاليم تجعل كل مسؤول تسلم زمام مهمة في هذا الوطن ” يضرب” ألف حساب قبل الشروع في عمله، ولكي يعلم الجميع أن بناء الوطن،مشروع مقدس وليس لعبة أو مكمن النهب والاسترزاق العشوائي..
فما علينا إلا أن نناديها بالتوبة: فيا ذئاب الجبل و السهل، ويا اسماك القرش من بني جلدتنا، توبي عن جرائمك في حق الوطن و المواطن ، وعودي إلى الصواب، وارحمي الوطن.و إلا سيأتي يوم … تنبعث من أجسادك روائح النهب ومن أشداقك كريهة تزكم الأنوف …أضراسك و نواجدك ستتسوس من كثرة “الحلاوة”. فلن تجدي لدائك دواء،إلا أن يقلع الشعب الطبيب داءك؟ وينزع أضراسك لتصيري أليفة… واستعدي لتوديع اللحوم والحلوى، وسيكون طعامك الحساء وتجردي من جلدك ليصنع منه فقراء الوطن أغمدة و إطارات للنظارات ليصير الوطن بصيرا ..
ترى هل تصل رسالة الملك في افتتاح الدورة البرلمانية لشهر أكتوبر الجاري، إلى هؤلاء الذئاب، ويعودوا لرشدهم، ويكفوا عن نهب الوطن، فالدرس الملكي خلال الجمعة الثانية من شهر أكتوبر لسنة 2014، يجب أن يفهم في عمقه، لكونه موجه لكل مكونات هذا الوطن، كما جاء الخطاب في مرحلة صعبة، تعيش فيه مختلف الأوطان العربية تهديدات إرهابية..