“كان 2025” بالمغرب: حين سقطت أقنعة المشككين، وانتصر التنظيم، وتألق المنتخب، وفضحت التفاهة نفسها بنفسها
لحسن اكرام
ليس من السهل أن تعترف بالفشل حين تبني خطابك على التشكيك، ولا من السهل أن تبتلع نجاحًا بحجم كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب وأنت قد أعددت عدتك المسبقة لنسج روايات الإخفاق قبل أن تُطلق صافرة البداية. لذلك، لم يكن مستغربًا أن يتحول بعض المنتقدين، ومن معهم من “مصورين ظرفيين” و“صحافيين موسميين”، إلى مادة للسخرية أكثر منهم نقادًا يُؤخذ برأيهم.
منذ اليوم الأول، أكد المغرب أن تنظيم “كان 2025” ليس مجرد تظاهرة كروية، بل عرض دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تخطط، وتعرف كيف تنفذ. ملاعب بمعايير عالمية، نقل منظم، أمن حاضر دون استعراض، متطوعون بوجه مبتسم، إعلام مهيكل، وجمهور واعٍ أدرك أن البطولة ليست فقط تسعين دقيقة، بل صورة وطن تُنقل إلى القارة والعالم. ومع ذلك، خرج علينا من بحث في الأزقة الخلفية عن “ظلام”، ومن صوّر المدرجات قبل فتح الأبواب ليعلنها “فارغة”، وكأن البطولة تُقاس بلقطة مبتورة لا بسياق كامل.
أما داخل المستطيل الأخضر، فقد قدّم المنتخب المغربي أداءً يليق ببلد منظم وطموح. لعب بانضباط، ونافس بثقة، وأظهر شخصية فريق يعرف ثمن القميص الذي يرتديه. لم يكن الأداء استعراضًا فارغًا، بل نتيجة عمل تراكمي، وإيمان بالقدرة على الذهاب بعيدًا، في بطولة طالما عاقبت المتعجلين وكافأت الواقعيين.
وفي قلب هذا المشهد، برز اسم لا يمكن تجاوزه: فوزي لقجع. رجل المهمات الصعبة، الذي اعتاد العمل في صمت حين يكون الصمت واجبًا، وفي وضوح حين يتطلب الأمر الحزم. لقجع لم يكن مجرد رئيس جامعة، بل قائد اشتغل ليلًا ونهارًا، وساند المنتخب إداريًا ومعنويًا، وحمى التنظيم من التشويش، وأدار الملفات بثبات رجل يعرف أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع. كاريزما لم تُصنع أمام الكاميرات، بل في دهاليز العمل الحقيقي.
والأجمل في هذه النسخة، أن الجمهور المغربي كان في الموعد. جمهور واعٍ، منظم، متفاعل، لا يحتاج دروسًا في التشجيع ولا في احترام الضيف. جمهور فهم أن الرد على المشككين لا يكون بالانفعال، بل بالسلوك الحضاري، وبملء المدرجات، وبصناعة الفرجة، وبترك الصور تتحدث بدل الشعارات.
في المقابل، انهارت روايات “أعداء النجاح” بسرعة قياسية. فالأيام القليلة كانت كافية لفضح هشاشتها. لا أزمات تنظيمية، لا فوضى، لا فشل. فقط محاولات بائسة للبحث عن ثغرة في جدار متماسك. روايات بُنيت على النية السيئة أكثر مما بُنيت على المعطى الواقعي، فسقطت كما تسقط الديكورات الرخيصة أمام أول اختبار جدي.
وإذا كان “كان 2025” قد كشف شيئًا آخر، فهو الغربال الحقيقي للمؤثرين. هنا تمايز الصف، وسقطت الأقنعة. منهم من ثبت أنه لا يملك سوى الضجيج، يقتات على الإثارة، ويبيع التفاهة في علب “رأي حر”، فلا نفع للوطن ولا حتى لنفسه. ومنهم من وقف وقفة تاريخية، استخدم منصته لتصحيح الصورة، ونقل الحقيقة، والترويج للمغرب بوعي ومسؤولية، مدركًا أن التأثير أمانة لا لعبة.
الفرق بين النوعين صار واضحًا:
مؤثر يوعي، يحسس، يشرح، يضع الأمور في سياقها، ويُراكم الثقة.
ومؤثر آخر لا يرى أبعد من عدد المشاهدات، يضخ محتوى سلبيا، ويُسهم في تسطيح وعي الشباب، ثم يشتكي من “الواقع”.
في النهاية، لم ينتصر المغرب فقط في التنظيم، ولا المنتخب فقط في الأداء، بل انتصرت الحقيقة. حقيقة أن هذا البلد، حين يقرر، ينجح. وأن التشكيك بلا معطيات لا يصمد. وأن التفاهة، مهما علا صوتها، تفضح نفسها بنفسها عند أول موعد مع الجدية.
كان 2025 لم يكن مجرد بطولة…
كان درسًا.
ومن لم يفهم الدرس، فمشكلته ليست مع المغرب، بل مع ضميره ومرآته المنكسرة.
لحسن أكرام