بحلول 08 مارس من كل سنة تطفو إلى السطح قضية المرأة … تطفو لاستقراء واقعها المعاش واستحضار ما تقدم وتأخر لها من حقوق.. عندها تقف كل مكونات المجتمع ..بتناقضاته وتناحره.. كل طبقاته وشرائحه تقف عبر تعبيراتها السامية والنقابية والحقوقية للحديث عن المٍرأة .. عن قضاياها وحقوقها .. وتخلد الذكرى بمختلف الصيغ والأشكال.. بالاحتجاجات الصارخة ضد واقعها المزري(عنف، استغلال، تسلط ووصاية، عطالة ، فقر…) بالأنشطة حول “تنميتها” بالاحتفالات وبهرجة الندوات والملتقيات والخطب السياسية والدينية والحقوقية… لكن ؟ ! .
لكن من كل هؤلاء يستحضر القضية في موقعها الحقيقي ؟ ! ، من يؤمن بقضية المرأة، ومن يرتزق على تضحياتها؟ ! ، من يقاسمها همها .. ومن يمتطي مأساتها لتأبيد اضطهادها؟ ! .
من .. ثم كيف.. كيف تخلد الذكرى ؟ ! كيف تستقرأ قضايا ومصالح المرأة من بين أسطر الخطب والمواعظ والدعاوي السياسية والدينية والحقوقية ؟ ! .
لمطارحة هذه الأسئلة ومناولتها موضوعيا بما يضع القضية في مسارها الحقيقي .. وحتى لا يخدعنا الآخرون ونخدع أنفسنا .. ونستهلك ونجتر الخطب الفضفاضة .. لابد في البحث عن جذور الذكرى في دلالة 08 مارس وفي مسار القضية قبل وبعد هذه المحطة، دون ذلك فالكل سيطبل للقضية حتى أكثرهم عداء للمرأة.
فالذكرى تعود إلى 08 مارس 1957 يوم خرجت آلاف النساء العاملات في قطاع النسيج بأمريكا إلى شوارع نيويورك للاحتجاج على واقع الاستغلال والاضطهاد الممارس عليهن كنساء عاملات .. يوم خرجن للمطالبة بخفض ساعات العمل من 16 إلى 10 ساعات لتقدير أعمالهن المنزلية.. فهل كانت مطالبهن منطقية؟ ! .هل كان احتجاجهن مشروعا ؟ ! .طبعا الكل سيدعي ذلك .. فهل يعلم الكل إذن أن تعاطي النظام الأمريكي مع هذه الاحتجاجات المشروعة كان دمويا بامتياز.. إن الجيش الأمريكي هاجم النساء بالرصاص الحي وقتل المئات منهن واعتقل الآلاف ؟ ! وهل الكل الآن سيدين المجزرة ؟ ! .
هنا سيبدأ الارتباك.. ستكثر التبريرات.. لكن لم يبق مجال للتضليل.. للنفاق .. انكشف التناقض.. فالقامع والقاتل والجزار واضح.. وهو نظام رأسمالي قائد لمجموع الأنظمة الرأسمالية الامبريالية والكولونيالية، وتعاطيه الدموي يمتد ويتكرر بنفس الحدة أو أكثر في بقاع المعمور حيث تسيطر الطبقات البورجوازية ويسود منطق الربح الرأسمالي وتهيمن علاقات الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج..وهو لا يرفع شعارات ” الحرية” وأيضا ” حقوق الإنسان إلا للاستعباد والقهر… بينما المقموع .. الضحية فهن نساء عاملات كادحات مطالبتهن بحقهن في العيش الكريم مست مصالح الرأسمال في توسيع مجالات النهب والاستغلال..فكانت النتيجة المجزرة.. التناحر الطبقي.. فلا وجود لحقوق الإنسان ..حقوق العمال…في ظل سيطرة رأس المال.
بذلك تموقعت أحداث مارس 1957 في قلب الصراع الطبقي كانعكاس طبيعي وموضوعي للعلاقة الوطيدة بين اضطهاد المرأة المضاعف وبين نمط الإنتاج الرأسمالي والعلاقات البطريركية المرتبطة بظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وظلت حاضرة بمضمونها في نضالات الطبقة العاملة وحركات التحرر العالمية في كل مواقع القهر والاستغلال الطبقيين حيث سقط بعدها كما قبلها ملايين الشهداء واستطاعت الحركات العمالية بنسائها ورجالها تعميم استحضار هذه الذكرى في ربوع العالم وفرضته عمليا وميدانيا كيوم أممي للمرأة ولم يكن اعتراف الأمم المتحدة به سنة 1975 سوى تعبيرا عن الرضوخ لصمود وإصرار هذه الحركات.. فكان يوما أمميا للنساء الكادحات..يوم لكشف وتعرية همجية الرأسمال العالمي الذي يمتص رحيق المرأة وينهب قوتها لمراكمة أرباحه .. يوم لإسقاط الأقنعة عن الشعارات الزائفة «الحرية”: المساواة” وعن إيديولوجيات الرأسمالية الليبرالية التي ترى في المرأة جسدا للإغراء والإثارة، ، وتقدمها للمافيات البورجوازية في الدعارة.. يوما لفضح مختلف الايديولجيات اليمينية التي تقدم استبعاد المرأة وتكرس دونيتها .. وأيضا محطة للوقوف على تضحيات الكادحين عمالا وفلاحين .. نساء ورجالا.. في معمور العالم وعبر التاريخ .. لوقوف على قوتهم وصمودهم في وجه الهجوم البرجوازي الكاسح..وأساسا على قدرتهم واستعدادهم لقيادة البشرية نحو العدالة المساواة .. والحرية الحقة..
يوم بشكل عام يستحضر القضية بعمقها .. الطبقي ليضعها في قلب حرب الصراع الطبقي.. الحرب الوحيدة المحررة لآخر طبقة مظلومة بنسائها ورجالها.. يستحضرها لتفجير تناقضات النظام الرأسمالي القائم على النهب والقمع.. ولفضح كل ارتزاق على القضية وعلى الذكرى من طرف جلادي ومضطهدي الكادحين.. بورجوازية الرأسمالية في أعلى مراحل تعفنها وأذيالهم بكل الألوان الانتهازية .. يوم الالتفاف بالخط التحرري الحقيقي للمجتمع.. خط العمل.. الفلاحين وعموم الكادحين بنسائهم ورجالهم .. من أجل تحصين المكتسبات التاريخية المحققة بالتضحيات الجسام.. ومن أجل انتزاع ما يمكن انتزاعه من الحقوق الطبيعية المسلوبة.. ومن أجل المساهمة في التأسيس والمراكمة لبناء الأداة السياسية القادرة على شق طريق التحرير الفعلي للمجتمع..
فهل تندرج كل البهرجات حول قضية المرأة في هذه السيرورة ؟ ! ، هل الكل يخلد الذكرى بجذورها هذه؟ ! يقف الكل لحمل مشعل النضال عن شهيدات 08 مارس لإحراق العدو التاريخي للمرأة وللإنسانية ككل؟ ! إطلاقا لا..
فوحدهم العمال وعموم الكادحين الواعين بوجوب النضال ضد الرأسمالية وضد النزوع نحو كنف البورجوازية.. هم أنصار تحرر المرأة.. هم طليعة الكفاح التحرري للمجتمع بنسائه ورجاله..
ووحدها الاحتجاجات الصارخة والانتفاض ضد القهر والاضطهاد الرأسمالي هي الصيغ المثلى لتخليد الذكرى .. أما الآخرون..