محمد مرشيش باحث متخصص في التاريخ والتراث الجهوي

يفرض الحديث عن تاريخ مدينة “دمنات” التطرق إلى النواة الأولى التي شكلت القاعدة الأساس لتمدن هذه المنطقة و ظهور المدينة التي حملت اسم دمنات ، فألمدين يعد اللبنة الأولى لظهور مدينة “دمنات” وتأسيسه يرجع حسب صاحب القول الجامع إلى فترة سابقة عن تأسيس المدينة التي ظهرت في موضع مغاير، “…إن مدينة دمنات القديمة كانت في المحل المسمى قديما والآن بألمدين، وربما سميت باسم محدثها وبانيها، قياسا على مدينة نفيس الذي نسبت إليه مدينة نفيس وواديها وإن كان تقدم من ابن خلدون وتبعه الموقت، أنها من بناء أمراء فطواكة” .
تحدث “الوزان” خلال زيارته للمنطقة في بداية القرن السادس عشر، عن موضع ألمدين فذكر أنه يوجد على بعد أربعة أميال في اتجاه الغرب من المدينة، إذ ذكر أنه يوجد بشعاب بين أربعة جبال عالية ، وفي إشارة “لمارمول كاربخال” توافق الأوصاف التي جاءت عند “الوزان” حول ألمدين، ذكر أنه محاط بأسوار متينة وأبراج مشيدة عالية وسكانه من البربر، غير أنه تحدث عن تأسيسه فأرجعه إلى أفارقة قدماء ، فإشارته هاته ربما تصب في النقطة نفسها التي وصل إليها صاحب القول الجامع عندما أرجع بناء ألمدين إلى أمراء فطواكة منذ ما قبل الإسلام، إذ ربما كربخال يقصد ب”أفارقة قدماء” أمراء فطواكة، هذا الكلام يمكن أن يبلغ محله من الصحة إذا ما علمنا أن الإتحاد الهسكوري بعض قبائله أصلها من الصحراء، وربما كربخال هنا يقصد بالأفارقة القدماء، هؤلاء الهساكرة القدماء الذين استقروا بالمنطقة منذ فترة قديمة ومنهم أمراء فطواكة الذين تحدث عنهم صاحب القول الجامع، وبذلك يكون كلام هذا الأخير مطابقا لما جاء به كربخال فيكون ألمدين أقدم في تأسيسه من المدينة وهذا ما سنراه فيما سيأتي، غير أن ألمدين اليوم لم يعد موجودا فقد اندثر واختفى أثره، ويمكن أن يكون ذلك منذ فترة قديمة خصوصا وأننا لا نجد ذكرا له عند “شارل دوفوكو” الذي زار المنطقة أواخر القرن التاسع عشر.
أما فيما يتعلق بالمدينة “دمنات” هي الأخرى تاريخ تأسيسها غير مضبوط، إذ هناك تضارب في الروايات حول تاريخ التأسيس ومن الروايات التي تواترت واشتهرت حول تأسيس هذه المدينة، رواية ترجع تأسيسها إلى موسى بن نصير وفي هذا السياق يقول صاحب القول الجامع:”…فمما شهر أنها من بناء وإحداث موسى بن نصير أحد خلفاء عبد الملك ابن مروان، وهذا هو المعتمد عند قدماء أهل البلد وأعيانها، فيكون تأسيسها على هذا في حدود 80 من القرن الثاني للهجرة، فتكون حينئذ أقدم وأسبق من مدينة مراكش الحالية بأعوام، إن مدينة مراكش أسست عام بسط 292 ودمنات عام فق180، وفاس عام قصب162.” . انطلاقا من هذا القول فمدينة “دمنات” في تأسيسها سابقة على مدينة مراكش، غير أن الأستاذ “أحمد عمالك” الذي حقق هذا المخطوط “القول الجامع” أقر أن هذه التواريخ التي جاء بها “أحمد نجيب الدمناتي”، تبعد عن الواقع التاريخي كل البعد، وأن صاحب المخطوط قد نقل هذه التواريخ بدون ترو عن القائد “عمر المزواري الأكلاوي” الذي لا يعرف المصدر الذي أخد منه هذه المعلومة، غير أننا صادفنا إشارة عند الوزان، تشير إلى أن دمنات كانت تعرف بالمدينة حتى قبل تأسيس مراكش، يقول الوزان: “…وقد سألت أحد شيوخ هذه الناحية، فأكد بأنه وقومه يعرفون بأن دمنات، كانت تعرف بالمدينة قديما، حتى قبل تأسيس مراكش فيما يتناقلون…” ، هذه الإشارة تؤكد ما جاء عند “أحمد نجيب الدمناتي” على أن دمنات سابقة في عمارتها على مراكش، وفي السياق نفسه يقول التوفيق: “هناك روايات متناقضة حول تأسيس دمنات، تريد كل منها أن تجعلها مؤسسة على يد هذا الأمير أو الفاتح، قياسا على المدن الكبرى، ونرجح أنها نمت من قرية صغيرة دانت بعمارتها للوضعية المهمة التي توجد فيما بين طرق مهمة بين قبائل كبيرة، والغالب أن قصبتها بنيت على عهد الموحدين، وما هو متواتر عند يهود “دمنات” أن ملاحهم سبق ملاح مراكش بأربعمائة سنة وهذا ما يؤكده صاحب الإعلام في القسم المخطوط، وحسب نزهة الحادي ص(365) فإن ملاح مراكش بني على عهد عبد الله الغالب السعدي سنة 970هـ وقبله بأربعمائة سنة بالضبط أمر يعقوب يوسف الموحدي ببناء الدور في حصن هسكورة.”
يرجع “أحمد التوفيق” تأسيس قصبة دمنات إلى العهد الموحدي، ويعتبر أن ملاح يهود دمنات سابق في تأسيسه بأربعمائة سنة لملاح مدينة مراكش الذي أسس سنة 970هـ، وبذلك فملاح دمنات بني هو الآخر في عهد يوسف يعقوب الموحدي الذي أمر ببناء الدور في حصن هسكورة، إذن “فالتوفيق” ينفي ما جاء عند “أحمد نجيب الدمناتي”، الذي ذكر أن مدينة “دمنات” من بناء موسى بن نصير، غير أن “التوفيق” رجح أن تكون دمنات قد نمت من قرية صغيرة ودانت بعمارتها، معنى هذا أن دمنات كانت تعرف العمارة حتى قبل تأسيس قصبتها، وربما كلامه هنا ينطبق على ألمدين الذي شكل النواة الأولى لمدينة دمنات، والذي بينا أنه في الغالب بني قبل الإسلام، و بذلك يكون وجوده سابق عن وجود مدينة مراكش، مما يجعل الطرح الذي يعتبر أن دمنات سابقة في ظهورها عن مراكش أمرا واقعا.
وعندما تحدث “الوزان” عن تأسيس دمنات، ذكر أنها من تأسيس أهل هسكورة ، ربما هنا يقصد بأهل هسكورة “الموحدين”، وبذلك يكون كلامه مطابقا لما جاء عند أحمد التوفيق، وهذا ينفي كليا الرواية التي تقول أن المدينة من تأسيس موسى بن نصير، وربما يقصد بكلامه الهساكرة الذين استقروا منذ فترة قديمة بالمنطقة وهذا ما يحيل على الإشارة السابقة أن دمنات نمت من قرية صغيرة ودانت بعمارتها، وبذلك تكون دمنات كمدينة قد ظهرت قبل الموحدين، وأن الموحدون قاموا بتطوير بنائها عن طريق بناء القصبة، وبناء الملاح “الحي الخاص باليهود”.
وكانت مدينة دمنات خلال القرن السادس عشر عامرة بالسكان، إذ كان بها حوالي ألفي كانون وكان معظم سكانها من الصناع خصوصا صانعوا السروج “السراجون” و معالجو الجلود ” الدباغون” وكان بها عدد مهم من التجار، و بها عدد كبير من اليهود معظمهم يتعاط للتجارة والصناعة، نفس الشيء ينطبق على ألمدين فهو الأخر كان يقطنه التجار والصناع، وقد بلغ عدد الكوانين به خلال هذه الفترة حوالي ألف كانون .
وقد وصف الوزان دمنات كمركز تجاري مزدهر، إذ ذكر أنها كانت تعج بالتجار من كل النواحي حتى من مدينة فاس، حيث كان تجار فاس يأتون من أجل المتاجرة بالمنطقة إذ كانوا يستبدلون سلعهم التي كانت في الغالب سلعا مرتبطة بالنسيج، بالسروج والجلود ، فكما أشرنا فالمنطقة كانت معروفة بمعالجة جلد المعز الذي كانت تصنع منه الأحذية، وأغطية السروج المطرزة ، ولا تختلف هذه الوضعية خلال القرن السابع عشر، إذ كانت دمنات مركزا للمعاملات التجارية مع المدن الكبرى كفاس ومراكش، وجبال انولثان وفطواكة والقبائل المجاورة وتجار قبائل جنوب الأطلس .
وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت عمارة مدينة دمنات في حالة جيدة، إذ كانت المدينة محاطة بأسوار مسننة تجهزها دكة رمي الرصاص وبها أبراج ، وكانت لها ثلاث بوابات وكان للقصبة حزاهما من الأسوار تحميها خنادق، وداخل هذه التحصينات شيد المسجد ودار القايد وشيدت جميع بنايات المدينة ، وقد رافق هذا ازدهار في التجارة إذ كانت تقصد المدينة قبائل الأطلس والصحراء “دادس وتدغة” من أجل التزود ببعض حاجياتهم من البضائع المصنعة القادمة إما من أوربا أو من بعض المدن المغربية، كالنسيج والسكر والمجوهرات، كما كانت تقتني هذه القبائل أحيانا القمح ، وبعض المصنوعات المحلية كالأحذية والأواني الفخارية وسكك الحرث ، فقد كانت المنطقة خلال هذه الفترة معروفة بالعديد من الصنائع، كصناعة الخشب والدوم، صناعة المعادن، صناعة الخزف والفخار، صناعة النسيج وصناعة الجلود ، وفي مقابل ذلك كانت تحمل هذه الأخيرة إلى” دمنات” الجلود والصوف والثمور، التي كان يتاجر بها مع مراكش، لقد كانت هذه التجارة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية بالمنطقة أنذاك، غير أنها ستتراجع نظرا للضرائب الثقيلة التي كانت تفرض على التجار، إذ كان مفروض عليهم أداء ضريبة المكوس وضرائب أخرى، إذا ما أرادوا إدخال بضائعهم إلى أسواق “دمنات”، الشيء الذي جعل التجار الذين كانوا يترددون على المدينة يغيرون وجهتهم نحو مناطق أخرى .
جاء انتعاش التجارة بدمنات نظرا لطبيعة الموقع الاستراتيجي للمنطقة، الذي جعل منها مركزا تجاريا على مستوى الأطلس الكبير الأوسط، فهذا الموقع جعل المنطقة تقع في ملتقى طرق تجارية كان لها وزنها في تجارة القوافل، إذ كانت للمنطقة وضعية ممتازة في طرق التبادل التقليدية، بسبب تواجدها على طريق الدير وعلى المسلك التقليدي بين مراكش وتدغة، وبين الحوز ودرعة، بالإضافة إلى كونها السوق الكبرى لمجموعة من القبائل بالمنطقة، كإينولتان وإنفظواكن وبعض القبائل الأخرى،”…كانت تمر بدمنات طريق جد مطروقة بين أغمات وبين مراكش ومراكز الدير،(أنماي،أزيلال،خنيفرة،صفرو).وكانت دمنات من جهة أخرى محطة بالنسبة لبعض القوافل التي كانت تعرج عليها، في الطريق التقليدية بين مراكش و فاس المارة على السراغنة فقنطرة العثامنة على أم الربيع …وتحتل دمنات من جهة أخرى، وضعية مهمة بين قبائل الجبال التي تقع جنوبها وبين قبائل السراغنة وسيدي رحال بزمران، وهذه الأخيرة هي طريق مراكش، كما تمتد منها طريقان نحو تيزي ن تلوات…أما تدغة فكانت تبتدئ من دمنات إلى جبل تامادوت…فأوسكيس فتدغة.”
جعلت هذه الظروف أهمية كبرى لمدينة دمنات لدى سلاطين الدولة المغربية، فقد كانت في بداية الدولة الموحدية من المناطق الأوائل التي تم غزوها من قبل الأمير عبد المؤمن ، وخلال الفترة السعدية جاء عند الفشتالي في مناهل الصفا أن السلطان المنصور بالله السعدي ولى عليها أحد كبار دولته وهو أبي إسحاق إبراهيم السفياني ، كما كانت لها أهمية كبرى لذا سلاطين الدولة العلوية إذ كانت محط زيارة للعديد من هؤلاء السلاطين، ونذكر من هذه الزيارات، زيارة السلطان مولاي اسماعيل بات فيها حين كان راجعا من تافيلالت متوجها إلى مدينة مكناس، زيارة السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل، زيارة أيضا السلطان محمد بن عبد الله، زيارة السلطان مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله، زيارة السلطان مولاي الحسن الأول، زيارة السلطان مولاي يوسف بن الحسن، ثم زيارة كذلك السلطان محمد الخامس .
وعرفت دمنات انتعاشا تجاريا وصناعيا خلال الفترة الاستعمارية، نتيجة ظهور نمط اقتصادي جديد ساهم في انتعاش اقتصاد المنطقة، يلغي النمط التقليدي الذي كان يرتكز على تجارة القوافل يقول صاحب القول الجامع “…وبالجملة فإن هذه المدينة لا تخلو من أي حرفة من الحرف التي يتعاطاها غيرها من المدن، وهي إن كانت صغيرة بالنسبة لغيرها من النواحي، سيما ومواردها الآن هامة، إما من الدار البيضاء، وإما من مراكش، ترى الكاميونات على اختلافها، تغشاها ملئانة بأنواع السلع، زيادة على الحافلات للركوب، وما تحمله من السلع من مراكش، وعدد غير قليل من العربات تتوارد بين مراكش ودمنات، ذهابا وإيابا كل يوم، تسهيلا على التجار…” ، اقتصاد كانت سلبياته واضحة فيما بعد إذ أدى إلى خفوت دور دمنات كممر للقوافل التجارية، نتيجة فتح طرق جديدة لوسائل نقل حديثة، تربط بين مختلف المدن المغربية منها طريق تيزي نتشيكا التي ألغت دور دمنات في تجارة القوافل الصحراوية.