بقلم عبد العزيز المسيح بني ملال 2 مارس 2020/ومع/ سجل عدد من المهتمين والباحثين أن المؤشرات المتعلقة بوضعية المرأة بجهة بني ملال –خنيفرة “في تحسن مطرد” تجسده العديد من “المكاسب الهامة” التي حققتها في مجالات متعددة، غير أن ذلك لم يؤهلها لتصير “عنصرا مؤثرا ومندمجا” في الدينامية المجتمعية والتنموية بالمنطقة. من هذا المنطلق يرى هؤلاء، في تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن السياسات العمومية الوطنية والجهوية ارتكزت خلال العشريتين الأخيرتين على توجه يعتبر أنه لا يمكن تحقيق أية تنمية أو تقدم دون توفير الشروط لإشراك النساء في الشأن العام ومراكز القرار وتحقيق المساواة والإنصاف والنهوض بأوضاعهن، من خلال تمتيعهن بمختلف الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أن البرامج والمشاريع التنموية تسعى جاهدة إلى تبني هذا التصور والمقاربة لقضية المرأة ودورها في المجتمع والتنمية المستدامة.
ويمكن القول أن هذا التوجه قد حقق بعض المكاسب لصالح النساء بجهة بني ملال-خنيفرة، بوأتهن مراكز ومواقع قيادية وتدبيرية على المستويات السياسية والاقتصادية والجمعوية والمدنية، لكن كل ذلك ، وفق عدد من هؤلاء الملاحظين والمتتبعين ” لم يحقق تلك الطفرة النوعية” في وضعية المرأة بهذه المناطق يجعل منها “فاعلا حاسما” في كل مشروع مجتمعي وتنموي جهوي ووطني ، ينهض على قيم الحداثة والديمقراطية والعدالة والإنصاف، وذلك بالنظر إلى أوضاع الفقر والتهميش والإقصاء التي ما تزال تعيشها ، والخصاص المهول الذي تعاني منه في العديد من المجالات، خصوصا بالعالم القروي والجبلي بالجهة علاوة على النظرة الدونية التي ما تزال تحكم العقليات في تعاملها مع قضايا نصف المجتمع.
في هذا السياف استعرضت سعاد بلحسن الأستاذة بكلية الآداب والعلوم الانسانية ببني ملال والفاعلة الجمعوية المكاسب التي حققتها المرأة المغربية سواء على المستوى الوطني أو الجهوي، مشيرة إلى أن النساء اقتحمن مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والجمعوية وعالم المقاولات التي كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجال.
وأبرزت أن النساء في القرى والمناطق الجبلية بجهة بني ملال-حنيفرة أصبحن منتجات ومشاركات في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وحارسات للتراث الثقافي للمنطقة ، مشددة على ضرورة إيلاهن أهمية أكبر من خلال تشجيعهن وإدخالهن في دورة الإنتاج من خلال دعم مشاريع مدرة للدخل والعمل على خلق آليات وظروف مواتية لتسويق مشاريعهن، علاوة على تقديم الدعم المعنوي لهن وحثهن على الانخراط في مؤسسات وتعاونيات وجمعيات.
وأضافت أن التوجهات التنموية الجهوية ما فتئت تقترح برامج ومشاريع ترتكز على إدماج النساء في المسار التنموي والاقتصادي، وأن مسلسل تعزيز حقوق المرأة ما فتئ يراكم نتائج إيجابية تحتاج إلى مزيد من الدعم والتثمين.
وبالرغم من النتائج الإيجابية التي تحققت في سياق الإصلاحات الدستورية والسياسية ذات الصلة بوضعية المرأة على المستوى الحقوقي والسياسي والانتخابي والتمثيلي والتدبيري، فإن واقع المشاركة المنصفة والكاملة للمرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي مؤسسات الحكامة ومراكز المسؤولية ، في نظر عدد من هؤلاء المختصين، “لم يرق بعد لانتظارات” هؤلاء النساء المغربيات والمجتمع المدني والفعاليات الحية، حيث ما زالت العديد من الإكراهات تحول دون تمتعهن بكافة حقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
في هذا الصدد يرى الباحث في التنمية الاجتماعية محمد خدي أن وضعية الإقصاء الإجتماعي ومؤشرات الفقر والأمية والبطالة لازالت مرتفعة في صفوف النساء أكثر من الرجال بجهة بني ملال-خنيفرة، مشيرا في هذا الصدد إلى أن نسبة الأمية بهذه الجهة ، على سبيل المثال، تصل إلى 27.7 في المائة لدى الرجال فيما يعاني حوالي نصف نساء الجهة من الأمية (49.9 في النمائة)، وذلك حسب الإحصاء العام للسكان و السكنى لسنة 2014.
وأوضح أن نساء الجهة يعانين من عدة مشاكل وتبقى أغلب حاجياتها و متطلباتها غير مستجابة، حيث لا تدخل ضمن اهتمامات الفاعلين الترابيين ويعود هذا بالأساس إلى العامل الثقافي و التمثلات المرتبطة بالمرأة من جهة، ومن جهة أخرى إلى “غياب أو تغييب المرأة عن تدبير الشأن المحلي ، ورغم المجهودات التي تبقى مناسباتية والتدخلات القطاعية التي تفتقر إلى الالتقائية والتكاملية لازالت المرأة بالجهة تعاني من عدة ظواهر ، أهمها تزويج القاصرات وتشغيل الأطفال في البيوت، إذ لا يزال التعاطي مع الموضوعين محدودا”.
وخلص إلى القول أن المرأة بهذه الجهة تعاني بصفة عامة من عدة مشاكل تعيق ولوجها للحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والحماية والتمكين الاقتصادي والمشاركة في الحياة العامة ، معتبرا أن ورش الجهوية المتقدمة قد يكون فرصة للرقي بوضعية النساء بالجهة سواء من خلال تحسين الأجوبة المؤسساتية في ما يتعلق بمشاكلهن وحاجياتهن أو الإدماج لمقاربة النوع في السياسات العمومية المحلية وعلى رأسها برنامج التنمية الجهوية.
وفي معرض رصد بعد ملامح واقع المرأة بالجهة، توقف رئيس جمعية المحامين الشباب ببني ملال صالح زرود عند ظاهرة زواج القاصرات الذي يتفشى عند فئات واسعة من مناطق الجهة، خصوصا المناطق القروية والجبلية بسبب عوامل الفقر والهدر المدرسي والخلفيات الثقافية والتقاليد ، وما ينتج عن ذلك من تداعيات نفسية واجتماعية تحول دون إرساء تنمية شاملة بجهة بني ملال-خنيفرة.
وأبرز أن السلطات المحلية تحاول وقف هذه الظاهرة من خلال عدم الاستجابة لطلبات الزواج المتعلقة بهذه الفئة، غير أن آباء وأولياء هؤلاء القاصرات يلجأن لسياسة ” الأمر الواقع” من خلال قبول تزويج بناتهن بالفاتحة، مشيرا إلى أن عدم توثيق هذه الزيجات يطرح إشكاليات أخرى إضافية تنعكس سلبا على أوضاع الأسر من هذا النوع، بالنظر إلى الوضعية غير القانونية التي يجد فيها هؤلاء أنفسهم دون توثيق زيجاتهن، والتي غالبا ما تؤدي إلى الانفصال التلقائي وضياع الأطفال.
وأشار إلى ارتفاع حالات الطلاق المتعلقة بهذه الفئة ، معزيا ذلك إلى امتناع أزواج هؤلاء القاصرات ، في غالب الأحيان، عن النفقة على أطفالهم مفضلين في حالات لجوء زوجاتهن إلى المحكمة قضاء مدة الحكم على أداء مستحقات هذه النفقة، بينما تضطر هذه الفئة من المتزوجات إلى طلب الطلاق حتى تتمكن من الاستفادة من صندوق التكافل العائلي، داعيا إلى إعادة النظر في العديد من فصول مدونة الأحوال الشخصية من أجل إيجاد أجوبة ملائمة لهذه الأوضاع.
وفي سياق متصل أكد نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال ، محسن إيدالي أنه تزامنا مع إطلاق مشروع النموذج التنموي الجديد يتعين التأكيد على أن “دور المرأة في المغرب لم يتم تكريسه بالشكل المطلوب”، كما يحدث في بلدان متقدمة، حيث تشغل النساء نسبة 50 في المائة من مواقع المسؤوليات الحكومية والترابية والاقتصادية.
وبعد أن اعتبر أن النهوض بحقوق النساء يشكل “تحديا سياسيا واجتماعيا وثقافيا” ، سجل أنه على المستوى التنموي ما تزال النساء بعيدات عن تحقيق طموحاتهن، مما يطرح على الأحزاب والنقابات ضرورة العمل على تغيير الصور النمطية التي من خلالها ينظر المجتمع والفاعلين للمرأة.
وأضاف أن جهة بني ملال جهة واعدة لكن المرأة تعاني بها من الفقر والتهميش ، يبقى دورها محتشما يتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين من أجل وضع خارطة طريق لاستعادة دورها كمحرك لأي مشروع تنموي أو ثقافي منشود.
وإجمالا يمكن القول أن مسار تعزيز حقوق المرأة عرف خلال العشريتين الأخيرتين تراكمات إيجابية على درب توطيد الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، غير أن ذلك يبقى “غير كاف” من أجل جعل المرأة في “صلب كل مشروع تنموي أو مجتمعي نهضوي” ، وعنصرا مؤثرا وحاسما في مواقع “القرار السياسي والاقتصادي”.