بقلم سعيد مطيع
“المجال والحياة اليومية لأيت حمامة وعلي 1922- 1956” عنوان أطروحة تقدم بها الباحث عثمان زوهري لنيل الدكتوراة في التاريخ والتراث الجهوي، عمل جاد استهله الباحث بتناوله للمفاهيم التي ينهض عليها البحث برمته بإسهاب، الأمر يتعلق بالمجال والحياة اليومية فضلا عن التعريف بقبيلة أيت حمامة، تناولهما في حدود التاريخ المذكور منتبها إلى عنصر الزمن وأهميته البالغة في تحديد سيرورة الاحداث وبصمتها على المجال.
بلغة عربيةسليمة، وبأسلوب يمتح من مشارب مختلفة من العلوم الإنسانية تنم عن موسوعية الباحث وانفتاحه الكبير على مختلف التخصصات العلمية التي يتقاطع معها علم التاريخ كالسوسيولوجيا، والاتنوغرافيا، والانثربولوجيا، والجغرافيا، دون إغفال فلسفة التاريخ التي دخل الباحث من بابها الواسع إلى البحث التاريخي بامتياز. انفتاح يغني البحث ويعطيه نوافد كثيرة، تتيح قراءة التاريخ المحلي والجهوي بأسلوب جديد، يعطيه نكهة معرفية تعين على فهم تاريخ الذهنيات والتحولات التي مست المجال المدروس خاصة والبادية المغربية عامة في زمن البحث المحدد والممتد أيضا إلى ماقبل الحماية وما بعدها، بشكل يعيد قراءة تاريخ “ايت حمامة وعلي” في تفاعلهم مع تحولات مجالهم سواء المجال المعيش) vécu) او المجال المدرك(perçu (زمن “الحماية” الفرنسية دون بتر أو اجترار، مجال طبع بأحداث قوية سياسية وعسكرية كان لها وقع كبير على الاقتصاد المحلي وعلى التوازنات القبلية وعلى الحياة اليومية بشكل كبير.
ومن الناحية المنهجية، فالباحث احترم خطوات البحث التاريخي ونهجه واصفا مفسرا محللا واصلا إلى مرحلة التركيب وإعادة إنتاج لتفاصيل مشاهد معاشة وطقوس ميزت الحياة اليومية وسلوكات ايت حمامة وعلي على مجالهم.
عرض الباحث لخطوات التفكير التاريخي، جعله في كل مرة يستحضر خلالها بشكل ذكي الفرضيات العامة التي انطلق منها والأجوبة المؤقتة التي توصل إليها حتى أن القارئ يواكب برفقته تطور مراحل البحث بكيفية جلية، من خلال الخطوط العريضة للبحث وفصوله ومباحثه الرئيسية التي تؤطر البحث وتحول دون أن يزيغ عن عناصره الاشكالية الكبرى.
أقف لحظة عند المقاربة الإبستمولوجية النظرية لهذا العمل الجميل وإشارته القوية إلى مناهج البحث التاريخي ومختلف مستويات الكتابة التاريخية لدى كل من مارك بلوك Marc BLOCH، ولوسيان فيفر Lucien FEBVRE، وفرنان بروديل Fernand BRAUDEL، وآخرين كُثر يأتي الباحث على ذكر العديد منهم مع اقتطاف نصوص معبرة من مؤلفاتهم التي تعطي لهذا الإنجاز العلمي التاريخي أهمية بالغة، تنبع من كونه في نفس الآن تلخيص تركيبي لجملة من المعارف المتراكمة في هذا الميدان، معتمدا في ذلك على مجموعة من النصوص الدالة التي تطل علينا من حين لأخر، ومن خلال الاستشهادات الغزيرة المتضمنة في البحث.
وهذا الجانب في حد ذاته يوفر الكثير من الاستفادة للقارئ غير المتمرس، بل حتى للمختص، الذي ربما لم تتح له فرصة الاطلاع على الأعمال التي يستشهد بها الاستاذ عثمان زوهري. وقد يكون في ذلك حافز على مراجعة الأعمال الأصلية التي لا تغني عنها الاستشهادات مهما طالت على أي حال. ومن جهة أخرى يلمس القارئ مدى متانة التفكير النسقي لدى الباحث وموسوعيته.
إن هذه الدراسة القيمة التي نوهت بها الهيئة المشرفة على المناقشة واعتبرتها ترقى إلى مستوى دكتوراة دولة نظرا لعدة اعتبارات منها أسسها البحثية الهامة وأخرى متعلقة باعتمادها على ترسانة هامة من الوثائق التاريخية التي تحصل عليها الباحث بجهد جهيد وبتنقلات مكوكية بين المكتبات الوطنية والأجنبية و الأرشيف المحلي، الموروث من زمن الحماية، أو الرواية الشفوية، التي سعى الباحث بكل ما أوتي من حجج مقنعة، لإبراز الجوانب المُجدية في اعتماد الذاكرة والرواية الشفوية في الكتابة التاريخية المحلية والجهوية، بأسلوب مقارن بين المكتوب والمدون والمتداول بين السنة لمسنين، عاشوا وعايشوا هذه اللحظة التاريخية بتفاصيلها الدقيقة، التي تجعل القارئ لهذا العمل يسترجع ويعيش هذه الفترة الزمنية منذ احتلال “المسيد 1922 إحدى المعاقل الرئيسية لأيت حمامة وعلي إلى حدود 1956، بتحولاتها الكبيرة تحت تأثير القرارات الكولونيالية التي مست المعيش اليومي، لأهالي ايت سخمان تحديدا “ايت حمامة وعلي” في جوانب كثيرة، رغم المقاومة الذهنية والمناعة الثقافية والحضارية والهوياتية، متسلحين في ذلك بعوائدهم وتقاليدهم الموروثة في تدبير قضاياهم اليومية على المجال.
وهنا لابد أن نشير إلى البوصلة الموجهة للباحث المتمثلة في الاسئلة الطارقة التي تهمم بها للإجابة عنها، مستحضرا الدراسات والأبحاث، التي تناولت بشكل أو بأخر التاريخ القبلي المغربي زمن الحماية الفرنسية، ليستعرض مواطن الاختلاف والتشابه من اجل تقديم رؤية جديدة، وخاصة لموضوع الاشكالية، بذلك ينطلق بنا الباحث من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى العام بشكل سلس ومرن وبتفوق كبير.