استطاعت بضع لقطات مسربة من فيلم” الزين لي فيك” ، لمخرجه نبيل عيوش ، تحريك المياه الراكدة ، هاته اللقطات الجزئية أحدث رجة معهودة في مجتمع ، ما زال يتحسس طريق اختياراته ومصالحته مع ذاته .
طبيعي جدا في مجتمع مكبل فكريا و ثقافيا ،و لا يستطيع التعبير حقيقة عن رغباته و الكشف عن مكنوناته الوجدانية و النفسية بسلاسة ، كمن يمشي في حقل الألغام ، مما ولد لدينا أحاسيس منشطرة حد جلد ذواتنا و بقسوة ، في أحايين كثيرة .
و أمام هذه المفارقات و التناقضات ، يستكين جزء كبير لسياسة التقية و النفاق و رمي الأخطاء على غيره .
فهناك من دعا إلى محاكمة و إسقاط الجنسية على مخرج الفيلم وبطلته، وهناك من خرج للاحتجاج ضد الفيلم ، ولم يخرجوا عندما تم إطلاق سراح الاسباني ” دانيال ” مغتصب الأطفال وغادر أسوار السجن دون استنفاد العقوبة المحكوم بها وخرج دعاة الحداثة و التقدمية في إبانه للتنديد بهذا المنزلق التدبيري .
و هناك من يقود حملة تكفيرية شنيعة من هنا وهناك دون أن يكلفوا أنفسهم الانتظار لمشاهدة الفيلم و بالتالي الحكم عليه من الناحية الفنية و القيمة السينمائية وغيرها جوانب… ، وأنا أعلم أن مثل هؤلاء لا يؤمنون بالبث و المطلق بجميع أشكال التعبيرات البشرية الفنية و المسرحية على مر العصور، ويعتبرونها بدعــة و رجس من عمل الشيطان .
تستحضر اللحظة ما قاله الوزير الخلفي حول مبررات ومصوغات قرار المنع : ” حتى لا نعطي للفيلم اعترافا مؤسساتيا ” وهذا كلام قيل عن التجربة العاطفية للكوبل الحكومي حول زواجهما زواج التعدد ، وأشرنا في مقالة سابقة ، لاستغلال الوزيرين لمنصبهما المعنوي، يعطى بعدا عموديا ومؤسساتيا لظاهرة زواج التعدد.
و لا ، و لن يستطيع الخلفي ومن معه ، منع المرور المباشر بالقناة العمومية الثانية للمغنية الأمريكية جينيفر لوبيز في إحدى لياليها بمهرجان موازين 2015 و بلباسها وحركات لا تروق الدعوي و السياسي المحافظ . ” مع أنه في زمن قريب كان الخلفي ومن معه من مناهضي مهرجان موازين .
في مثل مناسبات كهذه ، يخرج المحافظ ومن ولاه ، من جحره وتعتلي هلم منبر وموقع ، لتسويق الطهرانية و الورع و اهتمامه بالمجتمع و هو النموذج و القدوة و يملك المقاس و القياس لشكل ومظهر و شكل المرأة و تحديد مكانها الطبيعي البيت ، وأن ذلك وحده كفيل بضمان عيشها الكريم .
ثم يمر لتكفير الفنان و المبدع و … و تحريض المريدين لمباشرة فعل كذا وكذا ،وهو طريق الجنة حسب مخيلتهم الضيقة و الملتبسة .
مشكلة المحافظين أنهم لا يملكون بدائل وحلول لويلات المجتمع سوى بدائل تصرف دوما في الماضي ، هذا أكبر عجز فكري و ثقافي و حتى سياسي لدى المحافظين ،و إن ذل هذا على شيء إنما يدل على أن المحافظين هنا وهناك “علامات وقف ” في التاريخ ،بتعبير فلاسفة الأنوار .
تفوق الفيلم في إعادة لفت الانتباه لظاهرة الدعارة ، وما ساعده في اعتقادي التعبيرات العامية المباشرة بدون استعارات لغوية من منهل أل قريش أو بني هلال ، و تسمية الأعضاء البشرية بمسمياتها بلغتنا العامية اليومية .
“الزين لي فيك ” فتح النقاش على مصراعيه من جديد ،وساءل مجتمعنا ووضعه تحت المجهر ، ونقل لنا معاناة فئة اجتماعية دفعتها أمواج الإقصاء و الاستبعاد الاجتماعي لمعانقة الليل و فظاءاته الهمجية ،واستثمار الجسد البشري المغربي ،و استغلال فقره وعوزه ، لتلبية رغبات ونزوات ضيف خليجي عابر .
وحتى إن عرض الخليجي على أنظار القضاء يتابع في حالة سراح وبكفالة مالية ، بينما الشريكة المغربية تودع السجن و لا تقبل أي كفالة ” إيوا فهم أنت شي حاجة ” .
و المحافظ و المنافق هنا لا يرفع عقيرته أبدا ليقول أي شيء أبدا أمام هذا الاستغلال ، كما تعامله مع باقي قضايا شعبنا من تزوير إرادة الشعب و تهريب المال و غسله و تبيضه وحتى “ترقيضه “و الالتفاف على مطالب الشعب ونهب خيراته وعدم توزيع ما تبقى منها بشكل عادل وحرمان الآلاف من حق العمــل و عدم رفع أجور العاملين و تعنيف المحتجين و اعتقالهم ، وهلم جرا من مظاهر القبح لي فينا .
أزيلال 02 يونيو 2015
الخامسة صباحا