كنا ننتظر مجيء العيد من العيد إلى العيد.. كانت لنا فرحتان: فرحة انتظار وسعادة يوم العيد.. كان السرور يملأ قلوبنا.. كانت البشاشة تملأ شاشة وجوهنا.. كان كل واحد منا لنعم ربه حمد شكور.. ياله من سرور! ويا له من حبور!
كنا، نحن أبناء ” ما وراء الشانطي”، ننتظر إخوتنا، الذين كانوا يشتغلون في المدن، لكي يشتروا لنا ملابس العيد.. كنا نفرح بتلك الملابس، رغم بساطتها، غاية الفرح. كنا نضعها تحت الوسادة الليلة التي تسبق العيد، وننام حالمين بارتدائها صباح العيد. نعانقها ونشم رائحة معامل الصين الشعبية ممزوجة برائحة قيسارية القريعة الشهيرة.
في صباح العيد السعيد، ما أن نفرك عيوننا من ” العمش” حتى نهرول لارتداء “الحطة” وتناول الفطور في “اللمة العائلية”، التي نفتقدها اليوم، ثم نبدأ، في مجموعات، جولات مكوكية لتهنئة الأقارب والجيران باب باب.. حارة حارة..
كان الجميع يستقبل الجميع بأكلات شعبية يتقدمها الأرز الصيني الأبيض أو ” أس/زكيف” أو ” تاروايت” بالزيت/العسل/السمن البلدي… كانت القلوب أبيض من الجلابيب و ” الفواقي” البيضاء التي كان الكهول والشيوخ يرتدونها..
كانت صلاة العيد تتأخر إلى ما بعد الحادية عشرة صباحا.. كانت فرصة لتبادل الزيارات والتهانئ الأولية.. وما أن ينهي الإمام خطبته حتى تبدأ عملية ” الإستعناق والإستبواس”.. فالكل يسلم ويعانق الكل..
وفي المساء تبدأ الزيارات العائلية الرسمية في جولتي الذهاب والإياب.. وقبل ذلك، تعيش الجماهير الكروية حماس الدوري المحلي الذي كان يشهد منافسة قوية في دربيات حارقة أهمها الإتحاد والشباب..
اليوم تغيرت الكثير من القيم، تحولت الكثير من العادات.. ..تبلدت الكثير من المشاعر والأحاسيس.. تراجعت الروح الجماعية والعائلية لصالح النظرة الفردانية المادية.. وتم استبدال ” تاروايت” ب” كعب الغزال” و رحم الله من كانوا يضفون ” تاضفي” على تلك الأيام الخالدة…
#الكاتب_جمال_أسكى