من كان ينتظر يوما أن تصل وقاحة المواجهة بين تيارات داخل الساحة السياسية المغربية، إلى درجة استعمال “اللحم البشري” واللجوء إلى أساليب غير أخلاقية، كاستقدام الراقصات العالميات للتعري “ضدا على” فكر وأفكار الخصوم، إلى التراشق بالعبارات السينمائية الساقطة، غالبا ما لاتسمع الا في “بورديلات” الدعارة، وذلك طبعا بغية فرض نمط فكري غريب، دون ادني اعتبار لمجتمع مغربي يمر بفترة حساسة وهو يواجه طوفان العولمة بأدوات غير مُعولمة .
وسط هذه المواجهة، بين بعض التيارات ، وبذكاء مُلفت، تمكنت جهة من التسلل إلى مهرجان موازين، وحاولت استعمال منصاته لضرب خصمها السياسي، معتقدة أنها أداة ضاربة، وتتصيد الفرص للاحتماء وراء اسم “الملك”، الذي يُنظم المهرجان تحت رعايته.
وبسبب هذا التسلل، ارتبك مهرجان مغرب الثقافات، واختلت موازينه، وكأنه يرقص على الجراح وعلى الهموم اليومية للمواطن.
فكيف يَقبل منظمو هذا المهرجان على صرف تلك المبالغ الكبيرة، على أنشطة غير ذات منفعة للبلاد، بل وباتت بعض فقراته مضرة، وستحتاج إلى أعوام لتضميد جراحها، كما كان لمخلفات سهرة لوبيز التي كسرت مجموعة من الأدبيات المعروفة داخل بيوت المغاربة.
فلماذا لا يتنافس المنظمون وغيرهم، حول من يصرف الملايير على شعب لايزال يعاني من كل الظواهر السلبية، ألسنا غارقين في الأمية حتى الإذنين؟
ألسنا سادة العالم، بمديونية قياسية؟
ألسنا أمة غارقة في البطالة، وترفع رأسها بكبرياء لا نظير له، لتغوي جيوب راقصات بالملايين، ومعطلونا يأكلون الهراوة أمام أكبر المؤسسات بالبلد؟.
ألسنا أعظم امة؟
فثقافتنا رائدة وعِلمنا واسع، ورياضيونا عمالقة، وإعلامنا مهيمن، ومسموع، وجانبنا مُهاب واقتصادياتنا متفوقة..
إنه من الصعب بعد، فضائح سهرة لوبيز، التحدث عن حرية التعبير، لأنها باتت “سوء نية”، ولا عن الحداثة لأنها أضحت قنطرة للميوعة ونشر الفكر الغريب عن مجتمعنا.
أليس الرقص بطريقة لوبيز العارية، ايدانا باختلال الميزان والموازين، وتحول رقصها إلى رقص على الجراح، ألا يستحق فنانونا تلك النعمة والإكرامية التي كرمت بها لوبيز وسابقاتها؟، بعد أن كشفن عن أردافهن، وسيقانهن البضة، وحصلن على المال الذي لن يحلم به مربي أجيال خريج الجامعة المغربية، مدى الحياة.
ألا يستحق فلاحونا أن تصرف عليهم تلك الملايين وهم الذين يقبعون في غياهب الأمية الفلاحية حتى العنق، وحرفيونا هم أيضا، فغالبيتهم أوقفت العولمة مسيرتهم ، بعد أن كبلتهم بمنطقها المتوحش.
موازين مختلة، ترقص على افتقار أسر مغربية عديدة لسكن محترم، يحميها من حر الصيف وجحيم البرد.
موازين مختلة، ترقص ومغاربة لايزالوان يُحملون على النعوش للوصول إلى أقرب مستوصف ودور الولادة في بوادي عديدة، ومنهم من لا يتوفر حتى على “بيتادين” أرخص وصفة طبية في العالم.
موازين مختلة، ترقص و14 بالمائة من مغاربة العالم القروي صنفتهم منظمة الأمم المتحدة هذا الأسبوع، تحت عتبة الفقر بمدخول يومي يقل عن 10 دراهم في اليوم.
موازين مختلة، ترقص ومرضانا يستسلمون لعدة أمراض لعدم قدرتهم على “إعطاء” الوجه ” للعيادات الطبية التي “تكوي وتشوي”،و لم تعد تراع الإنسانية، بعد أن اضحى همها الأولى هو الرفع من مدخولها اليومي.
موازين مختلة، ترقص والعديد من الشباب المغاربة محتاجين للتوعية والتحسيس ، من اجل إنقاذهم من براثين خطر التطرف، فكل يوم نسمع عن تفكيك خلية تجند مغاربة في تنظيمات كتنظيم داعش الإرهابي.
موازين مختلة ترقص وآلاف قدماء الجيش المغربي وأرامل الشهداء الذي ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن، يستغيثون كل يوم في الشوارع من أجل لقمة عيش عصية، فبعضهم أصبح عبئا على أزقة المدن ب”فراشته” يجرها فارا من ملاحقة السلطات في حملات تحرير الملك العمومي.
أليس من العار، أن يعود الجندي بعد تقاعده إلى مجابهة “قهر الزمان”، ليجر “عربة ” و يسوق دراجة ثلاثية العجلات أو يعمل كعامل بناء، أو كمربي الماشية فوق السطوح، لأنه ببساطة، لايتلقى أجرة تسد رمقه وكلفة عيش أسرته.
موازين مختلة ترقص ، والمئات من أرامل شهداء الجيش المغربي، يؤثثن “مَواقف” العمال ، و”يُصَبِنن” “ويَصَبَنن”، كل يوم، من أجل تدبير مصاريف بيت الجندي المغربي بعد مماته.
ألا يكفي لمستقدمي العارية لوبيز بأثمان خيالية، أن يسمعوا صرخة قدماء الجيش المغربي وهم يصيحون بأعلى صوت ” المَحارب إشربْ لمْرارْ والراقصة دَات مَليارْ…”
موازين مختلة وجراح …
لكن ورغم كل الانتقادات التي سجلت ضد نقل سهرة المغنية الأمريكية لوبيز مباشرة على القناة الثانية، فبداية نهاية الموازين المختلة، كانت بفضلها، وكل أمل الأسر المغربية أن لا تعود مرة أخرى المسؤولة على القناة إلى عادتها.
ولنهمس في أذن من ” شاط” عليهم الخير و من يغوي جيوب لوبيز و مثيلاتها، أن يسهب في الأمر ويفكر قليلا من أجل تضميد جراح ذوي القربى أولا ، فالصدقة في المقربين أولى .
لقطات من موازين من نوع خاص بجيال الاطلس
الايمايل : [email protected]