أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

المسلك سعيد يكتب عن ثلاثة عقود من الفساد بالمغرب على ضوء فضيحة الديبلومات الأخيرة

بقلم المسلك سعيد

1 – تقديــــــــــــم:  

ترددت كثيرا قبل الخوض مجددا (بعد 13 سنة) في الكتابة عن هذا الموضوع القديم الجديد والذي يتكرر الحديث فيه بتكرار بروز الظاهرة التي تطفو مجددا على السطح. فالفساد يعاود السيطرة على حديثنا اليومي بمجرد انفجار فضيحة من تجلياته السلبية في المجتمع المغربي.  نبدو مع الفساد وكأننا نعيد روتين حياتنا اليومي الذي يتطلب النهوض والقيام بأعمال يومية من ترتيب الهندام والمكان ومن لحظة المنبه الأولى إلى الفطور أو الانطلاق للعمل؟

أصبحنا لا نمل تكرار الاستيقاظ على فضائح الفساد بنفس الطريقة تقريبا التي لا تمل روحنا الداخلية من   تكرار صور السيلفي؟ وقول “صباح الخير” و “أقسم بالله” وغيرها من العبارات التي لا يمر يوم إلا ونعيدها مرات عديدة.

بالنسبة للعقلاء وحاملي هم تغيير المجتمع نحو الأفضل، فهذا التكرار في كل مرة، يحمل في طياته الكثير، بينما من لا يدركون خطورة تكرار فضائح الفساد في وقت تتقدم فيه الأمم نحو الأمام، فلا يهمهم أن يتكرر الشيء إلى حد القرف. والحقيقة أنه كدنا نصبح من هؤلاء، من كثرة ما تم تلقيه من صفعات وضربات، حتى أصبح التكرار مرادفا للامبالاة فانطبق علينا قول المتنبي:

رماني الدهر بالأرزاءِ حتّى*** أصبح فؤادي في غشاءٍ من نِبالِ”:

فصرت كلما أصبت بسهم***تكسرت النصال على النصال

وها أنا فما أبالي بالرزايا***لأني ما انتفعت بأن أبالي

تتجدد الصدمة إذن وبقوة، لكونها لم تنحدر من القطاعات التي تصنع الخلل وتعودت على رسكلته، وإنما من قطاع ينشئ الأجيال، يصنع التربية ويبني المجتمعات.

فضيحة بيع الدبلومات التي تفجرت مؤخرا تدل على أن قطاع التعليم ببلادنا على علاته، يعيش أزمات كبرى من أخطرها تحول الجامعة المغربية في السنوات الأخيرة إلى مستنقع آسن لطحالب الفساد تزكيه بعض الممارسات المشينة التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، والتي لا تعبر بالضرورة عن الحجم الحقيقي لبعض مظاهر الفساد التي ينسحب عليها قول” وما خفي أعظم”. في المقابل، من المؤكد أن الجامعة المغربية لا تزال تعجّ بالأساتذة الشرفاء، الذين يبذلون أقصى الجهود من أجل أن يبقى هذا الفضاء العلمي والمعرفي مساهما حقيقيا في بناء صرح الأمة.

لكن الأكيد أيضا أن طفو الفساد في جامعاتنا بهذا الشكل لا يمكن عزله عن باقي تمظهرات الفساد الأخرى السابقة التي أدت إلى تفاقمه بكل دواليب الدولة وبالتالي، صعوبة التصدي له بشكل فعال، فالفساد – كما هو معروف – لا يقتصر على مجال واحد، بل يمكن أن ينتشر ويؤدي إلى ظهور فساد آخر في مجال مختلف. هذا يحدث بسبب عدة عوامل مرتبطة ببعضها البعض، مثل إضعاف الثقة، تأثير السلوك، تسهيل الفساد، الشبكات، وتدهور البنية التحتية. هناك علاقة “عضوية” إذن في الفساد، بمعنى أن الفساد يتفاعل مع بعضه البعض بشكل طبيعي، مما يجعله مصدراً مستمراً للفساد في مجالات أخرى. فالأشكال المتحورة لهذا الداء الفتاك الذي يكلف ميزانية المملكة أكثر من 50 مليار درهم سنويا، تعود تفاصيلها المؤلمة إلى حقب مظلمة من الفساد الإداري والمالي يمكن استعراضها مفصلة ابتداء من تسعينيات القرن الماضي كما يلي:

2 – محطات لن ننساها وجب إطلاع الجيل الحالي عليها

لا توجد “محطات تاريخية” محددة من الفساد الإداري بالمغرب مثلما توجد “محطات تاريخية” في أحداث سياسية أو اجتماعية. الفساد الإداري هو ظاهرة مستمرة وليس سلسلة من أحداث منفصلة. فأساليب الفساد كثيرة منها على وجه الخصوص الرشوة واستغلال النفوذ أثرت بشكل كبير على مناخ الأعمال وسمعة المغرب إقليميا وقاريا، ناهيك عن الاختلاس والسرقة والاحتيال مع المحاباة والمحسوبية والزبونية.

֎أول ملف فساد على أساس استغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة تفجر في العقود الثلاثة الأخيرة كان: ملف محمد مصطفى ثابت سنة 1993 المعروف عند العامة وفي الإعلام بـ«الحاج ثابت»، هو رمز حقبة سوداء من نهايات القرن العشرين من تاريخ المغرب المعاصر، ورمز لأكبر فضيحة فساد وتستر لدى الشرطة المغربية.

تم اعتقال تابت من طرف الدرك الملكي المغربي وهو في الرابعة والاربعين من العمر بعد أن قضى سبع سنوات وهو يخطف ويأسر ويغتصب الفتيات العذارى في شقته الخاصة بشارع عبد الله بن ياسين، بالدار البيضاء. هناك من شبه جرائمه وقتئذ بما قام به محتسب مصر “الزيني بركات” في عهد المماليك والفترة العثمانية بها!

أثناء الاعتقال ودهم شقته تم العثور على 118 شريط فيديو مسجل، يُوثّق به تابت أعماله الرهيبة، حيث وصفها المدعى العام بقوله: «هذه ليست فقط تسجيلات إباحيّة، بل هي تسجيلات رعب في تاريخ الآدمية». كما تصفه الصحافة المغربية بواحد من أكثر الامثلة المخزية للشرطة فسادًا، وتسترًا ووحشيةً.

وجهت للحاج تهمة الاغتصاب، والافتضاض، والتحريض، والاختطاف، والهجوم على 1600 من النساء في شقته على مدى فترة 3 سنوات. كما اعترف بصحة أشرطة الفيديو ال 118 التي سجلها سرًا. كما تم الكشف عن 10 من “كبار” المدينة وغيرهم من ضباط الشرطة الكبار، والذين كانوا مسؤولين أيضا عن عرقلة سير العدالة، وإخفاء المستندات، والتستر، أو المشاركة.

֎ملف تحويل مشبوه لمبلغ 3 ملايير سنتيم من البنك الشعبي بفرنسا سنة 1996

تفجرت هذه القضية من فرع البنك الشعبي بالعاصمة الفرنسية باريس، سنة 1996.

المتهم الرئيسي في القضية، كان هو عبد اللطيف العراقي، المدير العام للبنك حينها، والذي اعتقل على ذمة التحقيقات التي أجريت في القضية واعترافه أمام المحققين بتحويل مبالغ مهمة من المؤسسة إلى حسابه الخاص. وقد استمر التداول في هذا الملف لسنوات بين رفوف المحاكم المغربية التي أطلقت سراحه بعد أداء كفالة مالية ضخمة رغم ما نسب إليه مع بعض المتهمين الآخرين من” تبديد واختلاس أموال عمومية واستغلال النفوذ وخيانة الأمانة.

֎بعدها بقليل سيتم تفجير ملف من العيار الثقيل باختلاس أموال بنك القرض العقاري والسياحي  CIH

جوهر هذه القضية كان هو اختفاء حوالي 15 مليار درهم من البنك المذكور سبق أن أنجزت حوله تقارير متعددة سواء من طرف المفتشية العامة لوزارة المالية أو التقرير الذي أنجز من طرف المدير العام السابق عبد الواحد سهيل وقتئذ أو تقرير لجنة التقصي التي شكلها البرلمان و التي لم تصل الى جوهر الملف، حيث ظلت أسماء وازنة ونافذة استفادت من »قروض« ضخمة خارج المساءلة و التي قام بفضح لائحتها الطويلة مولاي الزين الزاهدي مدير البنك المنهوب.، بل إن الأحكام الاستئنافية التي  صدرت في حق المتابعين بعد تسع سنوات من “التحقيق” بتهم تبديد أموال عامة حتى دون أن يعرف حجم هذ التبديد بالضبط وكيف تم ذلك ومن المستفيد، فاجأت الرأي العام الوطني فترتئذ.

الأدهى في هذا الملف أن» بنك المغرب «المفروض أنه المؤسسة التي تتابع وتراقب أنشطة المؤسسات العاملة في القطاع البنكي لم يتدخل لوقف النهب، ولاسيما حينما يتعلق الامر بمؤسسة بنكية عمومية كانت في بدايتها متخصصة في مواكبة وتمويل القطاع السياحي وقطاع الإسكان قبل أن تتحول الى مؤسسة بنكية مفتوحة على الخواص وتقدم منتجات بنكية كباقي الأبناك…

هذه الممارسات المتكررة المتعلقة بنهب أموال البنوك، أثرت بشكل كبير على الاقتصاد المغربي وهي ربما ما جعلت الملك الراحل الحسن الثاني يستعمل تعبير “السكتة القلبية” التي كانت تتربص بالمغرب، وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف ملفات الفساد في أواخر حياة الملك الذي أدخل نصف وزراء حكومة أحمد العراقي خلال حقبة سابقة إلى السجن بتهمة الفساد والرشوة، وعلى الرغم كذلك من انضمام المغرب سنة 1998 إلى اتفاقيات دولية مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. على العكس من ذلك كله، ستظهر في السنوات الأولى من حكم الملك الجديد محمد السادس سلسلة أخرى من فساد كبير على كل المستويات وخصوصا في جرائم الأموال الخاصة بالقطاعات الداعمة للاقتصاد الوطني للأسف الشديد.  وقبل الاسترسال في عرض ملفات فساد قصمت ظهر المجتمع المغربي لاحقا، لا بد من التذكير بمعضلة الفساد الانتخابي المرتكب بالتوازي وبشكل مستمر خلال حقبة التسعينيات وما بعدها. هذه المعضلة التي جثمت على صدر مجتمعنا لعقود من الدهر بكل أساليب التحايل والتهديد والابتزاز وشراء الذمم من أجل الحصول على أصوات الناخبين. عمليات كثيرة ومتعددة يصعب التفصيل فيها في هذا المقال، لعل أبرزها استغلال الفقر الفكري والمادي للمواطنين لشراء الأصوات” أو “الحصول على أصوات الناخبين بمقابل. وبديهي أن ينخر هذا النوع من الفساد جسد مجتمع مغربي فقير تنعدم فيه التنشئة السياسية وتنحدر فيه هذه التنشئة إلى مستويات ضعيفة للغاية يعتبر فيها المترشح والناخب سيان، لا يعتبران الصوت أداة للتغيير بل مجرد سلعة للمتاجرة، قابلة للبيع والشراء وبمباركة مخزنية مفضوحة، ما أثر بشكل سلبي كبير على الحياة           والمؤسسات السياسية المنبثقة عن الانتخابات لأنها تقود في نهاية المطاف “منتخبين فاسدين” إلى مراكز القرار الإداري والسياسي، فتشتغل بشكل سيء وتتخذ قرارات خاطئة، غير سليمة. وهو ما سنتناوله في فقرة لاحقة من هذا المقال، حيث سنبرز بأمثلة واضحة من الواقع المغربي كيف تشتغل مظاهر الفساد الانتخابي كآلية لتغذية الفساد السياسي وكيف تزوده بآليات العيار التي تسمح له بالتجدد والاستمرار.

والآن لنستكمل معا ملفات الفساد المرتبطة بالمؤسسات الاجتماعية والمالية في عهد الملك محمد السادس بعد رحيل الحسن الثاني.

رغم دعوته في خطاب العرش الأول عام 2000 إلى تأمين الاستقرار السياسي وإرساء دعائم الديمقراطية، مع التركيز على أهمية المشاركة الشعبية وترسيخ الجماعات المحلية كأساس لعملية التنمية وتشديده على أهمية توحيد الجهود الوطنية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فإن عهد محمد السادس لم يسلم من استمرار تفشي الفساد الإداري والمالي في حكومة أولى يجتمع فيها بعض اليسار مع ممثلي الأحزاب الإدارية:

֎ملف تبديد 115 مليار من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سنة 2002

تفجرت فضيحة هذا الصندوق سنة 2002 وتعد من أبرز قضايا نهب المال العام في مغرب العدالة الانتقالية. فحسب تقرير لجنة تقصي الحقائق التي أحدثها البرلمان وقتها، فقد تجاوزت قيمة هذه الفضيحة ما مجموعه 115 مليار درهم، منها 47,7 مليار درهم مجموع الأموال التي صرفها الصندوق من دون حق من خلال” اختلاسات” وصفقات مشبوهة خصوصا في عهد ولايتي رفيق الحداوي ومنير الشرايبي.

֎ملف اختلاس القرض الفلاحي

في 11 نونبر 2003, صدر قانون يقضي بإصلاح الصندوق الوطني للقرض الفلاحي وتحويله إلى شركة مجهولة الاسم ذات مجلس إدارة جماعية تحمل اسم القرض الفلاحي للمغرب. كان مرجعية في التدبير المالي الخاص بالاستثمار بالقطاع الفلاحي، لكن سرعان ما طالته أيادي الفساد بعد سنوات قلائل حيث ستؤكد تقارير من 400 صفحة صادرة عن وزارة العدل وجود خروقات في المساطر أدت إلى تبديد أموال المؤسسة. بسبب خرق فصول من مدونة التجارة فيما يتعلق بفتح الحسابات البنكية والممنوعين من الشيكات، إضافة إلى منح مديونيات غير قانونية وبقرارات أحادية لبعض الزبناء، بالإضافة إلى منح مديونيات لتسوية قروض وُصفت بغير القانونية وغير المرخصة، وكذا قروض “للمحاباة” بدون ترخيص.

وسجلت التقارير وقتها وجود ما قيل عنه “أغلاط عملية” كبدت المؤسسة خسارة تفوق 40.000.000 درهم. وقد تشابكت خيوط هذا الملف بإقرار وجود اختلاسات بنفس المؤسسة على مستوى عدد من المدن: القنيطرة، مراكش، آسفي بالإضافة إلى الدار البيضاء، وهو الأمر الذي جعل الملف حسب المتتبعين يستغرق وقتا طويلا في دهاليز المحاكم المغربية، إذ ظلت أصداؤه الإعلامية تدوي بين الفينة والأخرى إلى حدود 2019.

أمام جسامة ملفات الفساد المالي والإداري المطروحة على القضاء، سيجعل الملك محمد السادس من محاربة الفساد موضوعا رئيسيا لخطاب العرش لسنة 2007 خصوصا بعد ظهور فضائح فساد أخرى في مجالات أخرى منها التعليم لا سيما “تسريب باكالوريا 2006 بمكناس كما سنفصل في ذلك لاحقا.  يقول محمد السادس في ذلك الخطاب:

“” لذا يتعين على الجميع، التحلي باليقظة والحزم للضرب بقوة القانون وسلطة القضاء المستقل واليات المراقبة والمحاسبة على أيدي المتلاعبين والمفسدين، لا سيما عندما يتعلق الامر بقوت الشعب والمضاربات في الأسعار، واستغلال اقتصاد الريع، والامتيازات الزبونية أو نهب المال العام بالاختلاس والارتشاء واستغلال النفوذ والغش الضريبي ”

ووجب التذكير هنا بأن هذا الخطاب يأني أيضا في خضم مناخ سياسي وفكري عرف محطات من التدافع والاضطراب بين القصر والمناضلين التقدميين خصوصا مع استفحال الفساد حتى بعد إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أراد الملك ربما من عمق فلسفتها أن تلعب دورًا مهمًا في محاربة الفساد بشكل غير مباشر، من خلال تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الوعي المجتمعي، وتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية… لكن دون جدوى. حيث سيقدم الحزب الاشتراكي الموحد خلال هذه الفترة وثيقة مفصلة للإصلاحات الدستورية تم الانطلاق في وضع مضامينها من الاقتناع بمجموعة مبادئ موجهة، ومن تحليل سير العمل المؤسسي ببلادنا وما لحق به من اختلالات يتعين السعي لمعالجتها، ستسمح للمغرب بولوج الانتقال الديمقراطي الحقيقي، كتقوية مؤسسة الوزير الأول وإصلاح جريء لمنظومة العدالة وربط المسؤولية بالمحاسبة من خلال التحريك الفعلي لآليات المعاقبة والمحاسبة وغيرها.. لا سيما وأن سنة 2006عرفت أيضا تموضع المغرب قابعا في المرتبة 104 في مؤشر مدركات الفساد الذي أعدته منظمة الشفافية الدولية. حاصلا على معدل 2.9 من 10 نقاط، وهو ما يشير إلى أن الفساد كان مرتفعًا جدا في القطاع العام رغم أن عهد حكومة التناوب لعبد الرحمان اليوسفي منذ سنة2002 شهد ميلاد “الميثاق الوطني لحسن التدبير” وكذا إطلاق “خطة وطنية لتعزيز الشفافية والنزاهة في الإدارة العمومية”. حيث سيلاحظ بعدها هبوط مهول لترتيب المغرب في مؤشر إدراك الفساد طيلة فترة حكومة جطو (2002-2007)، هذا على الرغم من أن هذه الفترة سجلت أيضا توقيع المغرب على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد سنة (2003) ومصادقة الحكومة المغربية على اتفاقية هيئة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد سنة 2005 !!؟

وكأن هذه المجهودات كلها كانت بمثابة ضربة سيف على سطح الماء، ستعرف محاكم الدار البيضاء بالموازاة جلسات ماراطونية لملف فساد كبير عرف ب «ملف السليماني والعفورة”.

֎«ملف السليماني والعفورة” 

ابتدأت وقائعه شهر فبراير من سنة 2004، تاريخ اعتقال المتهمين ال18، من بينهم عبد العزيز العفورة، العامل السابق لعمالة عين السبع الحي المحمدي بالدار البيضاء ، بناء على شكاية تقدم بها المستثمر السويسري جون لوفاط في غشت2003 ضد عبد المغيث السليماني، مفادها «ارتكاب تجاوزات مالية واختلاسات في إنجاز المشروعين السكنيين اولاد زيان والفوارات»، بالإضافة إلى ملف فساد موازي يخص صهر الراحل ادريس البصري، صدرت على إثره أحكام تراوحت ما بين البراءة وعشر سنوات سجنا نافذا في حق17 متهما بعد متابعتهم من أجل تهم «تبديد واختلاس أموال عمومية وتزوير محررات رسمية واستعمالها وتزوير أوراق تجارية وبنكية والارتشاء واستغلال النفوذ والمساهمة والمشاركة”.

֎سنة 2006: أول ضربة قاصمة لقطاع التربية والتعليم.

في حقيقة الأمر، فضائح التسريبات المتعلقة بالامتحانات ليست جديدة وقتئذ، فقد فاحت رائحتها النتنة في أواسط التسعينيات مع تسريب مفضوح للمواد بكلية الحقوق القاضي عياض بمراكش في زمن العميد الراحل أحمد طراشن. وربما كانت فضائح تسريبات أخرى لم يتمكن أي أحد من نشرها قبل ذلك التاريخ لاعتبارات متعددة منها محدودية الصحافة الورقية وغيرها. لكن، في 10 يونيو 2006، كانت الضربة المؤلمة. فقد أعلنت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بمكناس تافيلالت عن توقيف امتحانات البكالوريا في ثانوية للأمينة بمكناس، بعدما تم ضبط عدد من التلاميذ متلبسين بتهمة الغش، وبحوزتهم الأجوبة الكاملة على الأسئلة المتعلقة بمواد الفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والإنجليزية.

وكان تلاميذ الثانوية المذكورة قد توقفوا عن اجتياز الامتحانات مساء يوم 9 يونيو2006، لما تيقنوا أن الأسئلة قد تسربت إلى بعض زملائهم، وأكدت مصادر صحفية بمكناس أن شجارا وقع بين التلاميذ، كسرت على إثره طاولات وكراسي الثانوية، الأمر الذي تطلب تدخل رجال الأمن وإدارة المؤسسة لإخلاء الثانوية من التلاميذ، وفي اليوم الموالي عرفت الثانوية ذاتها وقفات احتجاجية نظمها تلاميذ الثانوية رفقة آبائهم وأمهاتهم وجمعيات الآباء، الذين حجوا إلى المؤسسة لمؤازرة أبنائهم احتجاجا على تسريب الامتحانات واستفحال حالات الغش.

وبمكناس أيضا، قرر أساتذة ثانوية عمر بن الخطاب عدم تصحيح أوراق الامتحانات، بسبب تسرب أسئلة مواد الإنجليزية والرياضيات، فيما تحدثت أنباء عن أن ثانوية الإمام الغزالي بالمدينة نفسها شهدت بدورها تسريب الأسئلة، حيث تبين للأساتذة المراقبين أن التلاميذ يعرفون الأسئلة حتى قبل فتح الأظرفة التي تتضمنها،

هذه العملية الفاسدة لم تقتصر على مدينة مكناس وحدها، بل امتدت إلى مدن أخرى، إذ عرفت ثانوية طارق بن زياد بمدينة خنيفرة وثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور وعدة ثانويات بفاس نفس القضية، وقد تم إلقاء القبض على تلميذ بثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور ضبطت بحوزته أجوبة جاهزة لمادة الفيزياء قبل أن تفتح الأظرفة رسميا بالمؤسسات التعليمية، كما عرفت مدينة فاس بدروها تسريب الامتحانات، حيث عمت ثانويات المدينة بكاملها ـ حسب مصدر تربوي نشر وقتئذ ـ

وقد استنكر الجميع تفشي فضيحة الغش بعدد من المدن المغربية ما يؤكد أن المدرسة المغربية كانت بصدد تفسخ خطير.

֎القضاء لم يسلم من الفساد فيما سمي بالعهد الجديد

في نفس السنة (2006)، ستكون منظومة العدالة بالمغرب على موعد مع اختلالات كبرى فجرها خمسة محامين في مقال معنون ب”رسالة إلى التاريخ’ تم نشره بإحدى الصحف الوطنية. وقام فيه المحامون المعنيون بانتقاد لاذع لما اعتبروه ممارسات لا مسؤولة تطبع سير العدالة، مؤكدين أن “الرشوة والزبونية والفساد تنخر جسم القضاء المغربي”.

وقد أفضت هذه القضية التي انطلقت من هيئة المحامين بشمال المملكة إلى توقيف المحامين الخمسة الرافضين في الانخراط في موجة “التهجين القضائي” بالسكوت عن الفساد المستشري في القطاع، بل منهم من شطب على اسمه من الهيئة.

المهم في هذا الملف أنه عرف تشابكا مريعا للخيوط في إطار عمليات فساد طالت جمركيين ومسؤولين كبار بالسلطة وقضاة وموظفين ساميين بالعدالة. تحركت الهيئات النقابية والحقوقية للدفاع عن ضحايا ضريبة التصدي لأمواج الفساد المستفحل، ولكن دون جدوى. كانت الفترة على صفيح ساخن من الأحداث المتعاقبة بشكل مثير: ملف منير الرماش ( وريث الديب و العربيطي و التمسماني: “أباطرة المخدرات” في تسعينيات القرن الماضي)،  ملفات أخرى مرتبطة بمنظومة العدالة و التي أدت إلى استقالة عدة قضاة من المجلس الأعلى للقضاء بالمغرب خصوصا مع وقائع متسارعة في جرائم تسهيل تجارة المخدرات، حيث وردت أسماء بعض القضاة في المحاضر المنجزة من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، كفريد بنعزوز نائب الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بتطوان وكذا عبد القادر اليونسي و عبد السلام الحجيوي وعبد الله سلال قاضيين بالمحكمة الابتدائية بتطوان، وكذا عبد الكريم الزهواني رئيس الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بتطوان في فترة من فترات هذا الملف الضخم الخاص بتجارة المخدرات شمال المغرب و الذي أطاح بشخصيات وازنة من الدرك الملكي  و الأمن و الجمارك و القضاة و مسؤولين بمصالح المديرية الجهوية لحماية التراب   الوطني و بعض البرلمانيين ( محمد الجوهري نموذجا). في خضم هذه السياقات المتداخلة ربما، سيجتمع في شهر غشت من سنة2011 حوالي 350 قاضيا لتأسيس جمعية مهنية تحت مسمى «نادي قضاة المغرب” هدفها التأطير الجديد للقضاة داخل الحدود العامة التي أصبح يتيحها الدستور الجديد لأفراد السلطة القضائية، رغم ان هذه العملية التأسيسية الجديدة لم تكن سلسة إطلاقا…

يجب ألا ننسى أيضا التذكير بملف منير الماجيدي الذي قام، تحت عباءة القصر في فترة لاحقة، بتنمية بعض الأعمال الخاصة حتى لقب بـ ” سيد اللوحات الاشهارية ” والعقارات السياحية السهلة المنال بسبب استغلال النفوذ والسيطرة  على كل السلط كمدير للكتابة الخاصة لمحمد السادس قبل أن يغضب عليه جلالته غضبة قوية جرده على إثرها من كل مهامه السابقة…

أمام هذا السيل العارم من فضائح الفساد الذي طال أيضا قطاعا حيويا يتباطأ في الحكم على المفسدين الكبار ويصدر أحكاما بسرعة البرق على من يحتج على غلاء السردين   وأسعار المواد الغذائية وغيرها إلى حدود اليوم، تحركت وسائل الإعلام الحرة بالبلاد واستمرت في النبش لفضح تواطؤات القضاء كسلطة مستقلة وجب عليها محاربة الاختلالات عوض التستر عليها.  وقد برز اسم الصحفي رشيد نيني وقتئذ، بجريدة المساء ” كصوت لاذع ضد هذه الملفات وغيرها، ومن أبرز ما كتبه في الصدد: ” شيء ما فاسد في المملكة الشريفة”. كما توالت تنديدات أصوات صحفية أخرى ضد الوضع القائم جراء الفساد، حتى أن هناك من الصحفيين من تجرأ بالقول أن: “الإنصاف والمصالحة مسرحية هزلية، وأن السكتة القلبية التي رفعت كإنذار في التسعينات مازالت أسبابها قائمة في المغرب» كما أن احمد بن جلون أدلى وقتها للشرق الأوسط بما يلي:

“… يجب أن يبحثوا لهم اليوم عن إنذار جديد عوض السكتة القلبية، ليسموها مثلا السكتة المصرانية … “.  أما مصطفى العلوي في عموده الثابت في جريدة الأسبوع الصحفي فقد كتب: “يجب على هيئة الإنصاف والمصالحة فتح دكاكين في كل مدن المملكة لتلقي الشكايات المستقبلية لتصبح كالتليبوتيكات..’ كإشارة واضحة لاستفحال الفساد في كل بقاع مغرب العهد الجديد. ونعتقد في هذا السياق أن مسلسل المضايقات التي طالت عمل الصحافيين من محترفي “الكلمة اللاذعة والفاضحة” ما بين 2007 و2013 على وجه الخصوص، كان نوعا من الانتقام من فاضحي الفساد ببعض القطاعات الحساسة بالمغرب. ولعل العقوبات الحبسية والغرامات المالية المبالغ فيها مع وابل المطرقات القضائية التي لحقت برجالات مهنة المتاعب في هذه الفترة، لخير دليل على هذه النزعة الانتقامية الممنهجة: (حرمة الله، نيني، أريري، مراد بورجة، أنوزلا).

֎مرحلة جديدة من رغبة الدولة في مكافحة الفساد 2007/2012

عمل المغرب ربما في هذه الفترة على تطبيق المقولة الشهيرة للمهدي المنجرة: “الإصلاح كالعملية الجراحية كلما تأخرت إلا وقلت فرص نجاحها وضاعفنا الثمن”

فقد عرفت (فترة حكومة عباس الفاسي: 2007-2012) شروع المغرب في تنفيذ خطة ملاءمة بين مقتضيات الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد وتشريعاته الوطنية، ابتداء من نشرها بالجريدة الرسمية بتاريخ 17 يناير 2008، مبادرة استحسنها المجتمع السياسي والمدني رغم صدورها من حكومة وزير أفلت من العقاب في ملف “فضيحة النجاة” الشهيرة التي نهبت ملايير شباب المغرب من طرف هنود وباكستانيين ومغاربة. وشهدت هذه المرحلة حدثا بارزا وهو تفعيل دور المجلس الأعلى للحسابات في التصدي لمظاهر سوء التدبير والفساد الإداري والمالي. وبالفعل، ومع أن المغرب لم يتحسن وضعه في الترتيب العالمي، فقد كان التحول الأساسي في استراتيجية الدولة في مجال محاربة الفساد هو التفعيل العملي للمجلس الأعلى للحسابات ابتداء من سنة 2007، على عهد الرئيس الأول أحمد الميدواي. فتبوأ المجلس وبسرعة مكانة الصدارة ضمن الأعمدة الأساسية في منظومة النزاهة بالمغرب. نظرا لامتلاكه دراية بحقائق التدبير الإداري والمالي العمومي، بحيث تكون لملاحظاته وتوصياته التدقيقية أثر في التنبيه والوقاية من الفساد من جهة، ولإحالاته على القضاء الجنائي للملفات التي يشتبه في طابعها الجنائي دور في ردع ومكافحة الفساد من جهة أخرى. كما يملك المجلس أيضا القدرة القانونية على المساءلة التأديبية المالية للمخالفات التدبيرية التي لا تكتسي صبغة جنائية، لكنها تشكل مدخلا لسوء الإدارة وهدر المال العام.

واتخذت الحكومة إجراءات عقابية بحق بعض المسؤولين الإداريين الواردة عنهم ملاحظات في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن بعض حالات المتابعة الجنائية بالاستناد إلى أشغال اللجنة التي أحدثها وزير العدل وقتها، والتي اشتغلت على التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات. كما أن تخويل المجلس صلاحية مراقبة حسابات الأحزاب وإنجازه لتقارير خاصة بالموضوع، وتخويله الثقة والمسؤولية فيما يخص ضبط ومتابعة التصريحات بالممتلكات وفقا لقانون جديد صدر سنة 2009 في هذا الشأن، كل ذلك أدى إلى تزايد الطلب على دور المجلس من قبل المجتمع السياسي والمدني، وإلى تفاعل متصاعد مع تقاريره، وترقب مستمر من الرأي العام لصدورها، مع طرح تساؤلات حول المآلات المخصصة لها.

هذه الفترة على إيجابية طابعها الاستثنائي، لم تخل من استمرار بعض تمظهرات الفساد، بالإضافة إلى ظهور مقاومة شرسة للرغبة في التغيير. فالقضاء لم يستطع بعد الحسم في الملف الشائك لشركة النجاة التي مارست النصب والاحتيال على 30 ألف شاب مغربي، فضيحة ضلعت فيها الكثير من الأسماء الوازنة التي تقلدت مناصب حساسة في المسؤولية الوزارية والإدارية بالمملكة! كما أن المجلس الأعلى تعرض لهجومات شرسة من طرف الأحزاب السياسية بعد أن بدأ بفحص حساباتها وطرق صرفها للدعم العمومي المقدم لها عندما قام بنشر تقاريره الرقابية، فاتهمته بتجاوز اختصاصاته وبسلوك نهج الانتقائية في الرقابة والمحاسبة: فعبد الحميد شباط الأمين العام السابق لحزب الاستقلال سبق له منذ سنة 2008 أن وصف في تصريح مثير قضاة المجلس الجهوي للحسابات بفاس بالإرهابيين، فيما عبر الناطق الرسمي لنفس الحزب سنة 2014 عن موقف يتهم المجلس بتجاوز اختصاصاته والتدخل في الشأن السياسي على خلفية الانزلاقات التي كشفها المجلس في تدبير قطاع الأدوية في عهد الوزيرة الاستقلالية ياسمينة بادو. وكان حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 2012 قد طرح سؤالا برلمانيا لوزير العدل بخصوص ما أسماه “الانتقائية في الملفات المعروضة على القضاء، والسرعة في البت في بعضها دون الأخرى”، وذلك على خلفية اعتقال القيادي في الحزب خالد عليوة بشأن الانزلاقات المسجلة في تدبيره الإداري والمالي لمؤسسة القرض العقاري والسياحي كما دعا حزب العدالة والتنمية المجلس الأعلى للحسابات إلى اعتماد استراتيجية واضحة في المراقبة وأعاد الكرة نفس الحزب خلال شهر ديسمبر 2018 متهما رئيس المجلس بالتقييم السياسي لعمل الحكومة على خلفية الانتقادات التي تضمنها عرضه السنوي أمام البرلمان، والتي همت سياسات الحكومة في تدبير المديونية والقطاع الاجتماعي. فيما أكدت تقارير المجلس على غياب الحكامة المالية الرشيدة لإدارة أغلب الأحزاب السياسية. وفي مستوى آخر تحول موضوع مكافحة الفساد إلى موضوع للمزايدات بين الأحزاب السياسية: ففريق الأصالة والمعاصرة “المعارض” للعدالة والتنمية، يعتبر أن فشل سياسات مكافحة الفساد هو فشل تتحمله الحكومة وحدها وأحزابها، وأن “الإرادة الحقيقية غير موجودة لديها لمحاربة الفساد، مذكرا بأن عبد الإله ابن كيران (2012-2017) سبق له أن صرح أكثر من مرة بأن الفساد يحاربه، وليس هو الذي يحارب الفساد، كما أنه أشهر الراية البيضاء تجاه الفساد”. …

كل ما سبق ذكره، يبين بأن المسار التنفيذي لاستراتيجية محاربة الفساد، تعترضه معيقات سياسية بنيوية تعود أيضا إلى تقاعس الأحزاب السياسية في الانخراط فيها ومحاولات التستر -أحيانا- على المؤاخذات المنسوبة لأعضائها، وإلى غياب التوافق السياسي في هذا الخصوص.

في جانب آخر من استمرار تمظهرات الفساد المستشري، رغم نية الإصلاح في المرحلة الجديدة، تم تسجيل ارتفاع مبالغ فيه لتعويضات بعض المسؤولين الكبار عن قطاعات بعينها كاتصالات المغرب مثلا، حيث لوحظ ارتفاع الدخل الشهري لأحيزون بشكل ملفت سنة 2011. وكشف موقع   edubourse.com أن عبد السلام أحيزون الرئيس المدير العام لاتصالات المغرب، المملوكة بنسبة 51 في المائة لمجموعة “فيفاندي” الفرنسية، تقاضى سنة 2010 تعويضات تصل إلى 2 مليون و289 ألف أورو وهو ما يعادل راتبا شهريا يفوق 210 مليون سنتيم. وحسب الموقع ذاته فقد تقاضى أحيزون خلال 2007 تعويضات تفوق 2 مليون و386 ألف أورو، بينما وصلت تعويضاته في عام 2008 إلى 2 مليون و265 ألف أورو. هذه التعويضات الخيالية اعتبرها المتتبعون أيضا ضربا من اللامعقول في تدبير الشؤون الاقتصادية والمالية لفترة مهمة من مجهودات الدولة في تكريس المحاسبة وترشيد النفقات.

   ֎حركة 20 فبراير المجيدة: «هي كلمة واحدة، هاد الدولة فاسدة”

بعد أن بلغ السيل الزبى في تراكم ملفات الفساد التي أزكمت رائحتها كل الأنوف، وتزامنا مع حراكات شعوب المنطقة العربية من أجل التحرر من قيود الظلم والاستبداد، تأسست بالمغرب حركة 20 فبراير كحركة وطنية استهدفت تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في المغرب. وكان من بين المطالب الأساسية للحركة محاربة الفساد، والعدالة الاجتماعية، والحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان.  فلعبت دوراً كبيراً في تنظيم الاحتجاجات الشعبية التي طالبت بالإصلاح، وفي إبراز قضية الفساد على الساحة ومحاسبة المفسدين. كما ساهمت الحركة في رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية محاربة الفساد، وتأثيراته على المجتمع والاقتصاد، وقاطعت حركة 20 فبراير الدستور الذي تمت الموافقة عليه، وساهمت في التوجه نحو إصلاحات أكثر شمولاً في مجال محاربة الفساد وتفعيل المساءلة.

֎ حكومة بنكيران بعد الحراك وإقرار الدستور: من “سأحارب الفساد” إلى “عفا الله             عما سلف” !!

ظل بنكيران رمزا للثرثرة عن وجوب التغيير ومحاربة الفساد والتصدي للمفسدين خلال اندلاع حركة 20 فبراير حتى فوز حزبه بالولاية الحكومية. فقد نصب نفسه مالكا حصريا للأصل التجاري للنزاهة والشفافية بسلاح الحزم والصرامة والإيمان القوي… اعتقد المغاربة المصوتون عليه أن الوقت ربما حان لتغيير المنكر باليد لا بالقلب هذه المرة، لكن بدا للعيان أن سياسات مكافحة الفساد لم تستثمر كثيرا المناخ السياسي الملائم في أعقاب دستور 2011، ولم تستفد من حالة التعبئة الوطنية ضد الفساد التي تمخضت عن تفاعلات الحراك الشعبي. وظلت تلك السياسات تشكو من غياب رؤية استراتيجية عملية وبعيدة المدى، مجسدة في خارطة طريق محددة الأهداف والمواقيت. وقد تجلى ذلك في تأخر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي لم يعلن عنها إلا في نهاية عهد حكومة بنكيران (2012-2017)، ولم يشرع في تنفيذها عمليا إلا في سنة 2018، بعد أن تسلم خلفه سعد الدين العثماني المنتمي لنفس الحزب رئاسة الحكومة! لقد ظل بنكيران يشكو من العفاريت والتماسيح دون كلل.

صحيح أن حكومته عملت على اتخاذ مجموعة من التدابير، من قبيل إحداث الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي حلت محل الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة؛ حيث تعززت استقلالية الهيئة واتسعت صلاحياتها لتشمل التحقيق والزجر، وتم تجديد الإطار المؤسساتي لمجلس المنافسة، الذي بات يتوفر على صلاحيات واسعة وتقريرية، بعد أن تمت دسترته على غرار هيئة النزاهة؛ وتم تكليفه بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة. وقامت الحكومة بمراجعة النص القانوني المنظم للصفقات العمومية، بإدخال مجموعة من التعديلات الكفيلة بضمان المزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص. ومن جهة أخرى تم تفعيل مجموعة من القوانين التي تتوخى محاصرة الفساد؛ كقانون مكافحة غسل الأموال وقانون التصريح الإجباري بالممتلكات وقانون حماية الضحايا والمبلغين والشهود. وتم الشروع في إصلاح القضاء وتخليق منظومة العدالة، وتحديث الإدارة القضائية. لكن دون جدوى. فمقولته الشهيرة “عفا الله عما سلف” أمام كاميرات برنامج “بلا حدود” على فضائية الجزيرة، بينت بأنه لا ينوي “مطاردة الساحرات” ولا متابعة الفاسدين والمفسدين بمصباحه في جحورهم وأوكارهم، وإنما أتى إلى السلطة بنية “إصلاح الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتردية للبلاد”. هذا تصريح يتنافى تماما مع وعوده الانتخابية كما يتعارض مع تجربة نشره للوائح مأذونيات النقل من لدن وزارته في التجهيز، وما أثارته من ضجة من طرف من تحصل عليها، حتى امتنع لاحقا عن نشر الباقي، لاسيما مأذونيات الصيد بأعالي البحار حيث حصة الأسد منها للجيش وعلية القوم. حتى زميله مصطفى الرميد -وهو المحامي والنائب البرلماني الذي طالما ناهض جيوب الفساد والمفسدين في المحاكم كما في غرفتي البرلمان- يقول وقتها إن الحكومة “لن تنهج حملات تصفية للمراكز المالية ولذوي رؤوس الأموال بدعوى محاربة الفساد”. لم يفهم المصوتون على الحزب الملتحي أي شيء !!! .

في مقال مطول كتبناه عن هذه التصريحات العجيبة منذ سنوات (عفا الله عما سلف ودرس لمن يتهاون من الخلف)، أكدنا –كما أكد ذلك العديد من الزملاء في الإعلام الوطني- أن لا حق لبنكيران أن يصدر عفوا جزافيا على من ارتكب جرائم الفساد أو ساعد على ارتكابها، فهو ليس منتدبا قضائيا عن المغاربة، خاصة الذين صودرت أملاكهم أو ابتلعت أراضيهم أو تعرضت مشاريعهم للمصادرة…

֎ صناديق التقاعد: فساد يقض المضاحع..

في ذات الولاية، دق محمد العلوي العبدلاوي، المدير العام للصندوق المغربي للتقاعد، ناقوس الخطر حول ما يتهدد الاحتياطات المالية للصندوق، حيث قال حينها: “إذا لم نرد أن نصلح فيجب أن نقول للمتقاعدين والمستخدمين بأنه لن تكون لدينا أموال لتأدية مستحقاتهم”.  وكشف العبدلاوي خلال يوم دراسي حول تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن أنظمة التقاعد، أن الصندوق المغربي للتقاعد صرف خلال 2014 حوالي 24 مليار درهم شهريا، في حين أن صندوق المقاصة الذي يهم جميع المغاربة لم تتجاوز مصاريفه حوالي 28 مليار درهم.   والحقيقة أن البعد المؤسسي كان رئيسيا في المعضلة، خصوصا سوء الحكامة، والاختلالات في التدبير العمومي لصناديق التقاعد، زيادة على وجود متأخرات لمساهمة الدولة في صناديق التقاعد تعُود إلى سنة 1994، لم يجر دفعها إلى حدود تلك الفترة. (راجع مقالنا في ذات الصدد: “صندوق التقاعد تكال..2015.).

وينضاف إلى هذه المعضلة تزايد نسبة الشبحية الوظيفية حيث ازداد عدد الموظفين الأشباح وشكلوا عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة كما لا يزالون إلى حدود اليوم.

أمّا المثير للدهشة والاستغراب، فهو أنّ وزير الوظيفة العمومية المودع السجن اليوم بسبب الفساد: محمد موبديع، اعترفَ وقتها أنّ هناك موظفين أشباحا يحصلون على رواتبهم، رغم أن منهم من يعيش في الخارج، ومنهم من التحقَ بالرفيق الأعلى. كما أن تقارير صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات وقتها، أفادت أن المبلغ السنوي الذي يبتلعه أشباح الجماعات الترابية وحدها يصل إلى الملايير. حدث هذا للأسف في ولاية من تعهدوا بمحاربة الفساد والمفسدين.

֎ 2015: الضربة الثانية التي قصمت ظهر قطاع التربية والتعليم.

استفاق التلاميذ ومعهم جميع المغاربة في ثاني أيام امتحانات البكالوريا يونيو 2015 على فضيحة تسريب امتحان مادة الرياضيات ونشره في صفحة “تسريبات” على الفاسبوك ابتداء من الساعة الواحدة ليلا. التسريبات تسببت في فوضى بثانوية أبي القاسم الزياني بالدار البيضاء. ما اضطر المؤسسة إلى توقيف سير الامتحان وعلى إثر ذلك تجمهرت أسر وعائلات المترشحين لامتحانات البكالوريا أمام الثانوية. وبعد الفضيحة عم الاستياء والتذمر الجميع. (راجع مقالنا وقتئذ “لم ننس فضائح الأمس”).

֎ خطب غاضبة وقرارات ملكية صارمة أمام تحصيل الحاصل

يبدو الأمر وكأن الجميع في المغرب يسلم بحقيقة “تجدر الفساد” كما يسلم بحقيقة “الأرض دائرية” رغم الجهود التي يقول الكثيرون أنها بذلت من طرف الدولة لمكافحته.

في أواخر الولاية البنكيرانية المذكورة، سيلقي محمد السادس خطبا تفوح منها رائحة الغضب كما سيتخذ بعض القرارات الصارمة:

في الخطاب الملكي ليوم 30 يوليو 2016 بمناسبة ذكرى عيد العرش سيؤكد الملك: “محاربة الفساد هي قضية الـدولة والمجتمع، الدولة بـمؤسساتها، من خلال تفعـيل الآليات القانونية لمحاربـة هـذه الـظاهـرة الخطيرة، وتـجريـم كل مظاهرها للضرب بـقـوة على أيـدي الـمفـسدين” ….  “لا ينبغي أن تكون مـوضوع مزايـدات ولا أحد يستطيع ذلك بمـفرده، سواء كان شخصا، أو حزبـا، أو منظمة جمعوية. بل أكثر من ذلـك، ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خا رج إطـار القانون”. وأضاف” أن المفهوم الجـديـد للسلطة يعني المساءلـة والـمحاسبة، التي تتم عبر آليات الـضبط والمراقبة، وتطبيق القانـون (…)، كما أن مـفهومنا للسلطة يـقوم علـى محاربـة الفساد بكل أشكاله في الانتخابات والإدارة والـقـضاء، وغـيـرهـا “، مشددا على أن “عدم الـقيام بالواجـب، هو نوع من أنـواع الفساد”.

في أواخر ولاية بنكيران وأخواته وإخوانه، سيخطب الملك غاضبا خصوصا بعد فضيحة منارة المتوسط بالحسيمة لاحقا، والتي أفضت إلى ما سمي حينها ب “الزلزال السياسي” الذي عصف بـ 14 مسؤولاً رفيعاً، من بينهم سبع كتاب عامين، بكل من وزارات الصحة، والثقافة، والسياحة، والسكنى وسياسة المدينة والتعمير، والكاتب العام الحالي لرئيس الحكومة بصفته كاتبا عاما سابقا لوزارة البيئة، والكاتب العام لوزارة الشباب والرياضة، والكاتب العام لوزارة التربية الوطنية. دعا الملك في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليو 2017، إلى التفعيل الصارم لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ، ثم أعاد بتاريخ فاتح يوليوز 2018 التأكيد على أن محاربة الفساد ينبغي أن توضع في صميم الأولويات، طالما أنه يشكل أكبر عقبة تعيق جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحد من طموح الشباب من خلال رسالة موجهة إلى القمة الـ 31 للاتحاد الإفريقي، قائلا ما نصه: “الفساد يساهم في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية، وفي تقويض سيادة الحق والقانون؛ كما يؤدي إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة المنظمة، وانعدام الأمن والإرهاب’.

بدا محمد السادس في نظرنا، وكأنه يريد القليل من الثرثرة والكثير من العمل والبراكسيس، خصوصا وأن رتبة المغرب في مؤشر مدركات الفساد قد اضمحلت سلبيا وبلغت 91 عوض 88 قبل حكومة العدالة والتنمية حسب مصادر ترانسبارانسي المغرب فترتئذ. ووعيا من الدولة المغربية بأن فعالية سياسات مكافحة الفساد رهينة بالفعالية النسقية للنظام الوطني للنزاهة، وبأن فعالية هذا الأخير رهينة بتفعيل أعمدته واستكمال بنيانه وتصليب معماره، صدرت قرارات ملكية جديدة خلال شهري نونبر وديسمبر 2018. وتمثلت هذه القرارات الهامة في تعيين رئيس جديد لمجلس المنافسة وما تلاه من تعيين لأعضائه، ثم ملء شغور منصب رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وتعيين رئيس جديد لمؤسسة الوسيط. وقد ترافقت هذه التعيينات مع توجيهات صريحة تدعو على الخصوص للتنسيق المؤسساتي لجهود مكافحة الفساد وإعمال آلية الزجر عبر تحريك المساطر القانونية والقضائية وهي تطورات سارت في الاتجاه الصحيح؛ كما نبأت بإمكانية تجويد حكامة ونتائج سياسات مكافحة الفساد في المستقبل المتوسط والبعيد.

֎ كلمة عن الفساد الانتخابي ببلادنا الذي ينتج نخبا سياسية فاسدة

عرف المشهد الانتخابي بالمغرب لسنوات طوال هيمنة مفضوحة للانتخابات الفاسدة المرتكزة على التحايل والتهديد وشراء أصوات الناخبين. وهذه العمليات كثيرة ومتعددة يدخل في نطاقها الكذب على المصوتين باستغلال سذاجتهم وطيبوبتهم أو دفع مقابل لهم لشراء أصواتهم أو استعمال القوة أو التهديد أو الابتزاز إزاءهم إلى غيرها من الوسائل المستبدة. (راجع مقالنا لسنة 2015 “عندما يصبح المترشح والناخب سيان”).

ولعل أكثر مظاهر الفساد الانتخابي شيوعا وانتشارا في واقعنا المغربي ظاهرة “شراء الأصوات” أو “الحصول على أصوات الناخبين بمقابل”. كما أشرنا آنفا. وهذه الظاهرة تجعل المترشح يدلي بصوته لفائدة شخص لا يعرف عن مؤهلاته وأفكاره وبرنامجه أي شيء سوى أنه سيمكنه من مبلغ من المال. ولازالت متحكمة إلى حدود الانتخابات الأخيرة حيث شاهدنا بأم أعيننا الأوراق النقدية توزع على الناخبين المحتملين بالأحياء الشعبية للمدينة التي نقطن بها. وكان الحزب الموزع للأموال وأكياس الدقيق وعلب زيت المائدة هو من فاز بأغلبية مريحة، كما كان قد فاز بها في وقت سابق حزب الجرار الذي دجج حملته الانتخابية بسيارات استعراضية من نوع “جوتابل”، في تكريس غير معقول لمبدأ اللامساواة في الدعم والإمكانيات بين الأحزاب المتنافسة، وهذا موضوع آخر..

وبديهي أن الفساد الانتخابي يؤثر في الحياة السياسية أي أنه يرخي بظلاله السلبية على الحياة السياسية، لاسيما إذا اتسع مداه وشمل نطاق البيع والشراء مساحات شاسعة من الدوائر الانتخابية، ما يؤثر بالتالي على المؤسسات السياسية المنبثقة عن الانتخابات لأنها تقود في نهاية المطاف “منتخبين فاسدين” إلى هذه المؤسسات التي، نتيجة لذلك، تشتغل بشكل سيء وتتخذ قرارات خاطئة في مصير الأمة.

فقد لاحظنا خلال الولاية البنكيرانية وما بعدها مثلا (حتى لا أعود إلى أزمنة التسعينيات والثمانينيات)، أن عدة وزراء ممن نجحوا في الوصول إلى مراكز القرار السياسي والإداري وقتئذ، قد أضروا بسمعة المواطنين والوطن على السواء من خلال فضائح تدبيرية تنم عن فتور فكري في الممارسة السياسية الجادة لأنهم بكل بساطة نجحوا عن طريق عملية انتخابية فاسدة من منطلق ‘لا أخلاق في السياسة، والحقيقة أن السياسة، أخلاق بالدرجة الأولى. لأنها تقودك لأن تكون مثالا في تدبير شؤون البلاد والعباد. للأسف، هذا ما لم يكن يحمله أوزين والكروج وغيرهما في محفظتهم العقائدية. ولا داعي لأن أذكركم بما فعله ‘مول الكراطة ومول الشكلاطة’ و “وزير الدوش وبيت النعاس’ و ‘الكوبل الحكومي’ و ‘وزيرة زبل الطاليان’ و”جوج فرانك” …

أما في قضايا التملص الضريبي، فقد استغل الوزراء والمنتخبون مناصبهم لعقد زواج كاثوليكي مع الفساد. فقد قامت الخزينة العامة للمملكة بحجز راتب رشيد الطالبي العلمي، القيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب (يا حسرة)، بعد تهربه من أداء الضرائب لأزيد من 25 سنة. هدا مع اكتشاف معمل سري لإنتاج النسيج تابع لشركته منذ سنة 1991 ! . ألم يكن مبلغ مليار و300 مليون درهم، كافيا من شر إفلاس صناديق التقاعد؟ هذا يُذكّرنا أن الريع لا يحتاج إلى الأقنعة، بل قد تكون له بذلة رسمية، ولسان يدافع عنه باسم المساواة. أما موبديع، الوزير المكلف ب ‘تحديث الإدارة'”، فقد تورط في فساد يعرفه الجميع أدى به إلى غياهب سجن عكاشة لحسن الحظ. أما أحد نواب حزب المصباح الذي صوت بالإجماع على القانون الذي يجرم عمليات الغش في الامتحانات، فقد ضبط في اليوم الأول من امتحانات الباكالوريا بإحدى ثانويات الرباط في (8 يونيو 2019)، وبحوزته ثلاثة هواتف نقالة محاولاً الغش في مادة الفرنسية، ويتعلق الأمر بالبرلماني نور الدين اقشيبل…الخ.

المؤسف للغاية في هذا الصدد هو أن بعض المسؤولين الفاسدين لا زالوا يواصلون مهامهم بكل أريحية داخل مشهدنا السياسي رغم ثبوت التورط. فبعد فضيحة ملعب الرباط بفعل “مول الكراطة” والذي أقاله الملك بعد “الكارثة”، جاء في الانتخابات الموالية ليطل علينا من أعلى قبة البرلمان (راجع مقال أحد الزملاء فترتئذ “عندو أوزين عندو الفساد دايرو في دارو”. أما صاحبنا المتملص الضريبي فلا زال يمارس مهامه رغم ثبوت الجريمة وحجز الراتب قبل شهور!  وهذا من مشجعات الفساد، لأنه مقارنة مع الإجراءات المتخذة ضد الفاسد في بعض الدول المجاورة، لا يشرف المغرب الجديد مكوث هؤلاء في مناصبهم بهذا الشكل على إيجابية الأحكام الصادرة في حق بعضهم:

فالوزير الاول “بيير بيريجوفوا” انتحر لمجرد أن الصحافة اتهمته بأنه قد حقق فوائد عينية. وفي كندا تمت محاسبة وزير الهجرة الكندي جو فولب في البرلمان، عندما أنفق 138 دولاراً كندياً أي ما يعادل 840 درهم على غذاء من فطائر البيتزا لصديقيه وحولها الى حساب نفقاته كوزير. وفي الصين تم اعدام مختلس لما يعادل 800 درهم فقط. وتم بالحكم ثلاث سنوات سجنا نافذا بعد(التجرجير) لرئيس نادي أولمبيك مارسيليا برنار طابي لثبوته في فضيحة رشوة للتلاعب بنتيجة المباراة لصالح النادي الكروي. وتم الحكم على رئيس الجمهورية الفرنسية ساركوزي بالسجن مع ارتداء سوار إلكتروني بسبب تهم فساد. وفي إسبانيا غادر الملك خوان كارلوس البلاد إلى غير رجعة لتورط ابنته في فضائح تبديد المال العام من أجل عطلة استجمام بسفاري إفريقيا والزعم بصلات غير لائقة لصفقات تجارية مع المملكة العربية السعودية… اننا لا ننتظر من وزرائنا الانتحار أو المغادرة، ولكن أن يقوم القضاء بعمله بكل استقلالية لتفعيل المساءلة والمعاقبة. هكذا يضمحل الفساد وتتقوى الدولة.

وعلاقة بكون الفساد يضعف الدولة المغربية إضعافا، فقد سبق للكثير من الجمعيات المدنية أن أشارت إلى ضرورة الحسم في هذه المعضلة وفي أسرع وقت ممكن عندما التقت برئيس لجنة النموذج التنموي الجديد في إطار جولاته بمختلف مدن المملكة لتوجيه النقاش حول أولويات التنمية الوطنية، وتعزيز التنسيق بين جميع الفاعلين حول أهداف مشتركة ونهج موحد في تحقيق التنمية المستدامة. وكان لنا شخصيا رأي مفصل في معضلة الفساد في مداخلتنا أمام السيد شكيب بنموسى بالغرفة الفلاحية بأزيلال قبل حوالي ثلاث سنوات. (راجع مقالنا في هذا الصدد بالفرنسية Lamsallak said fait l’étalage de son point de vue sur le NMD au Maroc.

وبالرجوع لعملية الإفساد الانتخابي التي لا مجال للتشكيك فيها ولتأثيراتها السلبية على المجتمع المغربي على مدى سنوات طوال، ولمجرد التذكير فقط، شكلت الأحزاب الإدارية على مدى عقدين كاملين (الثمانينيات والسبعينيات) الاحتياط الاستراتيجي للدولة المخزنية بالمفهوم المنجرتي للعبارة من أجل تقوية نفوذها. وفي التسعينياتـ حلت مرحلة الأعيان وتدخل سلطة المال وزرع اللامنتمين لإضعاف معارضة الأمس.

في أزيلال مثلا، التي عايشنا فيها تجارب مريرة في المعارك الانتخابية رفقة اليسار منذ انخراطنا بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي سابقا، هيمنت الحركة الشعبية على الإقليم بلون “الغيس” حتى صعب التمييز بينها وبين المخزن. بل إن بعض الألوان الأخرى لم توضع أمام أعين الناخبين في بعض صناديق الاقتراع التي يسيطر على نتائجها اسم المحجوبي أحرضان لعقود. سيطرة تشبه الوباء لابن منطقة والماس الذي نصبه المخزن “مقيما عاما” بأزيلال، و الذي قال في إحدى خطاباته أمام المتجمهرين ممن جيشتهم السلطة قسرا: “صفقوا أو لا تصفقوا فأحرضان هو برلماني أزيلال..” ! ؟.

في الشاوية ورديغة وخريبكة القريبة من المنطقة، لعبت وزارة البصري لعبتها لسنوات لتركيز السلطة ونفوذ الأعيان الذين استغلوا فقر الناس بتوزيع أموال طائلة مجهولة المصدر…

هذه أمثلة قاسية من الماضي على ثبوت مسؤولية الدولة في إفساد العملية الانتخابية والتي أصبح ينظر إليها المواطن عموما ك «لعبة قذرة” أصبحت من اختصاص “الطبقة المستقلة” (بامتيازاتها ومناصبها ونفوذها) كما يسميها الباحث التشيكي ميلوفان ديجيلاس، إلى درجة المقاطعة وفقدان الثقة في الموجب والسلبي على السواء، ما ضيق أيضا من هامش النضال.

باختصار، كان الإفساد الانتخابي في المغرب مرعبا منذ فجر الاستقلال السياسي، وربما في نظرنا هذا ما جعل المؤرخ أندري جوليان يقول: «في المغرب خاصيتان أساسيتان، لا شيء يحسم وكل شيء يلفه الغموض”.  لذلك ضاعت التنمية المنشودة منذ سنوات..

لا بد من الإشارة في آخر هذا المحور إلى أن بعض المنتخبين اليوم وليس كلهم يساهمون بسلوكياتهم في هذا الإفساد بشكل من الأشكال. فمن الفائزين من يدعي أنه ممثل للعقل أو ناطق باسم الحقيقة أو المؤتمن الوحيد على القضايا والمصالح بمجرد حصوله على صفة “مستشار جماعي أو نائب برلماني! وقد شاهدنا الكثيرين منهم ممن تخلوا عن مهمتهم الأساسية كفاعل سياسي/اجتماعي بمجرد الوصول إلى المجلس الجماعي أو الاستشاري، فصار يمارس الاستجمام السياسي كما مارس البعض الاستجمام النقابي لسنوات في قطاعات أخرى دون جدوى. للأسف كما يقول علي حرب في أحد كتبه، فهذا السلوك وغيره يزرع نوعا من الوعي الزائف لدى هذه الفئة المستفيدة من امتياز مرحلي (امتياز تمثيل من صوتوا عليهم) بأنهم يضطلعون بمهمة رسولية طليعية “لإنقاذ الوضع” القائم. وهذا سلوك خاطئ قلما انتبه إليه أو تجاهله الكثير من المنتخبين خصوصا المثقفين منهم، على الأقل هذه الفئة التي لا تؤمن بأن التغيير مهمة يشترك فيها الجميع: الخاسر والفائز وجميع الفاعلين الاجتماعيين دون استثناء. لأن هناك فئة أخرى تضر بالعمل السياسي بعد الانتخابات، تتمثل في نوع من المستشارين الذين لا يهمهم أمر تغيير الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي السائد بقدر ما يهمه الفوز في الانتخابات من أجل التخلص من عبء المكتب بالإدارة العمومية التي يشتغل بها إن كان موظفا بالجماعة أو العمالة أو الصحة وغيرها أو من أجل الهروب من ضجيج الفصل الدراسي ومتاعب السبورة أو الإدارة التربوية بالمؤسسة التعليمية إن كان مدرسا، أو من أجل تسهيل صفقات شركته بتواطؤ زبوني مع أغلبية الرئيس إن كان مقاولا وهلم جرا… فنجد هذا المترشح تارة مع حزب الوردة، و سرعان ما ينجر مع الجرار، و تارة يركب الحصان، و في الحملة الموالية نجده منخرطا مع “مناضلي” الحركة الشعبية و قد يغير كل شيء ليدافع عن رمز ‘المقراش” !؟. للأسف، قلما نجد من ينخرط اليوم في المغرب انتخابيا من أجل الصالح العام، بل يستغل تفرغه لقضاء مآربه الخاصة. وهذا أيضا نوع من الإفساد.

֎ قطاع الجيش بالمغرب: أخطبوط فساد بخراطيم خانقة

ظلت المؤسسة العسكرية جهازا لا يعرف عنه المغاربة إلا القليل، وظلت هذه المؤسسة في عيونهم بمثابة قوة غامضة لا حق لهم في الاطلاع على ما يدور بصفوفها، سواء في أكاديمياتها أو جحيم ثكناتها. فجيشنا تعود على العمل في السرية وفي الظل منذ زمن بعيد. لكن بعض الأحداث والكتابات، وحتى تصريحات المتقاعدين المنخرطين في بعض الإطارات النضالية:” كالرابطة الحرة لقدماء العسكريين والمحاربين ومتقاعدي القوات المساعدة وذويهم”، قد ساهمت في إماطة اللثام عن فساد المؤسسة العسكرية. ففضحت ما يجري ويدور في أفلاكها من صراعات حول المواقع المذرة للثروات. وفي عهد الملك محمد السادس بدأت تلوح في الأفق المغربي مساءلة بعض الضباط هنا وهناك، خصوصا في البدايات الأولى من حكم جلالته: (ملف سقوط 3 جنرالات، القادري والحرشي وبلبشير، وملف إبعاد لعنيكري ثم تبعات الاعترافات الجريئة لمصطفى أديب في ملف تهريب البنزين والصرخة الشجاعة ل السعيد سعد الله…). ما أدى إلى انتشار التوتر والقلق في صفوف رموز الماضي العسكرية، خوفا من فقدان مواقعهم/البقرة الحلوب..

بعدها، انكشفت جملة من مظاهر الفساد في صفوف الجيش بدءا من السرقة والاختلاس، مرورا بالاستحواذ على ممتلكات عمومية وأراضي زراعية ووصولا إلى فضائح رخص الصيد في أعالي البحار. ولم يكن الإعلام في الماضي القريب يقوى على تناول الإشكالات المرتبطة بالجيش، ولا البرلمانيون يتجرؤون على مناقشة ميزانيته، بالرغم من أنها مقتطعة من مال الشعب. فالفساد في المؤسسة العسكرية ظل متملصا من الرقابة الإدارية والبرلمانية بحجة الدواعي الأمنية، مما جعلها من المناطق المحرمة، الشيء الذي ساهم في تجميع كل الشروط الملائمة لاستئساد أخطبوط الفساد فيها. ولا ننسى تدبير شؤون إدارة الإنعاش الوطني، الذي ظل حكرا على العسكريين، ولم تتجرأ جهة حتى إلى عهد قريب على القيام بكشف فضائحه، علما أن هذا النوع من الفساد قائم بتواطؤ بين المسؤول العسكري ورجال السلطة القائمين على الأمور بالولايات والأقاليم.

֎ باختصار، ملفات فساد مدوية في زمن كورونا وما بعدها

في عام 2019، تم الكشف عن ملفات فساد مختلفة في المغرب، وشملت بعض هذه الملفات: ملفات الفساد في الصفقات العمومية: فقد تم الكشف عن عمليات فساد في توقيع العقود والصفقات الحكومية، بما في ذلك الرشوة وتفضيل بعض الشركات على حساب غيرها. وملفات الفساد في القطاع العام: شملت حالات فساد في بعض المؤسسات الحكومية، مثل وزارة الصحة والأمن والسلطة المحلية.

مع حلول جائحة كوقيد 19، لاحظ المتتبعون للشأن التنموي عبر العالم وليس فقط في المغرب، تصاعدا قويا لبؤر الفساد في الكثير من القطاعات. في بلادنا، وحسب دراسة ميدانية للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها تم خلال كورونا الكشف، عن أرقام صادمة لانتشار الفساد بمؤسسات الدولة، وذلك في أعقاب إجراء بحث الوطني حول الفساد. وهمت بالخصوص تراخيص البناء والتعمير بالنقاط السوداء كالبناء بمحاذاة الشعاب والبناء في التجزيء السري وسط الفدادين داخل المدارات الحضرية ثم المأذونيات واختلاس معدات النظافة في صفقات مشبوهة وغيرها…

في ملف كبير آخر، شهدت المحاكم المغربية محاكمة غير مسبوقة في ولاية الحكومة الحالية، تمثلت في فتح ملف المدعو الحاج أحمد بن إبراهيم والملقب بـ” بابلو إسكوبار الصحراء”. وكشفت من خلال خذا الملف عن دور بارز للبرلماني السابق عن حزب الأصالة والمعاصرة، المعروف بـ “ب. م”، في تهريب المخدرات عبر الحدود بين المغرب والجزائر. المحاكمة تستهدف اليوم نحو ثلاثين شخصًا، بينهم مسؤولون سابقون وشخصيات بارزة، وتدور حول تهم متنوعة تشمل تزوير الوثائق الرسمية، الفساد، تهريب المخدرات، والاستيلاء على الممتلكات. ومن بين المتهمين رؤساء مجالس تم التصويت عليهم من طرف المواطنين في انتخابات سابقة!.

وعرفت سنة 2022 عزل الأساتذة المتورطين في فضيحة “الجنس مقابل النقط” بكلية العلوم القانونية والسياسية بسطات التي تفجرت سنة 2021. قرار العزل النهائي يأتي بعد قضاء الأساتذة لمدة حبسية بعد صدور أحكام متفاوتة ضدهم. وشمل قرار العزل من الوظيفة العمومية أربعة أساتذة، من بينهم منسق ماستر المالية العامة، وأستاذ تاريخ الفكر السياسي، ورئيس شعبة القانون العام وأستاذ الاقتصاد.

وقد استمر الفساد في “أساس الملك” الذي هو العدل، حيث أحال المجلس الأعلى للسلطة القضائية 55 قاضيا على المجلس التأديبي بسبب اختلالات مهنية وأخلاقية، فيما أمر بتتبع ثروة 15 قاضيا آخرين، وأصدر المجلس سنة 2024، بحسب التقرير المرفوع إلى الملك محمد السادس، عقوبات بحق عدد من القضاة تراوحت بين العزل في حق قاضيين إثنين، والإحالة إلى التقاعد الحتمي في حق 7 قضاة، والإقصاء المؤقت عن العمل في حق 15 قاض وقاضية.. وموازاة مع ذلك، ارتفع عدد القضاة الذين تقرر إحالتهم إلى المجلس التأديبي من 35 قاضيًا سنة 2021 إلى 42 قاضيًا سنة 2022، ثم إلى 55 قاضيًا سنة 2023، أي بنسبة ارتفاع بلغت 57% مقارنة مع سنة 2021. الأمر الذي يتسم بدلالات كثيرة.

ومن فضائح الفساد المدوية التي ينطبق عليها المثل القائل: “حاميها حراميها” ما وقع مؤخرا في قضية القطيع المستورد بغية خفض أسعار اللحوم الملتهبة رأفة بجيوب المواطنين.  الدعم الموجه إلى استيراد الأغنام والأبقار كان قد أثار جدلاً سياسياً واسعاً خلال الأشهر الماضية، خاصة مع فشل الحكومة في تحقيق الغاية من هذا الدعم، المتمثلة في خفض أسعار اللحوم وإعادة الحيوية للقطيع الوطني استعداداً لعيد الأضحى. هذا الفشل لم يؤدِ فقط إلى استمرار الغلاء، بل انتهى إلى قرار بإلغاء شعيرة الذبح لهذه السنة استناداً إلى دعوة ملكية، وهو ما زاد من حدة الانتقادات لأداء الحكومة ووزارة الفلاحة.  ووُجهت للحكومة اتهامات باللجوء إلى حلول ترقيعية، أبرزها فتح باب الاستيراد بشكل غير مضبوط، وهو ما استفاد منه بعض المقربين من الحزب، وفق ما راج من معطيات، لتُطرح بذلك شبهات حول تبديد 13 مليار درهم خُصصت كدعم لاستيراد المواشي، بينما تجاوز سعر الكيلوغرام من اللحوم سقف 120 درهماً، في تناقض صارخ مع الأهداف المعلنة. بهذا المشهد، يتأكد أن أزمة اللحوم في المغرب ليست ظرفية أو موسمية، بل هي نتاج تراكمات في التدبير، وفشل واضح في التخطيط، وغياب آليات المراقبة والمحاسبة.

֎ رأي في الفضيحة الأخيرة لبيع الدبلومات وعن دور الجامعة.

دور الجامعة الحقيقي والمنطقي يتجاوز مجرد توفير التعليم وتخريج الأفراد، بل يشمل أيضًا تنمية المجتمع، والبحث العلمي، وتعزيز المواطنة. الجامعة مكان لتنمية المعرفة، حيث يتم إنتاجها وتطويرها وتوزيعها.

فهي تقوم يتخريج أفراد مؤهلين لسوق العمل ولديهم القدرة على التأثير في المجتمع كما أن الجامعة مسؤولة عن إجراء البحوث العلمية التي تساهم في حل المشكلات المجتمعية والتطور التكنولوجي.  وتعمل أيضا على تقديم خدماتها للمجتمع، مثل تقديم المشورة والمساعدة في حل المشكلات وتنمية المنطقة ولا ننسى دورها المحوري في تعزيز قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية وكذا تنمية وتشجيع الإبداع والابتكار من خلال توفير بيئة تعليمية وبحثية محفزة… فالجامعة المغربية المعاصرة ظلت موئلا للسعي العقلاني والالتزام الصادق مع الجابري وعبد الرزاق مولاي رشيد وسالم يفوت وغيرهم كثير.

لا بد من التركيز اليوم في صفوف الأساتذة الباحثين الشباب على ضرورة الانخراط الأخلاقي اللازم في جعل الجامعة تتابع جوهر وجودها: التوق المتلهف واللامتناهي لحضور العقل الساعي لإنضاج صورة المستقبل عن طريق أخذ المبادرات المعرفية المبنية على النوايا التربوية الشفافة مع تشجيع الطلبة على الانخراط المتواصل في العمل الفريقي العلمي مهما تباعدت الخلفيات لخدمة الوطن. هذه الدافعية الإيجابية للعمل الجاد بالجامعة تؤمن الدوافع الداخلية للتطوير. لأنه اليوم، الأستاذ في الكثير من الأحيان لم يعد يحب مهنته (على غرار ما وضحه مارسيل با نيول في روايته la gloire de mon père)، وأضحى غير مقتنع بقدرة التربية والتكوين داخل المدرسة والجامعة على التغيير، وهو بذلك يعمل بالتالي على نقل سلبيته إلى الطالب والمتعلم بنوع من العدوى.

الأستاذ الجامعي الفاعل في نظرنا يكون قادرا دوما –عبر نضاله- على تخطي أحلك الظروف المقاومة للتغيير وليس انتشار الفساد الأخلاقي بالجامعة من أقلها. والأكيد أن الجامعة بشكل عام ظلت لقرون رمزا للنضال والتغيير ونشر القيم النبيلة رغم تعدد الصدمات القوية …) يمكن مراجعة ما كتبه Michael Harloe في إعادة التفكير في دور الجامعة).

֎ قبل الختم: هل تمد الدولة حقا يدها اليوم للمجتمع المدني والحقوقي لمناهضة الفساد؟

في أحد المحاور السابقة، وضحنا كيف أن بعض الخطب الملكية ومضامين الدستور الجديد ل 2011 تدعو صراحة إلى الإشادة بدور المجتمع المدني في التنمية وفي كل ما يتعلق بالمساهمة في مكافحة كل أوجه الفساد بالمغرب. لكن بعض الأمثلة المنتزعة من صلب واقع الممارسة تثبت بأن هذا الدور تعرقله العديد من الممارسات المتناقضة تتراوح بين المنع والتضييق والمكيدة ضد فعاليات مدنية تستهدف تأطير المواطنين أو التوعية والتحسيس أو فضح بعض الخروقات الفاسدة.

– قبل الدستور الجديد: تم منع إحدى الهيئات المدنية المغربية من تنظيم نشاط تحسيسي حول فساد الانتخابات بمنطقة بوفكران، وتعلل المخزن حينها ب «عدم موافقة الوالي”.   وتم بمدينة العيون سنة 2007 رفض الترخيص لاستعمال قاعة العروض لإقامة نشاط تأطيري من طرف أحد الأحزاب القانونية بذريعة: “انتظار موافقة الوزير شخصيا”.

ثم منع المناضل عبد الغني أوشعيب بالحاجب من تقديم نشاط تأطيري وتلفيقه تهمة “التجمهر والتحريض”…

– بعد الدستور الجديد: تم منع شبيبة الاشتراكي الموحد من إقامة المائدة المستديرة التي كانت تنوي الحركة تنظيمها تحت عنوان “الحريات الفردية، ترف أم ضرورة” بالمركز الثقافي إدماج بعين السبع سنة 2019. كما تم منعنا شخصيا من تقديم نشاط حقوقي باسم الهيئة المغربية لحقوق الإنسان حول تيمة الفساد سنة 2015/2014 تحت عنوان “هل يمكن القضاء على الفساد بالمغرب؟”  بدار الشباب محمد الزرقطوني. حيث تم تعليل الرفض في المرة الأولى ب”تزامن النشاط مع زيارة مصطفى الرميد إلى المحكمة الابتدائية بأزيلال!!.”  ، وفي المرة الثانية “بعدم ملاءمة العنوان”. وفي المرة الأخيرة ب: «تزامن العرض مع الحملة الانتخابية”.  أما بخصوص التضييق على المناضلين بالمكيدة، والغيورين على المساهمة في تنوير المواطن وتأطيره، فقد تم وضع كمية من المخدرات في السيارة الخاصة للرفيق مجدي بمراكش سنة 2013 في إخراج فاشل لمسرحية “التنمر المخزني بالواضح”..

وفي سياق تحديث المساطر القانونية، استغل الوزير وهبي فرصة تعديل قانون المسطرة الجنائية لتحقيق هدفه الرامي إلى منع جمعيات حماية المال العام من تقديم الشكايات ضد المنتخبين والشخصيات العامة في قضايا اختلاس المال العام. وجعل أمامها جملة من المثبطات للقيام بهذه المهمة.

الحقوقيون بالمغرب اعتبروا هذا الإجراء غير منطقي، وأن الحكومة هي جزء من اللوبيات الفاسدة المستفيدة من واقع الفساد باستحضار تورط رئيسها في ملفات “تضارب المصالح” كما تداولت ذلك الصحف الوطنية. كما نددت هيئات حماية المال العام ب “رفع عقوبة التبليغ بالوشاية الكاذبة إلى 10 سنوات. ونعتوا هذه الوصفة “الوهباوية” بكونها تستهدف التهويل والترهيب لتفريش السجاد الأحمر تحت أرجل المفسدين.

باختصار، النصوص الرسمية المكتوبة تشجع الجمعيات المدنية على العمل والتأطير والتحسيس وغيرها من الأمور المكفولة دستوريا، لكن واقع الحال يترجم تناقضا صارخا بين الموجود والمنشود في هذا الصدد. وهذا مظهر من مظاهر إيقاذ مشعل اليأس وإحباط عزائم بناء مجتمع حر وديمقراطي.

3- على سبيل الختم: خلاصات تركيبية ومنظور خاص في التصدي للمعضلة

لاحظنا كيف عاش المغرب محطات فساد خطيرة أضرت بالجميع لكونها في السنوات الأولى مست كل القطاعات الداعمة للاقتصاد الوطني. كما لاحظنا أن التعليم كقطاع يصنع الأجيال توالت عليه الضربات القاتلة لفضائح التسريب، كما أن القضاء كسلطة مستقلة لم يسلم من براثن الرشوة وهو المفروض أن يدافع عن حقوق المستضعفين ويصون كرامتهم ضد الفساد والمفسدين. وقد تطرقنا لبعض الجوانب المظلمة من تاريخ العملية الانتخابية بالمغرب والتي استأسد فيها الفساد استئسادا، مركزين أيضا على بعض أوجه الإفساد الانتخابي الأخرى التي قلما ننتبه إليها بخصوص النخبة السياسية بالمجالس الجماعية والبرلمان. واستطردنا في المقال بتقديم نماذج حية من فساد المؤسسة العسكرية قبل أن نعرج على استفحال الفساد في زمن كورونا وتقديم رأي مقتضب عن دور الجامعة العصرية وسمات الأستاذ الجامعي الفاعل داخلها. كما ركزنا على الطابع المتناقض في تعامل الدولة مع المجتمع المدني فيما يتعلق بمعضلة محاربة الفساد وكافة الأنشطة التحسيسية والتأطيرية المنوطة بالفاعل المدني من أجل المساهمة في بناء مجتمع حر وديمقراطي، تناقض يتجلى في رغبة الدولة في دخول مراحل متقدمة من مسار مكافحة الفساد بإشراك المجتمع المدني في مسلسل الإصلاح من جهة، ومقاومة بعض المبادرات الجمعوية الهادفة إلى حماية المال العام والتأطير المكفول من طرف الدستور من جهة أخرى.

يمكن القول بأنه سيكون من الصعب تحقيق المغرب للتقدم المطلوب في مكافحة الفساد، خاصة في ظل التصنيفات الدولية، إذا لم يتم تعزيز فعالية النظام الوطني للنزاهة بشكل شامل، بدلاً من مجرد التركيز على إصلاحات سطحية أو إجراءات معزولة. كما أن الجهود الحالية في مكافحة الفساد، مثل الخطابات أو الحملات التوعوية، قد تكون غير فعالة إذا لم يتم توفير الظروف الملائمة (الاستقلالية، الحرية، الإمكانيات) لتنفيذها بشكل فعال.

بشكل عام، هناك تحديات تعيق سياسات مكافحة الفساد في المغرب: التحدي الأول مرتبط بجدية الإرادة السياسية لمحاربة الفساد. التحدي الثاني يرجع إلى الاختلالات والنواقص على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي وضعف الأداء المؤسساتي في هذا الشأن، ولا سيما محدودية فعالية النظام الوطني للنزاهة بوجه عام، وعلى مستوى منظومة المحاسبة بوجه خاص. والتحدي الثالث يتمثل في الضعف المسجل على مستوى الموارد والقدرات، والبطء في تفعيل مؤسسات الحكامة، وهناك تحدي هام يتمثل في الصعوبات الملحوظة على مستوى إدماج المجتمع المدني في الجهود الرسمية، وكذا شيوع ثقافة التطبيع مع الفساد. ويرى بعض المحللين أنه رغم كل الترسانة القانونية والمنظومة المؤسساتية وحزمة الإجراءات التي حققتها الدولة، فإن الفساد مازال مستشريا بالمغرب، مخلفا آثارا وخيمة اقتصادية واجتماعية ومعنوية على مستوى صورة المغرب. إذ تقدر الخسائر بما يتراوح بين 5% و7% من الناتج الداخلي الخام أي ما لا يقل عن ربع ميزانية الدولة وثلاث مرات ميزانية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية!!!.

باختصار شديد، نرى أنه من الجدير بالإشارة التنويه بمؤسسة المجلس الأعلى للحسابات وما قام به من أدوار مهمة في مكافحة الظاهرة منذ التأسيس، لكن وجب الانتباه إلى جملة من الإكراهات التي تواجهه في مقدمتها الكم الهائل من الإيداعات مقارنة مع الإمكانيات التي يمكن أن يسخّرها في عملية المراقبة. من هنا ضرورة مراجعة الجانب التشريعي والمؤسساتي والجانب التنظيمي والعملي لهذا المجلس، مع إرساء منظومة معلوماتية متطورة ومدمَجة، تستطيع تحليل المعطيات بكيفية شاملة وأوتوماتيكية وبتنسيق ربما مع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

كما نرى أنه من الأفضل بل من الضروري نغيير الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة حتى الآن في هذا الشأن، والتي تتسم بالسير وفق إيقاع بطيء وتقوم على التحسيس أكثر مما تقوم على الزجر، الذي يظل مطلبا أساسيا في حق كل فاسد متلبس. (لاحظ النماذج الأروبية والأمريكية، وراجع نموذج فرنسا خلال القرن التاسع عشر لمحاربة الفساد الذي ركز على إصلاحات قانونية، وتأمين الأصول، وتعزيز الشفافية. كما استهدف هذا النموذج الفساد في مختلف مستويات الحكومة والقطاع الخاص، مع التركيز على وضع قواعد صارمة وعقوبات قاسية لمنع الفساد). طالع أيضا ما كتبه Yvonnick Denoel  في التاريخ السري للرشوة بالجمهورية الخامسة…

ويجب على الإعلام المرئي أن يقوم بدوره المحوري في مكافحة فعالة للمعضلة من خلال برامج تلفزية هادفة تعمل على التكوين والتحسيس والتأطير وخصوصا إعطاء الدروس والعبر. في هذا الصدد، وجب تقديم حلقات في برنامج مهم ك «مداولة” خاصة بمجرمي المال العام وناهبي الثروات الوطنية من كبار الشخصيات وأصحاب الثراء الفاحش عوض الاقتصار على مواضيع الطلاق والسرقة الموصوفة والجنح الساذجة..

ولا ننسى ضرورة أن يصبح موضوع مكافحة الفساد بالمغرب موضوعا محوريا في أوراش الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية مع ربطه ربطا عضويا بالنموذج التنموي الجديد. وفي المقترح الأخير، لا بد من الاستمرار في تقوية منظومة العدالة وجهاز القضاء الذي مازال في طور إعادة البناء والإصلاح، ويشكو من ضعف الموارد البشرية تبعا لما جاء في أول تقرير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية صدر سنة 2018.

فالمعركة معركة وطنية بامتياز يجب نزع الطابع السياسوي عنها من خلال العمل على تشكيل تكتل عريض وتوافق سياسي واجتماعي واسع يؤطره ميثاق وطني لمكافحة الفساد. لأنه على الرغم من التحديات الكبيرة، إلا أن القضاء على الفساد في المغرب ليس مستحيلًا. فالأمر يتطلب تغييرًا جذريًا في الثقافة والاتجاهات، وإصلاحات شاملة في القوانين والنظم الرقابية بتنسيق تشاركي مع جميع الأطراف، ما سيمكننا من بناء مجتمع أكثر عدلاً وكرامة.

*المسلك سعيد، أستاذ اللغة الفرنسية بثانوية ولي العهد الإعدادية بأزيلال وعضو الفرع المحلي للهيئة المغربية لحقوق الإنسان.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد