أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

حين ينتصر العلم على التفاهة: خمسون مغربيا في قلب النخبة العلمية العالمية

بقلم : ع.اللطيف شكير

في سابقة هي الأولى من نوعها، تمكن خمسون طالبا مغربيا من ولوج المدرسة الفرنسية العريقة “École Polytechnique de Paris”، وهي من أرقى مؤسسات التكوين العلمي والهندسي في العالم. هذا الرقم، الذي لم يسبق للمغرب أن بلغه، ليس فقط إنجازا أكاديميا لافتا، بل أيضا علامة فارقة في مسار التعليم المغربي، يفرض على الجميع التوقف مليا عند دلالاته العميقة، وتقدير الجهود الخفية التي مهدت له الطريق، في زمن صار فيه الاحتفاء بالتفاهة أعلى صوتا من تقدير الاجتهاد.

هذا النجاح الباهر لا يمكن قراءته بشكل معزول عن السياق الوطني والاقليمي والدولي، فهو ثمرة سنوات من العمل الدؤوب داخل مؤسسات مغربية اختارت أن تسير عكس التيار ، على رأسها ثانوية التميز بابن جرير (LYDEX)، التي ينحدر منها 38 من أصل المقبولين، والتي تُعد نموذجا حديثا لمؤسسة تعليمية تراهن على الذكاء والانضباط، وتوفر لتلامذتها تكوينا علميا مكثفًا في الرياضيات والفيزياء والمعلوميات، بإشراف أساتذة مرّوا من المدارس الفرنسية الكبرى، ويعرفون أسرار النجاح فيها.

لكن النجاح لا يُبنى فقط على قوة البرامج الدراسية، بل على صرامة الانتقاء. فالمؤسسات التي تخرج منها هؤلاء التلاميذ، وعلى رأسها مؤسسات التميز، تعتمد على اختبارات دقيقة، تفرز نخبة تملك قدرات ذهنية ونفسية استثنائية. تلاميذ غالبا ما ينتمون إلى أوساط اجتماعية متوسطة أو بسيطة، لكنهم يتسلّحون بطموح لا يلين، مدفوعين بإرادة أسرهم التي تُقدّس التعليم وتعتبره بوابة الخلاص والكرامة.

لا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون الإشارة إلى الدور الحاسم للدعم المؤسساتي والمادي. فمؤسسة OCP ، من خلال تمويلها لمشاريع تربوية رائدة، أتاحت لهؤلاء التلاميذ التكوين في بيئة محفزة، تؤمن لهم الإقامة، والتغذية، والمواكبة النفسية والدراسية، فضلاً عن انفتاحهم على مدارس النخبة الفرنسية عبر تدريبات ومحاكاة متقدمة. كل هذه العناصر كوّنت جيلًا مهيّأ لمنافسة أبناء النخب الفرنسية والأوروبية، وهو ما تأكد هذا العام بقبولهم بأعداد غير مسبوقة في مدرسة بوليتكنيك.

هذا التفوق يكتسي دلالة رمزية كبيرة في مجتمع يعاني من تآكل في القيم، وانجراف واسع وراء موجات “الترند” السطحي، واحتفاء واسع بنماذج تكرس الرداءة كسبيل للنجاح السريع. ما حققه هؤلاء الشباب هو دعوة صامتة، لكنها قوية، للعودة إلى الجوهر: العلم، المثابرة، الصبر، والتكوين الرصين. إنهم يقفون اليوم كحجة حية على أن المغرب، رغم كل اختلالاته، ما زال يملك طاقات استثنائية قادرة على التألق في المحافل الدولية، حين تمنح الفرصة، ويرفع عنها الغبار.

لكن، لا ينبغي لهذا الإنجاز أن يتحول إلى مجرد رقم يتداول في الصحافة، ثم يُنسى ، فالدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تعي بأن هذه العقول اللامعة هي رأس مالها الحقيقي، وأن احتضانها ليس ترفا، بل ضرورة استراتيجية. نحن لا نتحدث فقط عن النجاح الفردي لتلميذ أو مجموعة، بل عن إمكانية بناء جيل جديد من العلماء والمهندسين والمبتكرين، قادر على قيادة المغرب نحو اقتصاد المعرفة، وتحقيق الاستقلال العلمي والتكنولوجي الذي طالما كان حلمًا مؤجلاً.

هؤلاء الطلبة لا يريدون التصفيق لهم في نشرات الأخبار، بل يريدون أن يروا بلدهم يؤمن بهم، يراهن عليهم، ويوفر لهم المناخ الذي يجعلهم يختارون خدمة وطنهم بدل الهجرة القسرية إلى حيث تُقدر العقول. وهم ليسوا حالات شاذة، بل نتيجة لمنظومة متكاملة نجحت، رغم ضعف الإمكانات أحيانا، في صنع فرق حقيقي. المطلوب الآن هو تعميم هذا النموذج، وحمايته من الانحراف، وجعله أفقا لجميع التلاميذ المغاربة، لا امتيازا لنخبة محظوظة.

في زمن كثرت فيه الأصوات التي تحتفي بالتفاهة، وتقصي الجدية، جاء هذا الإنجاز ليعيد الثقة في قدرة المغرب على صناعة التفوق، لا استيراده. وجاء ليؤكد أن الطريق إلى العالمية لا تمر عبر الشهرة الزائفة، بل عبر المعادلات، والتجارب، والكتب، والسهر الطويل على مقاعد الدراسة. إنها لحظة يجب أن تُستثمر لبناء خطاب جديد حول التعليم، يحترم التلميذ الجاد، ويحتضن الموهوبين، ويعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، ولأستاذها، وللطالب المجتهد.

هذا هو المستقبل الذي يستحقه المغرب ، وهذه هي النخبة التي ينبغي أن تكتب عنها الروايات، لا أن تترك في الظل.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد